}

كارمن رويث برافو: تعلمت كثيرًا من النساء والكاتبات العربيات

ميسون شقير ميسون شقير 10 مارس 2021
حوارات كارمن رويث برافو: تعلمت كثيرًا من النساء والكاتبات العربيات
المستعربة الإسبانية كارمن رويث برافو (cihispanoarabe)

تبتسم كلما لاقيتها، تحدثك بعربية صحيحة وواثقة، وتحدثك، أيضًا، بالعامية الشامية واللبنانية، وتباغتك فور تعرفك عليها بأنها فخورة جدًا بكونها مستعربة حقيقية، ومن أوائل من دافع عن الثقافة العربية، وخاصة الحديثة، وعن حق هذه الثقافة في الانتشار العالمي، وبترك بصمتها، مثلها مثل كل ثقافات الأرض. تعشق محمود درويش، ونزار قباني، وبدر شاكر السياب، مثلما تعشق دمشق، وبيروت، والقاهرة، ومراكش، ومثلما تعشق فلسطين وتدافع بكل ما تملك عن قضيتها.
وأنت تحاورها تقودك طوعًا إلى آبار ثقافتك العربية الغنية، التي كنت أنت قد اعتقدت أنها جفت تمامًا، تقودك وتثبت لك أن أرض روحك لا تزال تفيض بكثير، وتدلك على طريق ينابيع نفسك، محتفية بك، وبهذه الينابيع، ومراهنة عليك وعليها، وتقول لك إن هذا الموت، وهذا التشرد الذي نعيشه الآن، جعلك لا تصدق العمق المعرفي والحضاري الذي تحمله بين يديك، ثم تخبرك أن اللغة العربية ليست مجرد أرض للمعنى، ولا مجرد سقوف استعارات عالية، وليست كلامًا في الكلام، بل هي نحن، وهي ماضينا وحاضرنا وغدنا، فتدافع بدلًا منا عما خسرنا نحن الثقة فيه، وتنتصر بدلًا منا للغة الشعوب العربية المجروحة في القلب، وتعيدنا إلى أنفسنا مليئين مرة أخرى ببعض الماء.
إنها المستعربة الدكتورة كارمن رويث برافو، التي ولدت في صيف عام 1947 في شمال إسبانيا (في كانتابريا)، وتعيش حاليًا في مدريد. أتمت أولًا دراستها الجامعية في (فقه اللغة السامية، قسم اللغة العربية والإسلام) في جامعة كومبلوتنسي في مدريد عام 1970، وفي عام 1973، أتمت الجزء الأخير من رسالة الدكتوراة في جامعة مدريد المستقلة (العربية والإسلام)، حيث حصلت على درجة الدكتوراة (1974). عملت دائمًا كمدرسة وباحثة في جامعة مدريد المستقلة، وفي جامعات إسبانية أخرى مختلفة. وكانت، أيضًا، لبضع سنوات مديرة للبحوث في المعهد الإسباني العربي للثقافة (المؤسسة السابقة للبيت العربي الحالي بوزارة الخارجية)، وعضوًا في مجلس إدارة جمعية الصداقة العربية ـ الإسبانية، ونائب رئيس الجمعية الإسبانية للدراسات العربية.
وهي المستعربة التي ترجمت "طه حسين مذكرات" (الجزء الثالث لـ"الأيام") عام 1973، وترجمت أدونيس "مقدمة للشعر العربي" عام 1975، كما ترجمت جبران خليل جبران "الشعلة الزرقاء" (رسائله إلى مي زيادة؛ مقدمة سلمى الحفار، وسهيل بشروئي) عام 1987، وعبدالوهاب البياتي "محاكمة في نيسابور" (مسرحية) عام 1981، كما ترجمت "يوميات مدينة كان اسمها بيروت" لنزار قباني عام 1985، و"تجربتي الشعرية" لعبدالوهاب البياتي عام 1989، و"منافع الحيوان" لابن الهيثم الموصلي، وهي من مخطوطات مكتبة الإسكوريال عام 1990، ورواية "الثعلب الذي يظهر ويختفي" لمحمد زفزاف عام 1991، و"نور الأندلس" لأمين الريحاني عام 1993، و"المغرب الأقصى" لأمين الريحاني عام 1993، و"الشعرية العربية" لأدونيس عام 1997، و"جمهورية جنونستان" مسرحية لنزار قباني عام 2003، ورواية "صورة وأيقونة وعهد جديد" لسحر خليفة عام 2007، وكثير من القصائد والمقالات.
هنا حوار معها:

كارمن رويث برافو  مع غلاف كتابها "  Islam en europa "



(*) ما الذي جذبك إلى ثقافتنا، على الرغم من النزعة التي كانت موجودة في إسبانيا ضدها؟
بدأ انجذابي بإحساسي بالفضول الذي جعلني أتساءل لماذا لا ندرس علاقة الثقافة العربية التاريخية بثقافة إسبانيا؟ وعند حضوري إلى المحاضرات التي ألقاها الدكتور بيدرو مارتينيث مونتابث في جامعة مدريد (Complutense) في الستينيات، جذبتني اللغة العربية وآدابها، كما جذبني حينها أيضًا الفكر المعاصر العربي. ومع مرور الزمان، أضيفَ إلى هذا كله العنصر الإنساني، أي العلاقات الحالية بيني وبين الأصدقاء في البلدان العربية والشعور المشترك بالقرابة في ما بيننا، وفي ما بين مجتمعاتنا وقضاياها التحررية الجوهرية.



(*) ما أهمية تأسس قسم الدراسات العربية والإسلامية المعاصرة في جامعة الأوتونوما في مدريد، وقسم الدراسات الإسلامية في جامعة الكومبليتنسي؟
إن اسم القسم هو "قسم الدراسات العربية والإسلامية". وقد بدأ تدريس اللغة العربية في جامعة الأوتونوما (Autَnoma)في مدريد في أواخر الستينيات. وفي أوائل السبعينيات، ازدادت صلاحيات القسم مع التخصص والماجستير والدكتوراة. ويعود الفضل في هذا إلى جهود الدكتور مارتينيث، الذي انتقل إلى هذه الجامعة الجديدة عام 1971، وأدار القسم، وقدم برنامجه التعليمية.

أما أهمية تجربة القسم التأسيسية في السبعينيات فتعود إلى روح التجديد في مشروعه المعرفي، وفي برنامج الدراسات فيه. هذه الروح التي فتحت الأبواب إلى مواد جديدة إجبارية، منها مادة الأدب الحديث، ومادة التاريخ الحديث، ومادة الفكر الإسلامي، ومادة اللغة التركية، أو اللغة الفارسية، ومادتا علم الاجتماع، والجغرافيا، إلى آخره. ثم أصبح برنامج القسم نموذجيًا، فقلدته الجامعات الأخرى في إسبانيا، القديمة منها والجديدة، معًا. ولا بد أن نتذكر أن روح المشروع المعرفي لم تتوقف عند فتح الأبواب إلى المواد الحديثة، بل كان مشروعًا لحوار أكاديمي جامعي دائم بين معرفة الماضي ومعرفة الحاضر. ومن خصائص القسم، منذ السبعينيات، التواصل مع المجتمع وإيصال المعرفة إليه، عن طريق محاضرات، وترجمات، ومؤلفات مناسبة للجمهور العام.



(*) كنتِ من أول من ترجم نزار قباني، وأدونيس، فما الذي رأيتِه مميزًا فيهما، وماذا أضافت لك ترجمة هذا الشاعرين السوريين المهمين؟
ترجماتي لهما جاءت متأخرة قليلًا، فقد سبقتها في مجال الشعر ترجمات أستاذنا بيدرو مارتينيث الجيدة، ابتداء من الستينيات إلى الآن. ولكن الجديد في ترجماتي لنزار قباني، ولأدونيس، أنها كانت من وقع اختياري على أعمالهما النثرية النقدية والتاريخية (النثر الأدبي عند أدونيس في كتابيْه "مقدمة للشعر العربي"، و"الشعرية العربية")، والنقد الاجتماعي عند نزار قباني، في كتابيه "يوميات مدينة كان اسمها بيروت"، ومسرحيته "جمهورية جنونستان ـ لبنان سابقًا". هذا النوع من الاختيار لا ينفصل عن اختياري لترجمة كتابين شعريين للشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي، هما "تجربتي الشعرية"، و"محاكمة في نيسابور". وكان في ودي أن أقدم بعض النماذج من النمط الفكري في أعمالهم في الإطار النثري، أو المسرحي.



(*) زرتِ دمشق وبيروت، وعشتِ فيهما، وأحببتِهما. ما الذي يمكن أن تقوليه "كباحثة" عن هذا الخراب والدمار الذي يجتاح أهم عواصم الحداثة العربية؟
كيف ألخّص في جواب قصير ما ملأ عقلي وقلبي من هواجس وهموم وآلام، كإنسانة وكباحثة؟ إن العواصم العربية كلها تمثل بالنسبة لي أوتارًا ضرورية، أو نقاطًا أساسية في تكوين النسيج الثقافي والاجتماعي العربي. وتدميرها وتبديلها هو شيء خطير يشير إلى هزيمة إمكانيات التقدم الثقافي السلمي في العالم كله.



(*) ترجمتِ، أيضًا، طه حسين. في رأيكِ، ما الذي يشكله فكر حسين في الثقافة العربية المعاصرة؟
أهمية طه حسين تعود إلى إيمانه بالتعليم العام، ودفاعه عنه، ثم معرفته العميقة بالتراث العربي، في مجال التاريخ والآداب. وهو محترم، أيضًا، لجهوده الشخصية في طريق طلب العلم والدفاع عن حرية الفكر، والمنهجية العلمية الحديثة.



(*) عندك إصرار على ترجمة أهم أعمدة النهضة العربية. في رأيك، هل ما زالت مصر، وبلاد الشام، قادرة على إنتاج فكر تنويري نهضوي، على الرغم من الديكتاتوريات التي تحكمها؟
الفكر التنويري ينشأ خصوصًا في زمن الأزمات والسلطوية، وهو يقاوم الاستبداد الخارجي والداخلي. أما السلطات الديكتاتورية (من الخارج ومن الداخل) فتستفيد من الفكر التنويري ضد خصومها لفترة قصيرة، ثم تخنقه خوفًا من تقبله من قبل طبقات المجتمع كلها. الفكر التنويري جزء إيجابي لا يتجزأ من تراث الثقافة العربية المعاصرة، وكان له دورٌ رصين رائد في مصر وبلاد الشام، كما أشرت إليه.



(*) هل تعتقدين أن الإنسان العربي قادر على عيش تجربة الديمقراطية، ومؤهل لها، وهل تتنافى الثقافة العربية الإسلامية مع مفهوم الديمقراطية؟
أعتقد أن الإنسان العربي (فردًا ومجتمعًا) يحتاج إلى الديمقراطية، ولا يزال في حالة البحث عنها. هنالك نمط من الإطار الديني المتجدد بعيد عن التبعية، يتحاور مع الإطار المدني العام الضروري ويحترمه، وهذا ما يجب أن يراهن عليه للوصول إلى الديمقراطية.



(*) ما الذي يميز أمين الريحاني من وجهة نظرك؟
أمين الريحاني كان عربيًا ـ أميركيًا، أي كاتبًا مهجريًا. وكان رائدًا واعيًا للتاريخ على طول حياته (1876 ـ 1940). وكان صحافيًا، ورحالة، يدافع عن قضايا المساواة والمواطنة والاستقلال. آمن بشعار الحرية والديمقراطية، وحاول أن يجمع بين مصالح الولايات المتحدة، ومصالح الوطن العربي، ثم بدأ يشعر بخيبة الأمل.



(*) في رأيك، إلى أي مدى نجح الربيع العربي، والشباب العربي الثائر، في التغيير، وما هي أهم أسباب الفشل؟
الظاهرة الإيجابية الناجحة في التظاهرات والحراك هي الإعلان الصارخ عن طموحات المجتمع العربي التحررية على الصعيدين الشخصي والجماعي، ونقدها للوضع الحالي غير العادل في البلدان العربية عمومًا. من الواضح أن هذه التظاهرات أشارت إلى قدوم ثورات (أو ثورة) كبيرة في ما بعد، في مستقبل قريب. فهل كان من الممكن تغيير الأوضاع تغييرًا ثوريًا فورًا؟ كلا. لا بد، أيضًا، من العمل الثوري على المدى الطويل.



هذا ما تعلمته من المرأة والكاتبة العربية
(*) ضمن بحثك وقراءاتك، وفي رأيك، ما مدى قدرة المرأة العربية على تحدي كل القيود التي تكبلها في المجتمع العربي المعاصر؟ وهل استطاعت الكاتبة العربية أن تقدم أدبًا يمثلها، ويمثل كل ما تعانيه من حرب وقهر وسجون رأي، ومن عادات اجتماعية ذكورية؟
في الحقيقة، هذا سؤال هام، ويحتاج إلى بحوث للإجابة عنه بشكل منطقي وواقعي، ولا بد من تذكر أننا هنا نتكلم عن حوالي مئة سنة منذ بدايات الحضور النسائي في الوطن العربي، ثم في الدور التنويري والنهضوي الذي كانت قد عاشته معظم المجتمعات العربية بعد انتهاء الاستعمار الغربي لها، وبدء تشكل وعيها لذاتها ولهويتها. لقد عرفت مرحلة الخمسينيات والستينيات حالة من التطور على كل الأصعدة السياسية والفكرية النهضوية، وواكبت المرأة العربية هذه المرحلة، وبدأت بتشكيل الصالونات الأدبية، مثل صالون مي زيادة في مصر، وصالون نازك العابد في دمشق، وبدأ حضورها في الشعر يتميّز، ثم بدأت تظهر التيارات النسائية التي حاولت قيادة حركات تحرر المرأة العربية من الجهل، ومن التبعية للسلطة الذكورية التي كانت قد فرضتها العادات، وكرسها وجود الاستعمار. في هذه الفترة، ظهرت أسماء عربية مميزة، مثل مي زيادة، ونازك الملائكة، وخالدة سعيد، في الأدب والفكر، ومثل هدى شعراوي، وكثيرات من لبنان وسورية في قيادة الحركات النسائية، حيث حاولت المرأة العربية في هذه الفترة استغلال فرصة حركة النهضة العربية، والحصول على أكبر المكتسبات، مثل الكتابة في الصحافة، والأهم من ذلك كانت محاولات تغيير قوانين الأحوال الشخصية الظالمة في حقها جدًا، ومحاولات الوصول إلى القضاء، وحتى السياسة.

كارمن رويث برافو  


لكن المؤسف، فعلًا، هو تراجع هذا الدور بعد السبعينيات تقريبًا. في رأيي، كانت هنالك أسباب داخلية، وأسباب خارجية، لهذا التراجع، حيث تمثلت الأسباب الخارجية في تفكير الغرب في مصلحته الاقتصادية والسياسية فقط، وإقامته لعلاقات وطيدة مع الدول التي تحولت بفعل اكتشاف النفط إلى دول غنية، مثل السعودية، على الرغم من أن وضع المرأة فيها هو أسوأ وضع عربي على الإطلاق، حيث ترزح المرأة فيها تحت وصاية الذكر بشكل مطلق، ممنوعة من التحرك وحدها، ومحصورة في وظيفة الزوجة التي يجب أن تطيع بشكل مطلق كلًّا من زوجها، ووالدها، وأخيها، من دون أية مناقشة، لكن الغرب تجاهل ذلك متذرعًا بحجة أنها شؤون شخصية وعادات هو لا يتدخل فيها، واستمر في إقامة أقوى العلاقات مع السعودية للحصول والاستيلاء على النفط، كما دعم الغرب الحكومات الدكتاتورية التي بدأت تحكم الشعوب العربية، لأنها تخدم مصالحه، ولأن الحكومات الغربية نفسها تخاف من نهضة المجتمع العربي الحقيقية، ومن تشكل دول ديمقراطية حقيقية قوية في العالم العربي تفسد على الغرب استغلال الوطن العربي اقتصاديًا وسياسيًا.

أما الدور الداخلي في تراجع وضع ودور المرأة العربية في مرحلة السبعينيات والثمانينيات فيعود أولًا لما تركته نكسة 67 في وعي الإنسان العربي من خذلان ومن هزيمة، ومن تراجع للفكر التحرري، ومن سماح للحكومات العربية بفرض حالة الطوارئ على شعوبها، وهو ما جعل اعتقال أي معارض فكري، أو سياسي، أو نهضوي، ممكنًا. هذه الحكومات نفسها كانت في العمق تخاف من حالة تمكين المرأة، ومن حالة تمكين الشباب الحقيقي، ومن تشكل الفكر الديمقراطي الحر، على الرغم من أنها كانت تدعي غير ذلك، حيث أقامت منظمات، مثل الاتحاد النسائي في سورية، وفي مصر، ولكنها كانت منظمات جوفاء لا تخدم إلا ديكتاتورية رأس السلطة، الأمر الذي جعل دور المرأة يتراجع مع تراجع حركة النهضة العربية ككل. وعززت حالة القمع التي فرضتها الحكومات الدكتاتورية من نمو الفكر الإسلامي المتطرف، وهو ما زاد من تطرف المجتمع، ومن عنفه، ومن محاولة إلغاء الإسلام المعتدل الإصلاحي، وبدء انتشار الفكر التكفيري. كل ذلك جعل دور المرأة في المجتمع يتراجع كثيرًا عن ذلك الدور الذي كانت قد تألقت فيه في الستينيات، على الرغم من وجود أصوات نسائية استمرت في حضورها، وبكتابتها، وبدفاعها المستميت عن حقوق المرأة العربية، وعن الظلم الجائر الذي تفرضه في حقها العادات والتقاليد والأحكام الدينية المتطرفة، مثل صوت الدكتورة نوال السعداوي، والدكتورة فاطمة المرنيسي، الهامين جدًا، وغيرهما.

ويجب أن نذكر أن الاستثناء الأهم حول تراجع حضور المرأة العربية على الساحة السياسية هو حالة المرأة الفلسطينية، التي لم تتوقف أبدًا عن المساهمة المذهلة في حركة التحرر، وفي التنظير لها، والمشاركة الحقيقية فيها، وفي المشاركة في القيادة السياسية الفعالة، مثل الدكتورة حنان عشراوي، مثلما كانت، أيضًا، من النساء الأوائل في الحالة الإبداعية، مثل فدوى طوقان. ومنهن من وصلت، أيضًا، إلى التميز في حضورها كناقدة أدبية، مثل الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، وغيرهن. ولعل تواجد المرأة الفلسطينية في أوروبا جعلها مؤثرة في نظرة الغرب للمرأة العربية، من خلال الدراسات والبحوث التي قامت بها، ومن الأمثلة الهامة، هنا، الدكتورة هنادي مهيار في إسبانيا.
ويجب أن أشير إلى أنه على الرغم من تراجع الدور الاجتماعي والسياسي للمرأة العربية، فقد ازاد دخول المرأة العربية في قطاع الكتابة والإبداع، وتطورت من كتابة الشعر، الذي ميز مرحلة الستينيات، إلى الدخول في عالم المقالات، والرواية، والقصة القصيرة، ومن بعدها دخلت في غمار النقد الأدبي، الذي يمثل دور القاضية الذي لم تستطع في معظم البلدان الحصول عليه حقوقيًا. لقد نجحت فعلًا في هذا المجال، على الرغم من كل المعوقات، وأصبحت لدينا أسماء كاتبات وباحثات وناقدات عربيات فرضن حضورهن على الساحة العربية، وحتى العالمية.
بقي أن أتكلم عن الدور الرائد للمرأة العربية الشابة في الحراك الذي اجتاح العالم العربي منذ عشر سنوات. لقد كان حضورها رائعًا، خاصة في تونس ومصر واليمن، وبدايات الثورة السورية، التي تميزت بحضور نسائي نخبوي تمثل في مشاركة كثير من الكاتبات والفنانات اللاتي دفعن حياتهن، أو تم نفيهن خارج البلاد.
لقد أنتج هذا الحراك كثيرًا من الروايات النسائية، في مصر، وفي سورية، بشكل خاص، ولا بد أن أشير إلى ظاهرة تجتاح العالم الآن، وهي أن عدد القارئات من النساء في العالم أكثر من عدد الرجال، وهؤلاء القارئات يقرأن أكثر الأدب النسائي، وهذا قد يبشر بالخير، لكن للأسف فإن الوضع السياسي الذي آلت إليه معظم البلدان العربية التي قامت فيها الثورات لم يعد يسمح للمرأة بمجرد العيش، فأين ستقرأ المرأة السورية التي غرق أولادها، أو ماتوا تحت قصف طائرات النظام وروسيا، وهي الآن تحاول تربية ما تبقى منهم في المخيمات، وفي دول اللجوء، وأين ستقرأ المرأة الليبية التي تعيش تحت حالة الصراعات المتعددة والمعقدة، والمرأة اليمنية التي تموت هي وأولادها من الجوع.

وفي النهاية، علي أن اعترف، وبكل صدق، أنني تعلمت كثيرًا من النساء العربيات، وخاصة من اللاتي تحولن إلى صديقات حقيقيات اجتمعت بهن في المهرجانات واللقاءات البحثية التي حضرتها في العواصم والمدن العربية. لقد تعلمت من نضالهن الدائم للنهوض بمجتمعاتهن ككل، ورفع صوت العدالة والديمقراطية في هذه المجتمعات، ومن سعيهن الأنثوي الرقيق والقوي لبناء إنسان عربي حر قادر على المساهمة في المنجز الحضاري العالمي، ولقد تعلمت من مشاركة المرأة الفلسطينية في كل المجالات، ومن إصرارها وعدم استسلامها أبدًا، كما تعلمت من الكاتبات العربيات القدرة على التمرد، والكتابة بلغة صادقة ومؤثرة وعميقة. وأعلم أنني بكل ما أستطيع سأبقى أساند المرأة العربية، والإنسان العربي، وكل المظلومين في العالم. وأتمنى أن يسمع صوت المرأة العربية، وأن تفهم تجاربها في العالم كله، لعله حينها نساههم جميعًا في خلق عالم أفضل.



(*) ما هو مشروعك الجديد في الترجمة، أو البحوث؟
مشروعي الجديد هو الاِبحار في النقد الأدبي العربي المعاصر، لأعرفه بشكل أحسن وأعمق، ومن ثم أقدّمه للجمهور الإسباني برؤية العين الناقدة العربية الحالية وأفكارها.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.