}

شعيب حليفي: الرواية اليوم أصدق مرآة تصون ذاكرتنا

محمود عبد الغني محمود عبد الغني 26 فبراير 2021
حوارات شعيب حليفي: الرواية اليوم أصدق مرآة تصون ذاكرتنا
شعيب حليفي.. الكاتب والروائي والناقد المغربي

شعيب حليفي كاتب وروائي وناقد مغربي بارز. من مواليد مدينة سطات. يشتغل أستاذًا جامعيًا في الدار البيضاء، ويترأس مختبر السرديات، وتكوين الدكتوراة حول السرديات، ومنسق ماستر السرد الأدبي والأشكال الثقافية، ورئيس تحرير مجلة "سرود".
له من الروايات: "مساء الشوق"، و"زمن الشاوية"، و"رائحة الجنة"، و"مجازفات البيزنطي"، و"لا أحد يستطيع القفز فوق ظله"، و"أسفار لا تخشى الخيال"، و"تراب الوتد"، و"سطات"، و"لا تنسَ ما تقول".
كما أصدر في مجال النقد الأدبي مجموعة من المؤلفات، منها: "شعرية الرواية الفانتاستيكية"، و"الرحلة في الأدب العربي"، و"هوية العلامات"، و"في العتبات وبناء التأويل"، و"مرايا التأويل"، و"عتبات الشوق"، و"ثقافة النص الروائي".
نسق وحرّر عشرات من الكتب في البحث العلمي، وفي النقد الأدبي، وفي المجال الاجتماعي، مثلما أسهم في التأسيس لثقافة مضادة، من خلال إشرافه على أنشطة متنوعة في جغرافيات مهمشة.
هنا حوار معه:


(*) فزتَ، أخيرًا، بجائزة المغرب للكتاب في صنف السرد عن روايتك "لا تنس ما تقول" في سنة 2021. كيف تلقيت هذا الفوز؟
تلقيتُ الخبر بوصفه جزءًا من الحركة الثقافية في المغرب، التي تشكل تقييمًا لعدد من الأصناف، وتمنح القراء، داخل المغرب وخارجه، فرصة للاطلاع على نماذج من ثقافتنا، وعناصر الاجتهاد والتطور. الفوز الحقيقي هو للرواية، بأصواتها وقدرتها على محاورة خيالنا وخيالات مجتمعنا.
دلالة فوز الرواية المغربية ليست في الظاهر المقترن بالاحتفاء، ولكنها في الانتباه إلى ما تريد الرواية قوله، وتعبيراتها الوحشية في علاقاتها مع الخيال "غير الرسمي". الرواية اليوم هي أصدق مرآة تصون ذاكرتنا، وتمنحنا القدرة والثقة، ونسب خيالنا، فإذا كان الاقتصاد العالمي، اليوم، ينوب عنا في صنع حاجياتنا؛ فإنه غير قادر على صنع أحلامنا وذاكرتنا وقدرتنا على الفعل والانفعال.



(*) كيف تصف رواية "لا تنس ما تقول" الفائزة، للقراء؟
تنهض رواية "لا تنسَ ما تقول" على تجربة الكتابة عن "الخيال الضائع" في العوالم الصغرى والهامشية، وخصوصًا الشاوية، التي اتخذَتها مرجعًا ونافذة سحرية على العالم، فتتحول الحبكات العادية واليومية والعابرة، وسط عاصفة الزمن، إلى لحظات حكائية مدهشة وساحرة. ومثلما ارتبطت رواياتي السابقة بالإطلال على العالم من شرفة صغيرة ومحلية، فإنني في هذه الرواية أنزل إلى هذا العالم بممراته السرية وكهوفه الخرافية وأزقته الظاهرة، ثم أصعد وأنا ممتلئ بعالم جديد أحاوره وألاعبه وأسخر منه بلغة سردية تتكلم بأصوات شخصيات تنمو طبيعيا كأنها مخلوقات حية لا تختلف عن المكان الذي تتحرك فيه، وعن الزمن الذي تُصارعه، لتجد نفسها، في البداية والنهاية، جزءًا من سيرورة خيال جمعي مشترك.

شخصيتان وفضاءات وسيرورة حياة متشابكة في خيال يحمل أثر الراهن. وفي الوقت نفسه لا يتخلص من أثر انحفر في عادات وعلامات تعود إلى أكثر من 12 قرنًا. وضمن هذه السيرورة، يحضر المجتمع بتناقضاته، كأنه فيلم سينمائي، ومسرحية، ولوحة بيضاء.



(*) أنت معروف، أيضًا، بالدراسة والبحث. هل يحضر الناقد في الكتابة الروائية؟
الناقد هو وعي وذوق واختيار. وحتى لو لم أكن ناقدًا، فإن حاسة المبدع أداة حاضرة فيه تؤطر اختياراته. وأعتقد أني أجد نفسي في النقد مقيدًا، وأحيانًا مُحاصرًا. لم أتخلص من هذا القيد إلا في كتابي النقدي الأخير "ثقافة النص الروائي"، الذي كتبتُه بنَفَس إبداعي. أما في الرواية فإنها تتمرد على الناقد، وتأخذ كامل حريتها في الكتابة، من دون أن تجعل الناقد رقيبًا أو موّجهًا. وأعتقد أن الكتابة الإبداعية تستفيد وتتغذى من الإبداع، ومن تماس الأحاسيس والأفكار، أكثر مما تستفيد من النظريات.



(*) كانت مشاركة الرواية المغربية قوية في جائزة المغرب للكتاب في موسم 2021. كيف يمكنك تقييم الرواية المغربية الحديثة؟
باتت الرواية المغربية تمتلك مسارها الخاص، بخصوصيتها وسلطتها الثقافية، فرغم عمرها القصير، استطاعت أن تؤسس لنفسها عالمًا مرتبطًا بذاكرتنا وهويتنا وخيالنا. روائيون مؤسسون وآخرون يجددون ويواصلون كتابة الرواية المغربية وكأنهم يكتبون رواية واحدة. وأعدُّ قوة الرواية، اليوم، في الروائيين الشباب الذين يخوضون تجارب ذات قيمة عالية وأساسية في الثقافة المغربية، ويستحقون التشجيع عبر النقد والنقاش الحقيقي الذي يُثمِّن ويجعلنا، جميعًا، نواجع الصمت والاستسلام الرهيب الذي يغزونا.



(*) هل ترى أن النقد يواكب تطور هذه الرواية؟
النقد الأدبي غير معزول عن الثقافة بكل مكوناتها، وهنالك إكراهات تتصل بالقراءة والتوزيع، وبالتعليم، ومستوى العيش، وكثير من الأعطاب التي تضرب التوازن العام.
تتنوع مواكبة الرواية بين النقد الجامعي، ضمن بحوث وأطاريح، والتي تظل أغلبها رهينة رفوف الجامعة، وبين النقد الذي يصدر في كتب مستقلة، أو كتب جماعية، وهو قليل جدًا، في ما يبقى النقد الإخباري، في اللقاءات الثقافية، وعلى صفحات الجرائد الورقية والإلكترونية، أو مواقع التواصل، هو الغالب.

ليس لدينا تقليد في هذا المجال، من خلال مراصد متخصصة، ولكن الذي لدينا هو اجتهادات أفراد، أو مجموعات؛ فنحن، في مختبر السرديات، مثلًا، نُتابع إلى جانب ما يُكتب، في حدود استطاعتنا، نقد الرواية من خلال بحوث الطلبة، والندوات، وما نُصدره من كتب جماعية. ورغم ذلك، فإن النقد لا يستطيع تغطية أهم النصوص الصادرة.
ابتداءً من هذه السنة، تكلف فريق من الباحثين، بإصدار كتاب نقدي سنوي يُتابع، من خلال دراسات وأبحاث، أهم الروايات المغربية الصادرة خلال السنة، بتعاون مع نقاد وباحثين من المغرب والعالم العربي.



(*) ما هو تقييمك لحضور تدريس الرواية والسرد، عمومًا، في الجامعة المغربية؟
أعتقد أن الجامعة المغربية تحمل دينًا جميلًا على عاتقها تُجاه أساتذة مؤسسين لدرس الرواية في الجامعة، والدرس النقدي الحديث. إن اسم أحمد اليبوري، واسم محمد برادة، وثلة من الأساتذة، منذ ستينيات القرن الماضي، عملوا بجهد نادر، وبقدرة فائقة على إدخال المناهج الحديثة، والإبداع المعاصر، ومنه الرواية التي أصبحت درسًا قائمًا في كل الأسلاك. حتى بات، ومنذ تسعينيات القرن الماضي، أغلب أساتذة الرواية والنقد الأدبي الحديث في الجامعة المغربية، ونقاد الأدب الحديث، من طلبة الجامعة، الذين درسوا عند أحمد اليبوري، ومحمد برادة، ولاحقًا لدى الجيل الأول من طلبتهم.
بالنسبة لدرس الرواية، اليوم، في الجامعة، فقد انتبه الباحثون إلى الالتفات إلى الرواية المغربية، وإلى ما استجد من مناهج في النقد الثقافي والتاريخانية الجديدة وما تُتيحه من مداخل جديدة في المقاربة النقدية، الأمر الذي حقق تراكمًا أسهم في الالتفات في العقد الأخير نحو أشكال سردية من التراث الثقافي الشعبي، في ارتباط بالذاكرة والتاريخ والذات والمجتمع.



(*) أسست مجلة "سرود" مند سنوات. حدِّث القراء العرب عنها، وكيف خطرت في بالك فكرتها؟
فكرة إصدار مجلة تكون فضاء للكتابة التي تصون وعينا النقدي ووجداننا الإبداعي كانت في ذهننا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، مع تأسيس مختبر السرديات. ومنذ تلك الفترة ونحن نقلب في الصيغة التي ستكون عليها، مع وجود إكراهات خارج إرادتنا، إلى أن استقر الرأي قبل ثلاث سنوات، وبعد التنسيق مع نقاد وباحثين من المغرب والعالم العربي، ومع فريق من الباحثين الشباب داخل المختبر، شرعنا في إصدار العدد الأول، وها نحن نصل إلى العدد الخامس.

لكن أهم شيء في هذه التجربة أنها تنضاف إلى تجارب عربية قليلة جدًا، وإلى تجارب المجلات الأكاديمية العالمية، فهي تصدر بأربع لغات، وتتبع المواصفات التحكيمية العالمية المعروفة، كما أنها تختص في محاور أصيلة وجديدة. وهي الآن تؤسس لنقد يجدد في الرؤى والأدوات، كما تؤسس لجيل جديد من النقاد الذين نفتح أمامهم الأبواب ليخوضوا المجال إلى جانب كبار الباحثين والنقاد.

***




مقطع من رواية شعيب حليفي "لا تنسَ ما تقول":
لون الغروب ليس هو لون الفجر

بعد الغروب، ترتخي الأرواح، وترنو إلى سكينة بلا حساب. تعلو إلى الأعلى لتغرق وتتطهر في أمواج بلا ماء، وتسبح بعيدًا عن عوالم العابرين.
كان الجو دافئًا في منتصف صيف شغل الناس كثيرًا. وصل شمس الدين، أولًا، إلى ربوة باب السماء حيث القبة، ثم جاء بعده أحمد السعداوي، وعلي الهدّان، وطارق الدغوغي، وفريد الشاهد. وبعد ساعة، سمعوا صوت سيارة سعيد الحربيلي المحملة بسبعة شيوخ فقراء منشدين، جاء بهم من قبيلة خارج الصالحية، ثم التحق بهم الطاهر السليماني، والعربي العايدي، وصلاح الشوني، الذي بدا متعبًا، يلبس جلبابًا حريريًا، وبيده عكازة يتكئ عليها.
جلسوا في البداية داخل القبة، يحتسون الشاي، ويتحدثون بشكل ثنائي، بينما كان سعيد يهيئ خيمة مفتوحة أمام القبة. دخلوها وجلسوا في شكل دائري، على زرابي خضراء، أمامهم صحون صغيرة بها أشكال متنوعة من الفواكه الجافة، وفي الوسط أباريق الشاي والقهوة. وخارج الخيمة، سبعة مجامر كبيرة عليها طواجين، يهتم لأمرها ثلاثة صبيان استقدمهم سعيد.
عادوا إلى أحاديث جانبية، وقد استوى الشيوخ الفقهاء في زاوية، كما تعودوا في سهراتهم الروحانية، وقد اشتهروا في كل الصالحية وخارجها، بما يتوارثونه من كلام وأناشيد تحيي القلوب والأرواح.
في الجهة المقابلة للفقهاء، جلس الآخرون.. بينما بقي شمس الدين وسعيد خارج الخيمة يتحدثان إلى أن لاحت سيارة جعفر وبرفقته يوسف البواب وهو سعيد ومندهش بعالم لم يكن يتخيله. نظر إلى الخيمة، ثم القبة، ثم الغابة والسماء، قبل أن يُبادر إلى السلام عليهم واحدًا واحدًا.
وسط مباخر تتصاعد روائحها الزكية بلا انقطاع، شرع الفقراء بأصواتهم، التي هزمها الزمن بعدما أكل مساحات واسعة من ألسنتهم، يتلون أناشيد دينية ومواعظ في الحياة. كانوا ينشدون لساعة ويتوقفون ربعًا. يحتسون الشاي ويلتقطون الفواكه، ويتحدثون، أو يضحكون. أما شمس الدين، فقد استوى متوسطًا دائرته، بسلهامه القرنفلي الذي يغطي قميصه الأبيض بنصف أكمام، وبجواره يوسف البواب، وسعيد، وجعفر، والباقون. جميعهم صامتون وخاشعون يمتلئون شيئًا فشيئًا، فسُمك الغبار العالق على الأرواح كثيف. أما البواب فوجهه تعلوه علامات جديدة تراود شِغاف قلب يترنح.
عادت أناشيد الفقراء تعلو وتفتح في السماء أبوابًا صغيرة، يطل منها آباء وأجداد مروا من ذاك المكان، يتزاحمون للإنصات إلى همس الأرض الخفي، أما شمس الدين ورفاقه فبدأوا يتململون وينظرون إلى بعضهم البعض، وعيونهم شاخصة، قبل أن ينهض جعفر ويجلس وسط الفقراء ويتلو كما يتلون، كأنه واحد منهم.. عاد تائبًا دون أن ينسى نشيده القديم.
أصواتهم تعلو فتخترق تلك الكثافة، وتنفذ شغوفة تهدم كل القلاع البالية في طريقها الطويل.
لم ينتبه أحد متى أخذ البواب رأسه بين يديه وشرع يبكي، كتومًا، قبل أن يعجز عن التحكم في نحيب تركه ينهرق أمامهم بلا توقف، مثل إبريق بأنبوبين.
الأناشيد عتاد الليل والأرواح الهائمة. لم تعد هناك حواجز فوق ربوة باب السماء التي علت وعلت، أو هي السماء تدلت وتدلت، فلم يعد بينها وبين أبواب السماء إلا تلك المساحة التي يشغلها سلهام شمس القرنفلي. لعلهم أحسوا جميعًا أنهم دَنوا دُنوًّا لا توهّم فيه، فهم غارقون في الأعالى المتمنّعة، منقطعون عن أرض السافلين الممتعة، وقد اشتبكوا مع الغيب والقدر على صهوة أناشيد ذات جلجلة سماوية.
واصل الفقراء أذكارهم في الحياة والموت والنوايا التائهة، في بحار الآثام السديمية، فذاب الزمن الذي اقترب كثيرًا من حدود الفجر الصهباء. قام جعفر، وهو ما زال مواصلًا تلاوته، فركع أمام شمس الدين الذي لم يكن ينظر لأحد، وشرع يبكي ثم أخذ بيديه يقبلهما طويلًا وشمس غارق في سهو عظيم.
ذاب الزمن في بياض الفجر الذي تململ من شوقه، ورمى بكل شيء خلفه، حتى يستطيع التخلص من الليالي الميتة، ويمنح الآتي روحًا متجددة وخالدة، قريبة من الحقائق التي لا يراها الراؤون.
تسللتِ الخيوط الأولى لشمس ما بُعيد الفجر إلى الخيمة، تتلمس العيون النائمة فتلثمها. قام جعفر مذعورًا يبحث عن شمس الدين فلم يجده. بحث خارج الخيمة، وفي القبة، ثم عاد يجري، وصاح في النائمين المرتمين، والذين قاموا هلعين:
أيها الفقراء المسالمون. أيها الرفاق.. لا تنسوا ما تقولون. لقد اختفى شمس الدين الصالحي، وعاد إلى الرحم الأول.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.