لا يريد هذا المقال استعراض تاريخ الملحمة العربية كشكل كتابة أو مشافهة، أو الخوض في السّيرة الشعبية كسيرة عنترة أو السيرة الهلالية أو سيرة سيف بن ذي يزن أو ذات الهمة، فهذا مبحث يتجنب المقال خوضه لأنه منزلق يخرجه مما أراد أن يقوله. السّؤال هنا راهن وربما يستجيب إلى شغف العالم بالملاحم، وهو ما بدا واضحًا مع إعادة إنتاج "الأوديسة" سينمائيًا. هل يمكن للراهن السياسي والحضاري والأدبي والفني عمومًا خلق القدرة على إنجاز ملحمة؟
أعاد دخول الوسائط البصرية الحديثة تشكيل الذاكرة الجمعية برمتها. فإذا كانت الملحمة القديمة تخشى المحو وتعتمد على الرّاوي لحفظ الحدث، فإن العصر الرقمي بات يمتلك أرشيفًا بصريًا هائلًا ونشطًا. حيث تحوّلت الصّورة الوثائقية البصرية إلى شريك حيّ يتغلغل في عمق النص، ممارسًا وظيفة الجوقة الإغريقية المعاصرة التي تجعل المشهد المأساوي بثًّا حيًا يتابعه الضمير الجمعي الإنساني في اللحظة ذاتها. فالتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، اليوم، تنقل الحروب والثورات والكوارث وهي تحدث، مما يجعل المتلقي شاهدًا مباشرًا، ليس مجرد قارئ لاحق. غيّر هذا طبيعة العلاقة بين السرد والجمهور، وجعل وظيفة الملحمة أقرب إلى التعليق الحيّ على الأحداث منها إلى سرد ماضٍ مغلق.
يمتلك الواقع العربي المعاصر مادة خامًا تفيض بالتراجيديا والدراما القومية؛ ممثلة في معارك التحرر الوطني، الثورات الكبرى، زلازل الانكسارات والتحولات الجيوسياسية المتلاحقة. تتجلى هذه المادة أيضًا في ظهور أبطال وأيقونات تاريخية اختزلت في مساراتها الفردية صراع أمة بأكملها. وقد مثل التحول العميق للقدس والأرض المحتلة مركز ثقل روحي يؤدي الوظيفة الرمزية التي كانت تؤديها الأماكن المقدسة في الملاحم القديمة. غير أن توفر هذا الرصيد التاريخي الهائل يثبت أن أزمة الملحمة العربية المعاصرة ليست أزمة مادة ولا شح شهادات. هي أزمة تركيب وتأليف. إذ يظل التحدّي الجمالي رهين القدرة على تحويل المباشرة الصحافية والوثيقة الخام إلى صياغة رمزية تتسامى عن اللحظة السياسية العابرة بدون أن تفقد حرارتها الواقعية.
يملك المبدع العربي كذلك من الأحداث والسير الشعبية ما يكفي لعشرات الملاحم، لكنه يفتقر في الغالب إلى المسافة التي تمكنه من صياغتها فنيًا. فالحدث الملحمي يحتاج إلى زمن كافٍ ليهدأ، وإلى رؤية تركيبية قادرة على استخلاص المعنى من الزخم، وليس مجرد توثيق الوقائع بأمانة. والمعنى هنا هو إبراز أهمية التخييل في إعادة بناء الواقع، وقدرة المبدع على تنظيم الشذرات المتضاربة من دون أن يخون حقيقة التجربة التاريخية.
تحول في بنية الراوي
عاش الفكر العربي الحديث زمنًا طويلًا أسير نموذج "الراوي العليم" - الصوت الواحد الذي يملك الحقيقة الكاملة ويوزعها على الجماعة، سواء كان هذا الصوت دينيًا أو أيديولوجيًا أو قوميًّا خالصًا. هذا النموذج، بطبيعته الأحادية، عاجز عن استيعاب الملحمة الحديثة التي تقوم على تعدّد الأصوات وتقاطع الشهادات المتنافرة. كان التحول الجوهري انكسار سلطة الرّاوي الأوحد لصالح وعي تعددي يقبل التناقض بوصفه شرط المعنى لا نقيضه - وهو انكسار غذّته هزائم سياسية كبرى فتّتت اليقين الجمعي. وغذته أيضًا موجة نقدية جعلت "الحقيقة الواحدة" فرضية مرفوضة.
ارتبطت المحاولات العربية لكتابة الملحمة ارتباطًا وثيقًا بالتأسيس لجنس المسرح الشعري، إذ مثلت التجربة سعيًا طموحًا لتطويع ديوان العرب ليتسع لفن وافد يقوم على الصراع الدرامي والموضوعية. لم تكن مشكلة هذه التجربة مجرد عجز عروضي أو هيمنة لصوت الشاعر على شخصياته. كانت تعبيرًا عن توتر بنيوي وفلسفي عميق بين غنائية اللغة الشعرية ومتطلبات الحركة الدرامية، وبين كثافة العبارة وسرعة الفعل المسرحي. برز هذا التوتر في مسرحيات أحمد شوقي وعزيز أباظة في صيغة حوارات تميل إلى التجريد الجمالي على حساب اندفاع الصراع. وحاول شعراء الحداثة مثل صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوي تخفيف هذا الشد البنيوي عبر شعر التفعيلة لتقريب الإيقاع الشعري من نبض الدراما اليومية، غير أن التجربة أثبتت أن الشدّ القائم بين حصرية الصوت الشعري وتعددية الفعل المسرحي يجعل المسرح الشعري قنطرة عبور تاريخية ربما سلّمت التحدي الملحمي لوسائط سردية أكثر حرية وطواعية. كان المسرح الشعري محاولة نبيلة لكنها غير مكتملة، كشفت عن حدود القالب الشعري في استيعاب تعقيدات الواقع العربي الحديث، وأشارت إلى أن الملحمة القادمة قد تجد موطنها في الرواية أو في أشكال هجينة أخرى.
فلسطين والملحمة المفتوحة
تُشكل التجربة الفلسطينية أكثر التجارب العربية المعاصرة اقترابًا من تجسيد الوظيفة الملحمية، متجاوزة أبعادها السياسية المباشرة لتغدو صياغة إنسانية لرحلة التيه والفقد والتغريب المقترنة بالإصرار على التحرر والعودة.
تكمن قوة هذه التجربة في كونها نمط الملحمة المفتوحة أو الملحمة في أثناء الحدوث كما وقع في غزة. خلافًا للملاحم التقليدية التي كانت تُكتب عادة بعد انغلاق قوس التاريخ وبرود رماد المعارك. في الملحمة المفتوحة، تندمج الصورة اليومية للهدم والمفتاح القديم والوثيقة الرقمية مع النص الأدبي في لحظة الاشتعال ذاتها لمقاومة المحو. انعكس هذا التشكيل الملحمي في الشعر مع شعراء القضية الفلسطينية خاصة محمود درويش عبر الارتقاء بالقصيدة من الغنائية الفردية إلى صياغة الصوت الجمعي، حيث أصبحت قصائده بمثابة أرضية مشتركة للوعي الفلسطيني، تؤرخ للجرح وتحلم بالعودة بأسلوب يجمع بين الأسطوري واليومي.
بينما امتدت البنية السردية مع غسان كنفاني وصولًا إلى مشروع إبراهيم نصر الله الروائي الذي يسعى لبناء عمارة سردية تتشابك فيها الأجيال مع الأرشيف والذاكرة الحية. هذه التجارب تشير إلى أن الملحمة العربية المعاصرة، في غياب الدولة الموحدة والراوي الأوحد، قد تولد من رحم التجربة الاستثنائية، حيث يصبح التيه نفسه بطلًا، وتصبح العودة المنشودة هي الغاية التي تمنح الرحلة معناها الملحمي.
شهد النصف الأول من القرن العشرين محاولات لنظم الملحمة الكلاسيكية كما في ملحمة "أحسن القصص" لخالد الفرج أو ديوان "مجد الإسلام" لأحمد محرم، لكن التحول التاريخي الكبير تمثل في انتقال مركز الثقل الملحمي من البيت الشعري إلى العمارة الروائية، حيث قدمت أعمال مثل "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، و"مدن الملح" لعبد الرحمن منيف، وإبراهيم الكوني في ملاحمه الصحراوية، نماذج رفيعة لاتساع الزمن والطبقات الاجتماعية والصراع الفلسفي. ومع ذلك، فإن الوسيط الملحمي المعاصر لم يعد محصورًا في الرواية وحدها لأنه يتجه نحو تشكيل منظومة سردية هجينة عابرة للأجناس. فالملحمة القادمة قد لا تكون رواية مغلقة ولا قصيدة مطولة. إنه نسيج يتقاطع فيه السرد الروائي مع كثافة الشعر، وحركية السينما، وحرارة الوثيقة الرقمية، ليصبح النص عبارة عن أرشيف متفاعل يمنح الفوضى التاريخية شكلًا دالًا.
يتطلب بعث الوظيفة الملحمية تجاوز العقبات التي يفرضها إيقاع العصر الرقمي، وفي مقدمتها التشتت وطغيان المباشرة على حساب عمق التأمل. لم تعد الملحمة المعاصرة تبحث عن الخلود في العالم الغيبي كما في الماضي. هي تخوض مواجهة حاسمة ضد النسيان والمحو الفكري وضد التواطؤ والإبادة والشر. أصبح المبدع المهندس الجمالي الذي يستقبل فائض الصور والشهادات والأصوات المتضاربة ليقيم منها بناءً كليًا يمنح الواقع معناه الفلسفي. فالملحمة الحديثة لن تولد من التكرار الآلي للقوالب القديمة أو استنساخ البحور الممتدة. ستتشكل عندما تنصهر المنظومة السردية الهجينة مع عمق الرمز وفاعلية الأرشيف البصري. لم تعد حكاية الآلهة التي تصنع أقدار البشر. هي تجسيد لإصرار الإنسان على منح فوضى تاريخه شكلًا دالًا يحميه من المحو الحضاري.


تحميل المقال التالي...