}

ج.ب شانيولو: إسرائيل حالة نيو ـ كولونيالية وعُنصرية متنامية

بوعلام رمضاني 24 مايو 2021
حوارات ج.ب شانيولو: إسرائيل حالة نيو ـ كولونيالية وعُنصرية متنامية
جان بول شانيولو
ليسَ من السّهل أنْ يتفوَّهَ مُثَقف فرنسي ما، اليوم، بما قالَه الكاتب جان بول شانيولو، المُتخصص في فلسطين، وفي الشرق الأوسط، بوجه عامٍ، رغم أنه أخذَ ما فيه الكفاية من الاحتياط المحسوب بدقة لافتة.
وفَعل ذلك شانيولو، الذي سيَغْضَبُ عند قراءة هذه المقدمة، أو العكس، إذا كان صاحِبَ صَدْرٍ رحب، بالتَّردد في الرَّد مُباشرة عن بَعضِ أسئلتنا التي لم يكُن يتوقعها ربما، أو بتبرير عودة المحلل السياسي المعروف، باسكال بونيفاس، إلى رُشده، بسبب أقرب إلى التّقنية منه إلى السياسة، بطريقة تَقْفِز إلى الآذان. وحتى لا يُهدَّد بِقلع عينيه، كما كادَ أن يَحدُث للكاتب، باسكال بونيفاس، في مطار بن غوريون، قبل عامين، بعدما قال: (تُعَدُّ مُعاديًا لليهود اليوم في فرنسا إذا انتقدتَ إسرائيل كاستعمار)، (انظر مقال العبد الضعيف المنشور في هذا الموقع)، أكد شانيولو أنَّ (مَا يَحدُث في فلسطين المحتلة اليوم واضحٌ وُضوحَ الشمس، وإسرائيل دولة احتلال واستيطان)، من دون أن يُكرُّرَ ما قاله بونيفاس بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، وهو مُحِقٌّ في ذلك تكتيكيًا. شانيولو شجاع مهمَا يَكُن من أمر، إذا استندنا إلى سُكوت مُعظم المثقفين الفرنسيين، أو إلى تأييدهم حق إسرائيل للدفاع عن أمنها، كما يقولون على مدار الساعات، كالسياسيين من كل التوجهات، باستثناء يساريي اليسار المحسوبين على الإسلاميين، وعلى رأسهم غابريال عطَّال، الشاب الذي ينطق باسم الحكومة الفرنسية.
ردًا على أسئلتنا، لم يقتصر شانيولو على انتقاد إسرائيل، وشَمل انتقاده العربَ الذينَ خانوا الفلسطينيين على حد قوله. حتى "نُجبِر" القراء، أو نَستَميلَهُم تكتيكيًا، مثل شانيولو.
نكتفي بهذه المقدمة، مُتمنين أن تكونَ إحدى مُقبِّلات طَبَقٍ من شأنه فتح شهيتهم لتناوله بمتعة رغم مرارة مذاقه. ها هو الطبق الصحافي وشهية طيبة.




(*) استبقتم، بِحُكم حِسّكم التحليلي، اشتعال العنف في فلسطين (كما يُقال في الإعلام الفرنسي من دون تحديد المتسبب الأول في هذا العنف تاريخيا)، في حَديثكم لإذاعة "فرانس أنفو" الإخبارية يوم العاشر من الشهر الجاري. ما هو الجديد في تَقديركم مُنذ مرور أكثر من أسبوع على المواجهة الدامية بين الطرفين المعنيين، عِلمًا بأنَّكُم من الذين ينظرون إلى إسرائيل كدولة استيطان واستعمار؟

نعم.. نعم.. نعم، هُنالك تطوّر خطير يَتمثَّلُ في تدهور المجتمع الإسرائيلي بشكل غير مسبوق، رغم أن ذلك ليس جديدًا في العُمق، استنادًا لما حدث من عُنْفٍ خلال الانتفاضة الثانية عام 2000.



هذه المرة، ازدادت حِدَّةُ المواجهة من حيث الشكل بين المواطنين اليهود ونظرائهم العرب، وهو الشكل الذي يَكشِفُ أكثر من أي وقت مضى عن تناقُضات قويَّة رَهيبة تُفسَّر باعتبارات عدة تتعلق بالمجتمع الإسرائيلي.



(*) يبدو لي أنكم تُشيرون بصفة غير مُباشرة إلى التناقضات اليهودية المبدئية، تاريخيًا وسياسيًا ودينيًا وإِثنيًا، وبالتالي أيديولوجيًا، والتي تنفَجِر في وجه المجتمع اليهودي لا محالة أوتوماتيكيًا، لولا توظيف الإجماع على مُناهضة عدوٍّ فلسطيني مدروس بشكل منهجي. وهذه المرة، يبدو أن الوطأة الصهيونية حاضرةٌ بشكل أقوى يُفسِّر الاستفزازات السافرة للفلسطينيين في سياق عربي ودولي يُشجِّع على ذلك؟
مبدئيًا، يجبُ التفرقة بين تناقُضات المجتمع الإسرائيلي، بشقه اليهودي، كما أشرتم من جهة، والأُخرى المتعلقة بالشق العربي، من جهة أخرى، وتناقُضات كل شَقٍّ تَحمِل طبيعةً مختلفة. الإشكال المجتمعي اليهودي ما زال قائمًا بين اليهود الأشكناز والسفاراديم، من ناحية، كما تَعرفُون، وبين العلمانيين والمتدينين، من ناحية أخرى، والذي ما زال يُترجم بخلافات حادة في الكنيست من خلال أحزابٍ متناقضة التَّوجه والمسار والطبيعة.

يهود مناهضون للصهيونية يحملون لافتات ضد إسرائيل في لندن خلال مظاهرة مؤيدة لفلسطين (15/ 5/ 2021/Getty)


(*) لكن هذه التناقضات "لا تَتَناقضُ" إذا جاز التعبير، مع وِحدة وطنياتية مبدئية ضد حق الفلسطينيين في استعادة أراضيهم المُستلبة بالقوة، كما تنُصُّ على ذلك الأمم المتحدة، ولو شكليًا، وما زالت ذائبة ومُنصهرة في بَوتَقَةِ خِطابٍ إسرائيلي استعماري يجمعُ كلَّ الإسرائيليين، ولنا في مواقف اليسار العلماني ما يؤكد ذلك. وأنا، كجزائري، تَحضُرُني في هذه اللحظة مقولة الرئيس الراحل ميتران، اليساري الذي قال حينما كان وزيرًا للداخلية في الجزائر الفرنسية: (نحن لا نُفاوض العدو.. نحن نُحاربه)! وهذا ما يفعله كل قادة إسرائيل حتى ساعة إجراء هذا الحديث، أليس كذلك؟
بَلى.. بَلى.. هذا صحيح، والوطنية القومية، أو القومياتية، كما تقولون، هي التي تُشْهَرُ كسلاح أيديولوجي جَامعٍ ومُوحِّد ومُتجاوِزٍ للتناقضات الإسرائيلية في وجه الخارج (لم يَقُل شانيولو في وجه الفلسطينيين تحديدًا). الشيء الجدير بالتوضيح، ردًّا على شق سؤالكم المتعلق بالتناقضات المخفية بدعْوَى محاربة الفلسطينيين بشكل دائم، والمفسِّر لارتفاع حدة المواجهة هذه المرة، يتمثَّل في استمرار التناقضات التاريخية العميقة بين يهود إسرائيل، وانتهاء الصراع مع العرب في إسرائيل، في حال تحقق السلام.



(*) كتحصيل حاصل، نستنتجُ أن وُجودَ إسرائيل مُتوقِّف على استمرار الحرب مع الفلسطينيين، والسلام لا يَخدُمها. وهذا الكلام لا نَسمَعُه في فرنسا تحت وطأة الرقابة الذاتية، ونكتفي بالحديث عن "الإرهاب الفلسطيني الإسلامي"، الذي جاء بعد فَشل ما سبقَه من "نضال" سياسي علماني. أليس كذلك؟
نعم. هذه وِجهة نَظَرٍ كلاسيكية سمعتها كثيرًا، وهي مُمْكنة، وليس هُنالك رد جازم في هذا الشأن. ويحدُثُ هذا في كل المجتمعات التي تتجاوز انقساماتها بالتوحُّد ضد عدو خارجي. جَوهريًا، أعتقدُ أنه يجب الأخذ في عين الاعتبار تناقُضات الطرفين، كما أسلَفْتُ الذكر عند الحديث عن سِياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستمر، وخاصة تلك المتعلقة بالتناقضات الأخطر، والمتمثلة في التناقضات بين المواطنين العرب والمواطنين اليهود.



عنصرية إسرائيل

الشرطة الإسرائيلية تعتقل شابًا فلسطينيًا خلال مواجهات مع عائلات فلسطينية لإخلاء حي الشيخ جراح في القدس (4/ 5/ 2021/فرانس برس)      


(*) كاستقراء وكاستنتاج، أفْهَم من كلامِكم أنَّ دولة إسرائيل، التي يَقول عَنْها الغرب المؤيد لها عمومًا بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، هي دولة تمييز عنصري، أو أبارتهايد، أَكثَرُ من أيِّ وقت مضى، استنادًا لما تسبب في اندلاع المواجهة المستمرة حتى هذه الساعة مع مُغتصِب أراضي مواطني الدرجة الثانية. وهُنا أعود إلى النموذج الاستعماري في جنوب أفريقيا، وفي الجزائر، وفي أميركا التمييز العنصري، الذي انتفضت من أجله روزا بارك ون، ودفع ثمنه مارتن لوثر كينغ...
نعم نعم.. يُمكِن قولَ ذلك.



(*) وتُوافقني الرأي من دون تحفُّظ؟
للتعليق أقولُ: يجبُ العودة دائمًا إلى النَّص القانوني المُكرَّسُ دستوريًا عام 2018، والخاص بالدولة والأمة اليهودية، وهو نَصٌّ نَاطقٌ بالتمييز الذي تؤُكدون عليه، والذي يَعني التَّفوق اليهودي من مُنطلَقٍ عُنصري لا يُمكن إلا أن يُؤجِّجُ الشرخ السياسي والاجتماعي حيال الفلسطينيين.



(*) إلى أي حدٍّ يُمكن القول إن تمادي إسرائيل في عُنصريتها المُفرطة يؤدي إلى مزيد من الضحايا الفلسطينيين الأكبر والأفظع، مقارنة بضحايا المعتدي، كاستعمار، كما قُلتم في حوارات وكتب سابقة، وإلى فَرضِ وِحْدَة فلسطينية وُجودية، رغم أن المُقاومة الحالية مُرادفة للإسلاميين فقط، والذين يُحاربون فِعلًا بِغَضِّ النَّظر عن رَأينا في أُسلوبِ مُقاومتها ومُقاربتها للصراع، وَوَصْفِكُم لمقاوَمَتِها التي تُعتبر إرهابية في الغرب، بوجه عامٍ، وفي بلدكم فرنسا، كَجُزء منه؟
الفلسطينيون غير مُوحَّدين، وَلنْ تَجمَعُهم وِحدة مَا، بِسبب الخلافات القوية والجوهرية القائمة بينهم، ولن يَستطيع نتنياهو الماسك بالسلطة منذ مُدة طويلة تَوحيدهم، كما جاء في سؤالكم. الخلاف عميقٌ سياسيًا وثقافيًا بين الإسلاميين والعلمانيين، والصِّراع حَولَ السُّلطة قائمٌ على شرخٍ أيديولوجي مُتزايدٍ بِشكلٍ يؤُكِّدُ تَمَسُّكَ حماس بِنهْجِها في مُواجهة ما تبقى من سلطة محمود عباس.



(*) إلى أي حدٍّ يُمكن القول إن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي قد تجاوزَ هذه المرَّة طَرفيه التاريخيين الكلاسيكيين، ليَصُبَّ في حرب أيديولوجية شِبه كونية غيرَ مَسبُوقة تَشْمُل إسلاميين عرب وغير عرب، من بينهم مُمثلو التنظيمات الفلسطينية الإسلامية الذين "يَحظُون" بدعمِ يَسارِ اليَسَارِ الذي أصْبحَ يُوصف في فرنسا باليسار الإسلاموي، رغم أنه عِلماني في الوقت ذاته، وبين سياسيين ومُثقفين يساريين وليبراليين يَخدُمون إسرائيل من حيث يَدْرون، أو لا يدرون، بدعوى مناهضتهم للتوجه الإسلامي مبدئيًا. الأمثلة العربية على ذلك غنية عن كل تَعريف، ودُعاة التطبيع من السياسيين والمثقفين يَجدُون في مُقاربة حماس الإسلامية مُبرِّرًا للتحالف العلني، أو المبطن، مع إسرائيل، ضد العدو المشترك؟ من ناحية أخرى، ما الذي يَعنيه ذلك تحديدًا، وفيِ ظِل المُواجهة الفلسطينية الإسلامية للعدو الإسرائيلي بشكل غير مُتوازن سياسيًا عربيًا ودوليًا وعسكريًا على نحو غريب؟
من الواضح جدًا أن صُعود المد الإسلامي في فلسطين منذ أكثر من ثلاثين عامًا يُعدُّ حقيقةً سياسية غيرت من وجه الصراع. الإسلاميون هم الذين أَفْشَلوا مُخطط أوسلو، والقول إن المتزمتين موجودون في جِهتي الصِّراع لا يَعني وَضعَهُما في كفَّةٍ واحدة، وانغلاق الجهتين ضِمن منظور ديني طائفي يُشكل صِدامًا رهيبًا بالنظر إلى اختلال موازين القوة، كما جاء في سؤالكم.



متظاهرة ترتدي قناع وجه يحمل العلم الفلسطيني خلال مظاهرة مؤيدة لفلسطين في ماليفيلد في لاهاي بهولندا (15/ 5/ 2021/Getty)


(*) أرى في كلامكم نوعًا من الضبابية إذا استندت إلى موقفكم النادر في المشهد الفكري الفرنسي الذي يُسيطر عليه دُعاة ما يُسمى بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، من دون التحدث عن إسرائيل كاستعمار استيطاني، كما تَقولون أنتم، وآلان غريش، وإدغار موران، وبرترا بادي، وفرنسوا بورغا، وباسكال بونيفاس، وأسماءِ قليلة أخرى تُنسب إلى تيار اليسار الإسلاموي، والذي لا يُشكل تأثيرًا ملحوظًا على الرأي العام الفرنسي، بِحُكم سيطرة مؤيدي إسرائيل في وسائل الإعلام، كما أثبتت ذلك التغطية المستمرة من منظور تصوير الفلسطينيين كمعتدين أزليين؟
لا أفهم ماذا تقصدون بالضبابية..



(*) أقصد أن جان بول شانيولو كان دائمًا واضحًا في تحديد الظالم الاستعماري والاستيطاني والعنصري، الأمرُ الذي أَعتقدُ أنه يَفرِضُ موقفًا أكثر وُضوحًا مما جاء في ردكم، من دون أنْ يَعني ذلك نفيكم حقَّ إسرائيلَ في الوجود، ومُوافقتكم الأوتوماتيكية على مقاربة الكفاح الفلسطيني دينيًا..
لا.. لا. موقفي واضحُ، ولا يحتاجُ إلى توضيح أكبر. ومن البديهي القول إن إسرائيل تمثل حالة استعمارية نيو ـ كولونيالية، وعُنصرية أكثر من أي وقت مضى، وهي مُكرَّسة دستوريًا كقيمة دولة، ولا تَتَحمَّل أيَّ تشكيك، أو نقاش. مَوقفي هذا لا يمنعني من القول إن الفلسطينيين ليسوا في مُستوى مُهمتهم التاريخية، سواءٌ تَعلَّق الأمرُ بِفتح، أو بحماس، بحكم تخصصي في الشرق الأوسط، وفي القضية الفلسطينية، ومعرفتي ببعض مسؤوليهم، وإلغاء محمود عباس للانتخابات يُعدُّ فضيحة موصوفة ومتكاملة الأركان، ولا يُمكن في ظل الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني مُواجهة العدو من دون زعامة موحدة، وهذا شيء مُرعب ومُحبِط.



حماس ليست منظمة إرهابية

فتاة فلسطينية تجلس أمام منزلها الذي دمره القصف الإسرائيلي في مدينة غزة (20/ 5/ 2021/فرانس برس)


(*) وماذا عن رأيكم حينما يَقولُ قادةُ إسرائيل، وتحديدًا أحد قادتها العسكريين الكبار: (لا أحدَ يُدافع اليوم عن الفلسطينيين إلا الذين يَنْضَوُون تحتَ لواء الإخوان المسلمين، وسَنَسْحَقُهُم سحقًا، ونَنْتَهي من مُشكلتهم). عِلْمًا أن العالم يَرى أنه رغم عدم تَكافُؤ القوة، تُعاني إسرائيل من إسلاميين يَفرِضَونَ على سُكانها دخول الملاجئ بِمُعدات تُصنع محليًا، وبِشُبَّانٍ يُواجهون أقوى جيشٍ في الشرق الأوسط بالحجارة، في قالب مَلحمي يَكتسي بُعدًا سيكولوجيًا ورمزيًا خرافيًا؟
كلامُ قادة إسرائيل، أو القائد الأعلى للجيش الإسرائيلي، لا معنى له، لأنَّ حماس ليست منظمة إرهابية تعيشُ في مغارة، وهي تُمثِّل جزءًا من الشعب الفلسطيني، ومُهيكلة سياسيًا وتنظيميًا، ومتجذرة اجتماعيًا، أبى من أبى، وشاء من شاء.



وإذا استندنا إلى عمليات سبر الآراء قبل الانتخابات، التي لم تَتِمُّ، فإن حماس تُمثل ثُلثَ السكان الفلسطينيين على أقل تقدير، وإلغاءُ محمود عباس للانتخابات لم يَتم إلاَّ بعدَ تَأكُّدِهِ من الانتصار الحتمي لحماس.


(*) زَميلكم المحلل السياسي البارز، برترا بادي، مُتشائم إلى أقصى حد حيال مُستقبل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بتأكيده الأسبوع الماضي أنْ لا أملَ في تحقيق دولتين متجاورتين في فلسطين. ما رأيكم؟ وهل لديكم تَصوُّر قد يختلف نسبيًا عن تصوره، كيف ولماذا؟
مبدئيًا، لا يُمكن أن نتفاءل استنادًا إلى المعطيات الموضوعية التي يَنطِقُ بها الصراع المستمر بين الطرفين. لا برترا، ولا أنا، ولا أحد آخر، يمكن أن يُجزم كيفَ سيكُون مُستقبل الصراع بصفة دقيقة (تحدث ضاحكًا حينما نطق اسم زميله). من كان يعتقد عام 1945 أن الجزائر ستستقِلُّ في عِزِّ المجازر الفرنسية الوحشية. اندلعت ثورتكم التي تعرفونها أحسنَ مني بعد تِسعة أعوام من هذا التاريخ (ضحك من جديد).



(*) ويُمكِن أن نَذكر مِثال استقلال جنوب أفريقيا من المنظور ذاته.
بالضبط.. بالضبط.. من جِهتي، أبقى مُؤمنًا أن دولة فلسطينية آتية لا محالة يومًا ما.



(*) هل تُؤمنون بفرضية تأثر مَسارَ التطبيع العربي مع إسرائيل هذه المرة، أم تَقولون إن لا شيء سيتغيَّرُ نتيجة تحالفات مبدئية مع عدو الفلسطينيين التاريخي الذي أصبح يَخدِم مَصالح دُولٍ عربية تراها مصيرية وحيوية لوجودها هي أيضًا، على الصعيد الإستراتيجي، ووجدت في إسرائيل الحليف الموضوعي ضدَّ من يَصفُونهم بالإسلاميين الإرهابيين، تمامًا كما يقول نتنياهو؟ وما مدى التعويل على الشارع العربي غير الموافق جوهريًا على تطبيع قادته لتغيير مسار المعادلة؟
الشارع العربي، ككل الشوارع الأوروبية والفرنسية، لا يُقرِّرُ، رغم فارق هامش حرية التعبير بينها، كما تعرفون. والقمعُ الذي يَتعرَّضُ له الشارع العربي ما زال جاريًا، كما تعرفون أيضًا. الشارع يمكن أن يَضغَطَ، كما هو الحال في العربية السعودية، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالقدس، لكنه لا يَصنَعُ القرار، وتظاهُراته عابرة بوجهٍ عام في الدول العربية القمعية.



(*) في المغرب، مُنعت مظاهرات تأييد الشعب الفلسطيني، وفي الجزائر، راحت فلسطين ضحية منع استمرار الحراك الوطني السلمي، رغم أن الأعلام الفلسطينية لم تَغِبْ في شوارع الجزائر منذ اندلاعه قبل عامين، وأنا كنت شاهدًا على ذلك.
جميل.. وأعرف ذلك.



(*) وكيف تُفسِّرُون عدمَ إقبال الجزائر على التطبيع مع إسرائيل إذا كان الشارع لا يُقرِّرُ في كل الحالات، علمًا أنَّنِي أنتظر منكم جوابًا أعرفه مسبقًا؟
(يضحك من جديد).. الجزائر بعيدةٌ جغرافيًا عن الصراع، ثم إنها صاحبةُ الماضي الثوري الذي كان دائمًا في خدمة نضال الشعب الفلسطيني. في الجزائر، التي أعرفُها وعِشْتُ فيها، تَدَرَّبَت فتح، وأعلنَ ياسر عرفات ولادة الدولة الفلسطينية عام 1988. وتاريخيًا، نضال الشعب الجزائري من أجل الحرية هو نفسُه نضالُ الشعب الفلسطيني. وليس من المصادفة أن يَقتدِي الفلسطينيون بالجزائريين.


من صور القمع خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي استمر 132 عامًا (1830 ـ 1962) 


(*) ما دُمتم تَعرِفُون الجزائر جيدًا، كما أسلفتم، وما دُمنا في صدد الربط بين الجزائر وفلسطين تاريخيًا، من منظور الروح الثورية لدى الشعبين، ما رأيكم في قولِ سادة السلطة في الجزائر، إضافة إلى المناهضين للحراك الجزائري، أن هذا الأخير مُعرَّضٌ لمؤامرة خارجية من خلال حركة "الماك" الانفصالية البربرية التي زار قائدها فرحات مهني إسرائيل؟

هراء.. (ضحك أكثر، وبقوة، هذه المرة).



(*) إذا كان هذا الأمر هراء، هل هُو كذلك حينما أقول إن معظمَ المثقفين الفرنسيين يُكررون مقولات نتنياهو، ومن يتجرأ على انتقاد إسرائيل يُمارس رقابة ذاتية على نفسه آخذًا في عين الاعتبار خشيته على مصالحه الشخصية. هل أحرجكم في الأخير إذا قلت: ألا تخشون أن يَحدُثَ لكم ما حدث لباسكال بونيفاس، الذي هُدِّدَ بقلع عينيه في مطار بن غوريون، قبل عامين، والذي طلبته لإجراء حديث ولم يرد، وتاب توبة لافتة بعدم تكراره ما كاد يتسبب في اقتلاع عينيه؟
(لم يضحك شانيولو هذه المرة، وقال): لا.. لا، أبدًا، لا أخشى شيئًا، لأنني أُعبِّر بحرية كبيرة في دولة ديمقراطية، وأكاديميتي تُمكِّنُني من التحليل في إطار تخصصي. باسكال بونيفاس نَشِطَ في وسائل التواصل الاجتماعي، خلافًا لي، وأخذ الاحتياطات اللازمة لاحقًا.



(*) لأميركا نعوم تشومسكي، الذي تحدى اللوبي الصهيوني، وَوَصَفَ دولة إسرائيل بالإرهابية، مثلها مثل أميركا.. هل يمكن أن نحْلُم بتشومسكي فرنسي؟
(عاد ليضحك هذه المرة قائلًا): ريجيس دوبريه، المفكر الكبير المنزوي اليوم في بيته متقدمًا في السن، كان في إمكانه أن يكون نعوم تشومسكي فرنسا. للأسف، لم يُنصَت له قبلَ أن يَنسَحِب من المشهد الفكري.



بعد وقف إطلاق النار
(*) ما قراءتكم لوقف إطلاق النار تحت رعاية أميركية، ووساطة مصر؟ (توضيح: سؤال أضيف بعد اتصال جديد بالكاتب يوم الجمعة 21 من الشهر الجاري بعد محاورته يوم 17 من الشهر نفسه).
إنه سيناريو وقف نار كلاسيكي، بعد أن ضغطت واشنطن على إسرائيل، التي تعتقد أنها انتصرت بتحقيقِ أهدافِها المتمثلة في ضَرْبِ بعضِ البُنى التحتية لحماس. ومِن جِهتِها، حماس تَعتَقِدُ بدورها أنها رَبِحَتْ المواجهة بتثبيت وجودها كطرف مركزي في مُقارعة العدو التاريخي.



الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، لبَّى رغبةَ إسرائيل التي تُؤمِن أنَّه ليس من الضروري الذهاب إلى أبعدَ مما حقَّقَتْهُ من انتصار، ولعبت مصر الدور الأول في عملية وقف النار، كما حدث من قبل، إلى جانب الأردن، بحكم علاقتهما بطرفي الصراع، وتمَّ ذلك في ظِلِّ غِياب دور فعال للأمم المتحدة. رغم التحالف التاريخي والإستراتيجي الأميركي الإسرائيلي، عامل وُصول الديمقراطيين إلى الحكم لعب دورًا في الدعوة إلى موقف أكثر تَوازُنًا بين طرفي الصراع، مقارنة بمثيله أيام الرئيس ترامب، رغم الميل المبدئي الأميركي لإسرائيل، كما هو معروف.



(*) حماس، أيضًا، تقول إنها انتصرت، لأنها وَاجَهت أكبرَ قُوة عسكرية في الشرق الأوسط، وأرعبتها بوسائل لا مجال لمقارنتها بوسائل العدو، ناهيك عن نجاحها في ربح معركة الصورة التي كشفت عن وحشية غير مُبررة في كل الحالات، في نظر كثيرين من غير العرب والمسلمين. ما رأيكم؟
كل طرف يَعتقد أنه انتصر، في حين أظُنُّ أن الجميع خَسِرَ بسبب عدد الضحايا الفلسطينيين، والذي كان يُمْكن تفاديه لو كانت السياسة مرادفة للذكاء أكثر، وللمقاربة البعيدة عن الانحراف الذي يؤدي إلى مزيدٍ من الأحقاد. هزيمة للجميع، أيضًا، لأن الأسرة الدولية عجزت من جديد عن تَفادي مُواجهة غير متكافئة تاركة الأمر لواشنطن. هزيمة للجميع، أيضًا، لأن مقاربة الصراع يجب أن تتمحور حول القدس، وليس على غزة.



(*) أخيرًا، وحتى نسمحَ للقرَّاء الكرام بمعرفتكم على الصعيد الثقافي، ماذا عن حصيلة معهد البحث والدراسات حول المتوسط والشرق الأوسط Irremmo، الذي أسَّستموه عام 2011؟
أسَّستُه لأنني أؤمن أن في منطقة المتوسط والشرق الأوسط رهانات مصيرية هامة في علاقتهما بفرنسا، وبأوروبا، بوجه عام. جمعتُ من خِلاله الجامعيين الذين يَعمَلُون عادة في ما بينهم، والصحافيين، والدبلوماسيين، وبعض السياسيين، ولم يكن عامل الميل لهذه المنطقة الهامة من العالم العامل الوحيد، وكانت الكفاءة محددة لنجاحه، أيضًا، ناهيك عن توجهه إلى جمهور عام وغير نخبوي. كحصيلة، استطعنا تصويرَ المئات من الفيديوهات، وتأسيس قناة يوتيوب، ونشر عشرات الكتب الهامة، إضافة إلى ذلك، نظمنا ملتقيات هامة في البرلمان الفرنسي، وأسسنا مجلة "كونفليوس" المتوسطية الدولية (التقاء البحر المتوسط). من الكتب الأخيرة التي نشرناها، والتي لها علاقة بحديثنا، كتاب "إسرائيل فلسطين.. هزيمة المنتصر"، الذي صدر عن دار "أكت سود".


***


البروفيسور شانيولو: مؤلف حوالي 30 كتابًا، من أحدثها، إلى جانب كتاب "إسرائيل فلسطين.. هزيمة المنتصر"، كتاب "الشرق الأوسط.. سبعة أعوام من التراجع"، وكتاب "الشرق الأوسط.. أفكار مسبقة عن منطقة مكسورة"، بالتعاون مع بيار بلان، و"أطلس الشرق الأوسط"، و"حدود الشرق الأوسط".
شانيولو مولود عام 1945، وخريج معهد الدراسات السياسية في باريس. اشتغل أستاذًا في جامعة سيرجي بونتواز القريبة من باريس، قبل أن يصبح عميدها عام 2002، بعد أن عمل عميدًا لكلية الحقوق في مدينة نانسي الواقعة في شمال شرقي فرنسا.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.