}

كازو إيشيجورو: الذكاء الاصطناعي يشكّل تهديدًا حقيقيًا للديمقراطية الحرّة

هانز باومان 29 مارس 2021
حوارات كازو إيشيجورو: الذكاء الاصطناعي يشكّل تهديدًا حقيقيًا للديمقراطية الحرّة
كازو إيشيجورو على خشبة المسرح في مهرجان في ويلز(29/5/2005/Getty)

كيف يكتب الكاتب؟ يجد كازو إيشيجورو، الروائي الإنكليزي ذو الجذور اليابانية، والحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 2017، أن فهمه للعالم سريع التغيّر، صار أكثر صعوبة من أي وقت مضى، ويتبدّى ذلك بقوة في روايته الجديدة Klara and the Sun، التي تُسْرد أحداثها على لسان روبوت ذكي كشخصية رئيسية.
ننشر هنا ترجمة للحوار الذي أجرته صحيفة "ده فولكس كرانت" الهولندية مؤخرًا مع كازو إيشيجورو، بمناسبة صدور الترجمة الهولندية لروايته الجديدة "كلارا والشمس":

لم تغيّر جائزة نوبل الرفيعة كازو إيشيجورو، ربّما تكون قد أكسبته كثيرًا من الشهرة والانتشار، لكنّها لم تضف إليه، على مستوى الكتابة، جديدًا، يقول: "أشعر أحيانًا أن فيّ شيئًا من شخصية آفاتار الذي يعيش في عالم موازٍ، بعد أن مُنِحت جائزة نوبل وعدت إلى مكتبتي، بعد كل الاحتفالات، وما يصاحبها من أمور دعائية، وجدت الموقف الفوضوي ذاته الذي كانت عليه حياتي من قبل، ظلّت مشاكلي على حالها، ولم أصبح أكثر ذكاءً. بل بدأت أشعر ببعض الحرج تجاه الكُتّاب الآخرين الذين لم يحصلوا على الجائزة"!
بعد ستة أشهر صاخبة من هذا الحدث، وتحديدًا في ربيع 2018، واصل كازو إيشيجورو (1954) العمل على الرواية التي كان قد بدأها قبل عام من حصوله على نوبل، كان قد أنجز ثلثها تقريبًا، وعاقدًا العزم على عدم الوقوع فريسة لمتلازمة "العبقرية المُخجلة"، التي تصيب بعض الفائزين بجائزة نوبل، قرّر إيشيجورو عدم الإدلاء بآرائه في أي شيء، متجاهلًا قدر الإمكان الظهور في الحوارات الصحافية، أو المرئية، يقول: "أمضى العديد من الفائزين بجائزة نوبل أربعين عامًا في العمل على منطقة صغيرة يعرفون كل شيء عنها، ولكن بعد حصولهم على الجائزة، ظنّ بعضهم أنهم صاروا يفهمون في كل شيء، ولم لا، أليسوا حملة نوبل؟! فبدأوا في إبداء آرائهم في الأمور التي تتجاوز معرفتهم، وهذا مُخجل في بعض الأحيان. آمل أن أستمر في إدراك أنني حصلتُ على نوبل مقابل حفنة من الكتب، هكذا.. ليس إلّا"!

كازو إيشيجورو يحمل ميدالية من رتبة فارس لخدمات الأدب بعد حفل تنصيب في قصر باكنغهام في لندن (7/ 2/ 2019/فرانس برس)


تغيير المسار
قد يكون كازو إيشيجورو، الذي نال لقب "فارس" عام 2019، قد عاد إلى الحياة الطبيعية ككاتب بإصدار روايته الجديدة "كلارا والشمس" مؤخرًا، لكن وضعه كحائز على جائزة نوبل، إلى جانب صدور الرواية أثناء إغلاق كورونا، جعل من المستحيل الترويج للرواية التي طال انتظارها بالطرق التقليدية، وكحل وسط، عُقد مؤتمر صحافي دولي عبر منصة زووم للروائي ذي الأصول اليابانية في الشهر الماضي، ما سمح للصحافيين بطرح أسئلتهم وانطباعاتهم عن الرواية الثامنة "كلارا والشمس"، أوّل رواية يصدرها إيشيجورو بعد نيله جائزة نوبل.

تسرد الرواية من خلال منظور كلارا، الـ"صديقة الاصطناعية"، أو "الروبوت المجهز بشكل متطوّر للغاية، والمؤهّل للتعلّم الذاتي من قبل الذكاء الاصطناعي". تكاد كلمة "الروبوت" لا تتناسب هنا مع العالم الذي يقدّمه إيشيجورو في روايته الجديدة، حيث لا يمكن تمييز هذه الدمى الاصطناعية عن "الأطفال الحقيقيين"، إلا إذا نظرنا ودقّقنا عن كثب، لكننا نكتشف، في الوقت ذاته، أن طريقة تفكير هذه الروبوتات قريبة من طريقتنا.
تبدأ الصفحة الأولى من الرواية في متجر يبيع هذه الدمى الاصطناعية للأطفال، حيث كلارا واحدة من آلاف النسخ المعروضة للبيع، تعمل هذه الدمى من خلال الطاقة الشمسية، وتقوم كلارا سريعًا ببناء علاقة خاصة مع الشمس في ذهنها، خاصةً عندما يُسمح لها بالتواجد في نافذة عرض المتجر، وينتهي الأمر بكلارا إلى أن تشتريها سيدة لابنتها المريضة "جوسي"، وعبر الطريقة التي يسرد بها إيشيجورو روايته، نتبيّن أن كلارا راوية قصص جيّدة جدًا، لكن لا يمكننا أن نصدّق ما تقوله دائمًا.



(*) كيف جاءتك فكرة الكتابة من منظور روبوت، أو دعنا نقلْ من خلال عيني مخلوق ذي ذكاء اصطناعي؟
خطرت لي شخصية كلارا في البداية بطريقة ملتوية وغير واضحة، لطالما كنت مهتمًا بكتب الأطفال المصوّرة التي نقرأها لأولادنا في سن الرابعة، أو الخامسة، هذه الكتب لها منطق رائع، فمثلًا ليس من المستغرب فيها على الإطلاق أن يتكلم القمر الذي نراه من خلال النافذة، كما يمكن لكل طفل أن يمسك سلّمًا ليتسلق صعودًا إليه.
كان هدفي في البداية هو الاشتغال على عمل روائي للأطفال، يحكي قصة فتاة مريضة ممنوعة من الخروج بصحبة دميتها لتشاهد غروب الشمس كل يوم، بسبب مرضها الخطير، وذات يوم تغامر الطفلة وتخرج بصحبة دميتها لتقع لها عدة مغامرات، وحين حكيت الأمر لابنتي نعومي، أقنعتني أن قصتي ستكون حزينة جدًا، ولن تناسب الأطفال، لهذا السبب قررت تغيير المسار، واختيار راو غير "حقيقي"، ولكنه نتاج الذكاء الاصطناعي، ذلك لأنني أتابع منذ سنوات، وبشغف حقيقي، تطوّرات ومنجزات الذكاء الاصطناعي، وكان لي شرف التّحدث إلى عدد من العلماء والمتخصّصين، بمن فيهم ديميس هاسابيس من شركة DeepMind البريطانية للذكاء الاصطناعي. وهكذا تم تغيير مسار الرواية من كتاب للأطفال إلى رواية مخصّصة للكبار، ولكنّها مكتوبة وفقًا لقوانين كتب الأطفال، تبدأ كلارا حياتها كطفل لا يعرف شيئًا تقريبًا، ثم يتعلّم بسرعة، ومثل الأطفال الصغار، فإنها تتوصّل إلى استنتاجات غريبة عندما ترى أشياء لا تفهمها، لذلك عندما ترى كلارا من نافذة جوسي أن الشمس تغرب خلف سقيفة بعيدة، تستنتج أن الشمس تنام في تلك السقيفة ليلًا.



تفاوتات طبقيّة
(*) هل يمكن أن تحدّثنا عن نوعية الأبحاث والدراسات التي استعنت بها في إعدادك لكتابة هذا العمل؟
منذ نشرت روايتي "لا تتركني وحيدًا" عام 2005، حول "المتبرّعين" المستنسخين الذين تمّت صناعتهم للتبرّع بأعضائهم لأشخاص "حقيقيين"، صرت أُدعى بانتظام من قبل العلماء لمناقشة النتائج الاجتماعية للتطورات العلمية التي تحدث في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتعلّمت كثيرًا عن هذا العالم المذهل، لقد تطور الذكاء الاصطناعي كثيرًا منذ أن بدأ البشر في برمجة أجهزة الكمبيوتر. تعد أجهزة الكمبيوتر التي تتغلب على أساتذة الشطرنج شكلًا بدائيًا من الذكاء الاصطناعي، نحن الآن في عصر التعلّم المعزّز، والذي يؤهّل هذه الأجهزة إلى تطوير مشاعرها، وتحديث بياناتها كل يوم. عبر هذه اللقاءات مع المتخصصين، عرفت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدّم أشياء إيجابية للغاية. في بريطانيا، مثلًا، توجد شراكة قوية بين شركة DeepMind للذكاء الاصطناعي، وNational Health Service، وقد أدى ذلك إلى اختراقات مهمّة في مجال الرعاية الطبية، من هنا اخترت أن تكون شخصية "كلارا" في الرواية من فئة الروبوتات القابلة لمبدأ التعلّم المعزّز.

على الرغم من الإنجازات الإيجابية للذكاء الاصطناعي التي يشير إليها إيشيجورو، إلا أن العالم الذي يصفه في "كلارا والشمس" تحكمه تفاوتات طبقية كبيرة، فالفروق بين الأطفال الذين "تم رفعهم"، مثل "جوسي"، والأطفال الذين "لم يتم رفعهم"، مثل "ريك" جارها، تبقى كبيرة وهائلة، (وهي المفردة التي يستخدمها إيشيجورو في إشارته إلى الطريقة التي يتم من خلالها تحسين إمكانيات الأطفال العقلية والجسمانية)، ليتّضح لنا لاحقًا أن الوضع الاقتصادي في هذا الزمن المستقبلي لن يكون بأفضل مما هو عليه الآن، فها هي المدن تعاني من البطالة العالية، وها هي الإشاعات تنطلق مرددة الحديث عن آلة جهنمية تلوّث الهواء، وعن الطيور التي هي في الواقع طائرات مراقبة من دون طيار، لنكتشف شيئًا فشيئًا، أن هناك تذمّرًا يتزايد في نفوس الناس من سطوة روبوتات الذكاء الاصطناعي على حيواتهم، لتبدأ حالة من عدم الرضى عن وجود كلارا ومثيلاتها.



(*) هل نفهم افتتانك بتطوّرات عالم الذّكاء الاصطناعي على أنه ناتج أيضًا عن شعور ما بالتهديد؟
أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعدنا في العديد من المجالات، ولكن هناك ثلاث عقبات ستواجهنا إن نحن اعتمدنا عليه، بادئ ذي بدء البطالة، من المرجّح أن يؤدي تطبيق الذكاء الاصطناعي إلى اختفاء العديد من المهن الحالية، هذا ليس له عواقب اقتصادية فحسب، بل عقلية أيضًا. إنه يعني فقدان المكانة والهيبة واحترام الذات.
هنالك، أيضًا، عقبة أخرى أحب أن أسمّيها "الصندوق الأسود"، يسعدنا جميعًا بالطبع أن نتمكن من تحقيق الاكتشافات العلمية، وحل المشكلات الصناعية باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكننا لا نعرف كيف نوقف ذلك، والخوف هو أن نفقد نحن البشر السيطرة على الأمور، لديّ هذا الشعور بالفعل مع سيارتي الجديدة، إنها تصدر أصواتًا مزعجة عندما أقود بالقرب من مكان محدّد، أنا لا أفهم السبب، أو لماذا يحدث هذا، لكن الأمر مريب، وهنا نتحدّث عن أساسيات الذكاء الاصطناعي البديهية، فما بالك بما جلبه لنا كل هذا التطور التكنولوجي الفائق.
النقطة الثالثة التي تهمّني هي أنه في هذا الصندوق الأسود، ستتطور أنماط، أو معتقدات معينة، لتتحول إلى معايير لدى هذه الروبوتات المتطورة، يمكننا نحن أنفسنا كبشر أن نثبت وجود مثل هذه التحيّزات داخلنا، ونبعد أنفسنا عنها بوعي؛ أمور مثل التفكير في العنصرية، أو التمييز على أساس الجنس، لكن مع كائنات الذكاء الاصطناعي هناك خطر من أن تصبح هذه الأفكار المسبقة متأصلة في الخوارزميات التي تتطوّر داخلهم كل يوم، لذلك أتصوّر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكّل تهديدًا حقيقيًا للديمقراطية الحرّة.



تجنّب أخطاء الماضي

غلافا الطبعتين الإنكليزية والهولندية من رواية "كلارا والشمس" للروائي البريطاني - الياباني كازو إيشيجورو


(*) إذًا، هل إنجازات الذكاء الاصطناعي تعني في "كلارا والشمس" أن مفاهيم مثل الحب والتمييز بين الإنسان والآلة تبقى موضع تساؤل دائم لديك؟
مؤكّد، لكن يبقى السؤال الأهم بالنسبة لي: هل ستغيّر الخطوات التي اتّخذناها في مجالات عدة، مثل الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والاتجار في البيانات الضخمة، هل ستغير هذه الأمور من نظرتنا إلى الإنسان؟ نتلقّى اليوم، وباستمرار، اقتراحات من شركات عملاقة، مثل أمازون، ونتفليكس، وغيرهما، بشأن المنتجات التي تعرضها علينا بناءً على سلوك الشراء، والمشاهدة لدينا، إذا كانت تلك الاقتراحات القائمة على الخوارزميات صحيحة، فهل يعني هذا أننا كبشر أصبحنا، أيضًا، مجرد مجموعة من الخوارزميات؟ أعتقد أنّني أحب زوجتي وابنتي، لأنّهما فريدتان، ولكن إذا افترضنا أنّنا مجرّد خوارزميات، بحيث يمكننا، باستخدام التكنولوجيا اللازمة، خلق الناس بحسب مقاييس ومعايير محددة مسبقًا، فهل يؤثر ذلك على الطريقة التي ننظر فيها إلى أفراد عائلاتنا؟

في "كلارا والشمس"، أكتب عن أم تخشى موت ابنتها المريضة، وتواجه السؤال: هل لا يمكن تعويض ابنتها؟ هل يمكن تخزين كل ما يجعلها طفلة فريدة في صور بيانات لتزويد "كلارا" بها بعد موت الابنة؟



(*) أشرت سريعًا إلى أن أحداث "كلارا والشمس" تدور في الولايات المتحدة، حتى أن هناك وصفًا لممرٍّ تعبره الشخصيات، كما لو كانوا في لوحة Nighthawks لإدوارد هوبر..
في البداية، كان خياري للولايات المتحدة بديهيًا تمامًا، انجذبت إلى الصور الأميركية، وخاصة اللوحات من عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حقول مفتوحة على سماء شاسعة تعلوها، وكراكة شفط الحبوب في الأفق، أو قطار يسافر عبر مرج منبسط. مشاهد مثل هذه تجدها بالفعل في أعمال إدوارد هوبر، لكنني شعرت تدريجيًا أن هناك ما يبرّر اختياري لأميركا، كمكان لأحداث الرواية، وهو أن الولايات المتحدة، مقارنة مع أوروبا واليابان، لا تزال مجتمعًا شابًا، ولذا فهي معرّضة للخطر بطريقة أكبر، بسبب أن كل شيء فيها جديد، والمؤسسات أقل خبرة بمثل هذه الأزمات. لقد كشفت الأحداث الأخيرة التي أحاطت بالانتخابات الرئاسية الأميركية ذلك مرة أخرى. ولأن روايتي تدور حول مجتمع أجبرته التطورات التكنولوجية على تغيير قيمه، فقد كان من المناسب اختيار الولايات المتحدة كمكان لأحداث الرواية.



(*) في خطاب جائزة نوبل الذي ألقيته في 7 كانون الأول/ ديسمبر 2017، وصفت نفسك بأنك "روائي من جيل استنفد فكريًا"، وذكرت أن المستقبل سيكون ملكًا للجيل الجديد من الروائيين. هل يمكن أن تشرح لنا ذلك؟
ولدت بعد تسع سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية، وأنتمي إلى الجيل الذي نشأ في ظلّها، ومع آباء عاشوها. كانت الحرب الباردة التي تلت ذلك شرسة في كثير من الأحيان، ثم كانت هناك حروب بالوكالة، في فييتنام، وأميركا الوسطى، وأفريقيا، كانت تلك هي العدسة التي نظرت من خلالها إلى العالم: الصراع الكبير بين الشيوعية والرأسمالية، بين الحكم الاستبدادي والشمولي، وبين المجتمع المنفتح والليبرالي، تركّز تفكيري آنذاك على السؤال: كيف يمكننا تجنّب الأخطاء التي ارتكبت في النصف الأول من القرن العشرين؟ ومثل كثيرين من أبناء جيلي، كنت حريصًا على إظهار سلطوية بريطانيا في أعمالي، ذلك لأننا كنا خائفين من اندلاع حرب نووية، وعندما أقول إن جيلي قد استنفد، أعني أننا أمضينا وقتًا طويلًا في التفكير ضمن هذا السياق القديم، الذي يصعب معه الحكم على العالم، خاصة ما وقع من تطورات سريعة ومتعاقبة بعد سقوط جدار برلين عام 1989، حيث تم نقل قواعد المرمى، وتغيّرت بالتالي القضايا الكبرى، إلى الدرجة التي اعتبرتني فيها ابنتي بمثابة نموذج لجيلي الذي لا يفهم حقًا مدى أهمية تغير المناخ. غالبًا ما تقول لي: يا أبي، أنت رجل ذكي، لكنك أيضًا قانع جدًا، أنت فقط تتشدّق بالمخاوف المتعلّقة بتغير المناخ، لكنك لا تفهم ذلك حقًا. وأعتقد أنها محقّة في ذلك!



رؤية كاتب عجوز
(*) إلى جوار مشكلة تغيّر المناخ، تطرح في "كلارا والشمس" مشكلة معاصرة أخرى، وهي التعقيدات الأخلاقية الناتجة عن تقدّم التكنولوجيا.
ذلك لأنّني كنت دائمًا أركّز على تطوّرات الرأسمالية، لم يغب عنّي أنّ الرأسمالية هي الأخرى تتغيّر، خاصة مع الصّعود الضخم لأسهم شركات الاتجار في البيانات. أقوى الشّركات في العالم، اليوم، ليست جنرال موتورز، أو تويوتا، الشّركات التي كانت تصنع الأشياء وتنتجها لتبيعها لك، ولكنّها شركات غوغل، وفيسبوك، وأمازون، وآبل، تعمل هذه الشركات بنموذج عمل مختلف تمامًا: فهي تتاجر في البيانات، التي لا ندرك حتى أنّنا نمتلكها، من الصعب على أبناء جيلي أن يفهموا هذه المنظومة. "كلارا والشّمس" هي نتاج رؤية كاتب عجوز يحاول جاهدًا النّظر إلى عالم ما بعد الحرب الباردة، لكن كل ما يراه هو ضباب كثيف لا يميّز فيه إلا أشكالًا غامضة، يحاول التقاطها باللغة.
لهذا السبب، أتطلّع إلى الجيل القادم من الكُتّاب، الذين لديهم صور أوضح عن العالم الآخذ في الظهور، لن يفهم الجيل الجديد أشياء مثل الذّكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والبيانات الضخمة فحسب، بل سيتعامل معها عاطفيًا أيضًا، سيعبّر عن خوفه وأمله في نوع مختلف من الأدب، وستكون هناك أنواع وتقنّيات وأساليب جديدة، أجد ذلك مثيرًا.



(*) في جميع أعمالك، بما في ذلك "كلارا والشمس"، تؤكّد على أهمية المشاعر الإنسانية، وفي خطاب نوبل الخاص بك، ذكرت، أيضًا، أن جوهر عملك الإبداعي ينصب على "حرية الإنسان في التعبير عن مشاعره"، أما زلت مؤمنًا بالقناعة نفسها؟
أشعر الآن بالحاجة إلى التعليق على هذا التصريح، لقد واجهنا في الآونة الأخيرة تجاهلًا ملحوظًا للحقائق، خاصة في الولايات المتحدة. وبحسب ما أقرأ، الآن، فإن نصف سكان الولايات المتحدة الأميركية يعتقدون، للأسف، أن الرئاسة "سُرقت" من دونالد ترامب، على الرغم من عدم وجود أي دليل على الإطلاق على صحة ذلك، لكن يبدو أن كثيرًا من الناس يعتقدون أن عدم وجود أدلّة على ما يؤمنون به ليس بذي أهمية، لأنهم يشعرون أن ترامب قد فاز في الانتخابات، يبدو أن التعريف الجديد للحقيقة يكمن في ما تشعر به، لطالما قلت إن المهم حقًا في القصص والروايات والأفلام هو نقل المشاعر ومشاركتها، فنحن من خلال الفن لا نشارك الحقائق والأفكار فقط، بل نشارك أيضًا تجربتنا العاطفية عن الواقع، لهذا السبب لا نحتاج فقط إلى الأعمال غير الخيالية، بل الخيالية أكثر، لقد جعلتني أحداث كورونا في العام الماضي أشعر بعدم الارتياح تجاه هذا التصريح القديم لي.

ما زلت أعتقد أنّه من المفيد نقل المشاعر ومشاركتها مع الآخرين عبر الكتابة والفن، لكنّي أجد صعوبة أكبر في تبرير وجود الأدب فقط لمجرد تحقيق هذه الغاية.

***

من هو كازو إيشيجورو؟
ولد كازو إيشيجورو في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1954 في مدينة ناغازاكي اليابانية، وفي عام 1960، حصل والده، عالم المحيطات، على عقد عمل لمدة عامين مع الحكومة البريطانية، وانتقلت العائلة إلى بريطانيا لتستمر في العيش هناك. وبعدما أنهى دراسته الثانوية، التحق إيشيجورو بجامعتي "كنت"، و"إيست أنجليا"، وفي سنته الدراسية الأخيرة، تابع الدورة التدريبية الجديدة في الكتابة الإبداعية لدى الكاتب والبروفيسور، مالكولم برادبري، وهناك تم تدريبه على يد الكاتبة، أنجيلا كارتر. حصل على درجة الليسانس من جامعة "كنت" عام 1978، والماجستير من جامعة "إيست أنجليا" لدورة الكتابة الإبداعية عام 1980.
في عام 1982، ظهر اسم كازو إيشيجورو لأول مرّة عالميًا مع صدور روايته الأولى "منظر شاحب للتلال" A Pale View of Hills(ترجمها الروائي المصري محمد عبدالنبي، وصدرت عام 2019)، وتدور أحداثها، مثل جزئها الثاني: "فنان من العالم الطليق" 1986، (ترجمتها هالة صلاح الدين، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2009)، في اليابان المتخيّلة.
حقّق كازو إيشيجورو إنجازًا كبيرًا مع روايته الأهم "بقايا اليوم" الصادرة عام 1989، (ترجمها طلعت الشايب، المشروع القومي للترجمة، القاهرة 2000)، خاصة بعدما نال عنها إيشيجورو جائزة "المان بوكر الدولية" عام 1989، ونقلت إلى السينما في فيلم لا يقل أهمية بعنوان The Remains of the Day، من بطولة أنتوني هوبكنز، وإيما تومبسون، عام 1993.
في السنوات التي تلت، نشر إيشيجورو عددًا من أعماله، من بينها رواياته: "من لا عزاء لهم" (1995)، و"عندما كنّا يتامى (2000)، و"لا تتركني وحيدًا" (2005)، و"العملاق المدفون" (2015). وفي عام 2017، حصل إيشيجورو على جائزة نوبل للآداب، في مفاجأة لم يكن يتوقّعها أحد، لأنه، وفقًا لهيئة المحلّفين: "يكشف في أعماله علاقتنا المهتزة بالعالم في بلاغة عاطفية كبيرة". وفي عام 2019، حصل إيشيجورو على وسام "فارس" من ملكة إنكلترا، لإنجازاته في الأدب.
رشّحت أعمال إيشيجورو للعديد من الجوائز، من أهمها أربع ترشيحات لجائزة المان بوكر (نالها عام 1989 عن روايته "بقايا اليوم")، كما وضعته صحيفة التايمز البريطانية في المرتبة الـ 32 ضمن قائمتها لأعظم 50 كاتبًا بريطانيًا منذ عام 1945.
إيشيجورو متزوج من الاسكتلندية لورنا ماكدوجل منذ عام 1986، ولديهم ابنة واحدة هي نعومي، المولودة عام 1992، التي درست أيضًا الكتابة الإبداعية في "إيست أنجليا"، ونُشرت باكورة أعمالها هذا الشهر تحت عنوان Common Ground.



ترجمة: عماد فؤاد.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.