}

رحيل رضا البهات: الانحياز للهامش كغاية

إيهاب محمود 1 سبتمبر 2026
هنا/الآن رحيل رضا البهات: الانحياز للهامش كغاية
رضا البهات

منتقلًا من الشعر إلى الرواية، اختار الروائي المصري رضا البهات الانتقال من القاهرة إلى ريف محافظة المنصورة، ليعيش حياته بأكملها على الهامش، مستفيدًا من مهنته كطبيب في كتابة الرواية، حيث وجد أن ثمة عاملًا مشتركًا بين المسارين، إذ إن الجانب الإنساني في هذه المهنة يوقظ ملكة الكتابة عند الإنسان وينميها، بحسب تصور البهات الذي رحل قبل أيام معدودة.

"أمام الطبيب تذوب الفوارق الطبقية والاجتماعية، فلا يقف أمامك إلا جسد متألم، فقيرًا كان أو غنيًا، كبيرًا أو صغيرًا، رجلًا أو امرأةً، يتعرّى الإنسان من غروره ويظهر ضعفه، ولا يتحرّر مما يكره من ألم إلا بما يكره من علاج"- يقول رضا البهات في حوار صحافي. هذه المفارقات تثير التأمل وتحفز على التفكير، فحقيقة الحياة تنكشف واضحة أمام الطبيب، فإذا كان يحمل حسًّا مرهفًا واتجاهًا إصلاحيًّا فبالتأكيد ستحصل على كاتب ومبدع.

الحياة بين الطبيب والروائي، وبين القاهرة والريف، وبين الشعر والرواية، جعلت البهات يؤمن بأن هناك ثقافتين: ثقافة القاهرة، وثقافة خارج القاهرة، إلى درجة أن من يحكم القاهرة يحكم مصر، وهذه سمة تاريخية خفف من آثارها ما حدث من تطور في وسائل الاتصال.

امتلك البهات موقفًا فلسفيًّا من الدين، إذ يرى صاحب "شمعة البحر" أن التشدّد الديني الكاسح من بداية السبعينيات غير كثيرًا من خصائص المجتمع المصري وأفقده عددًا من سماته التاريخية الهامة التي كان من أبرزها الوسطية والاعتدال؛ فما النقاب والثياب المعهودة وغيرهما من المظاهر إلا تفريغ للدين من مضمونه، وكان هذا طلب الغرب، فالغرب له مصلحة في كبح تقدم مجتمعاتنا بما بات يعرف بالإسلام السياسي، وهو الذي قدّم الدعم للمتشددين تحت ستار مقاومة الشيوعية في العالم بدءًا من أفغانستان، وفي النهاية عاد هؤلاء لأوطانهم ليحدثوا فيها تشققات داخلية كبيرة.

في "شمعة البحر" استفاد البهات من خبراته العميقة في الريف المصري، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية "الشيخ جلال" التي لها أصل واقعي، إذ عرف رجلًا عاش أكثر من تسعين عامًا وحضر عزاءه.

أما "ساعة رملية تعمل بالكهرباء" فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على "جائزة ساويرس الثقافية" في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

يرى الكاتب والناقد عبد السلام فاروق أن رواية "بشاير اليوسفي" كانت رواية من ذلك النوع "الذي لا يكتب إلا مرة واحدة في العمر"، ويضيف أنها "رواية تحمل في داخلها زمنًا كاملًا، بكل تعبه، وكل حلمه، وكل خيبته... رواية تشبه مرآة مصقولة، من ينظر فيها يرى وجهه، ويرى تاريخه، ويرى بلاده، لكن من منا وقف أمام هذه المرآة؟ من منا سأل نفسه من هو هذا الرجل الذي يكتب عني بهذا الصدق، وبهذا العمق، وبهذا الجمال؟".

انتمى البهات إلى كتّاب جيل السبعينيات الذين أثقلتهم الأيديولوجيا، وأرقتهم سنوات الهزيمة التي مُنيت بها مصر في حزيران/ يونيو 1967، ومن بعدها الأثمان الفادحة المدفوعة في النصر الذي تحقق في عام 1973، وما أعقبه من تسويات مهدت لها مرحلة الانفتاح التي غيرت من ملامح الشخصية المصرية وأثقلتها بالفواتير.

ووفق مقال للناقد سيد محمود، يعثر القارئ في روايات رضا البهات على حيرة المصريين في تعاملهم مع لحظات الانطفاء التي رافقت الهزيمة، "كما يجد فيها الإلحاح القلق على ضرورة الثأر ومقاومة العدوان، ويلمس كذلك الرغبة الحارة في الوقوف أمام صور الاتجار بالدين، وفضح النماذج المتشددة للمروجين لثقافة الموت على حساب ثقافة الحياة، كما في روايته البديعة ’شمعة البحر’".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.