}

طارق إمام: أكتب الأدب الذي يمكن أن يصير واقعًا

عارف حمزة عارف حمزة 4 يونيو 2021



منذ إصدار الروائي المصري طارق إمام (ولد في 1977) لمجموعته القصصية الأولى "طيور جديدة لم يُفسدها الهواء" في عام 1995، بدا أنّه يُريد أن يكون مختلفًا عن مجايليه، وذلك بخروجه عن مدرسة الواقعية التي طبعت أعمال أجيال عاصرت الروائي الكبير نجيب محفوظ وتلته. ورغم أن إمام يمزج في كتبه، التي تجاوزت 10 كتب بين قصص وروايات، بين عدّة مدارس كتابيّة، إلا أنّ لغته السرديّة تبدو مخلصة أكثر للسرياليّة والواقعيّة السحرية.

هذا المزج وذلك الإخلاص للخروج عن المدرسة الواقعيّة يدلّان على تجريب مستمر من قبل طارق إمام، ويساعده في ذلك اللغة التي تنتمي للسرد والشعر في ذات الوقت. إنه يكتب براحة كبيرة ذلك "الأدب الذي يُمكن أن يصير واقعًا"، لإثبات عدم صحة القاعدة التي تقول بأن الواقع هو ما يُمكن تحويله لأدب.

اللغة الشعرية تلك تبدأ من عناوين أعماله؛ فتلك العناوين لافتة للنظر في حمولتها الشعرية وقدرتها على استدراج القارئين النخبويّ والعادي؛ مثل "هدوء القتلة" (2008) أو "الأرملة تكتب الخطابات سرًا" (2009) أو "حكاية رجل عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها" (2010) أو "الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس" (2012)، وهي كلها روايات صدرت في عدة طبعات قبل روايته الأخيرة "طعم النوم" التي تحمل الكثير من التجريب الذي دفعنا لإجراء هذا الحوار معه.

و"طعم النوم" تبدو نسخة ثالثة عن نفس العالم الذي كتب عنه كل من الروائي الياباني ياسوناري كاواباتا، من خلال روايته الشهيرة "الجميلات النائمات"، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، من خلال روايته "ذاكرة غانياتي الحزينات". في الروايتين السابقتين تجري الأحداث في بيت للمتعة، ويكون الراوي العجوز، الذي ينام بجانب فتيات صغيرات عذراوات، رجلًا. لذلك فكر إمام أن يكتب عملًا يكون على لسان الفتيات بدلًا من العجائز في رواية تجري في قسمين؛ يجري أحدهما في "منزل النائمات" والآخر في "مدينة العجائز" في ما يُقارب 250 صفحة.




ربع قرن في كتابة رواية

ولأنه من المعروف أن كل رواية تقوم عادة على فكرة جديدة، فإن فكرة رواية "طعم النوم" هي فكرة مثيرة في أن يكتب كاتب عربي نسخة ثالثة عن "الجميلات النائمات"، بعد روايتي كاتبين حازا على جائزة نوبل للأدب. فكيف خطرت لطارق إمام هذه الفكرة؟ وكم اشتغل على الرواية حتى انتهى منها؟

يقول طارق إمام بأنه تعوّد أن يقول، بنوعٍ من المبالغة، بأن كتابة "طعم النوم" استغرقت خمسة وعشرين عامًا. "كنتُ أشير للّحظة التي قرأتُ فيها لأول مرة رواية (الجميلات النائمات) لياسوناري كاواباتا، والتي لا يمكنني استبعادها باعتبارها جزءًا من النص اللاحق الذي يحمل اسمي".

"أعتقد أن أي رواية تستغرق وقتًا أطول بكثير مما نعلنه في نهاية المطاف باعتباره الوقت المستغرق لكتابتها"- يقول صاحب "ضريح أبي". ثم يُكمل: قرأتُ "الجميلات النائمات" في التسعينيات، قبل أن أكتب أي رواية، وكانت رواية ملهمة رغم أنني أحببتها أكثر في قراءات لاحقة؛ لأنني في القراءة الأولى شعرت بالرتابة وأكملتها في وقت طويل رغم قصرها. لقد تمنيت، أو لنقل توقعت، أن تتحدث واحدة من الفتيات النائمات كأحد الرواة في الرواية. لكن ذلك لم يحدث، حتى صاحبة المكان كانت مجرد شخصية إجرائية رغم أنها خالقة هذا العالم الغريب روائيًا. بالمناسبة ثمة جملة مركزية في طعم النوم "أما آن للفتاة أن تتحدّث؟"، تكاد تكون ترجيعًا لعبارة كتبتها بخط يدي كملحوظة في نسختي من "الجميلات النائمات"، حيثُ كتبتُ في أحد الهوامش: "ألن تتحدّث أي فتاة"؟ هذه العبارة المؤرخة بعام 1995 ربما تكون أول عبارة كتبتها في الرواية التي ستصدر بعد نحو ربع قرن تحت عنوان"طعم النوم".

على جانبٍ أخر ظلّ طارق إمام يقرأ عن ولع ماركيز بهذه الرواية التي أعلن مرارًا أنها الرواية التي تمنى لو كان كاتبها، إلى أن أصدر "ذاكرة غانياتي الحزينات": "اعتقدتُ أن رواية ماركيز ستنطلق من الجانب الآخر، بل لقد كان ذلك بالنسبة لي بديهيًا، لكنه كتب مجدّدًا عن الرجل، بضمير المتكلّم هذه المرة والذي منح صوت الذكورة حضورًا مضاعفًا (أعتقد أن ماركيز اختار هذا الضمير الذي لا يميل له روائيًا كنوع من الهرب من فخ محاكاة راوي كاواباتا العليم). بعد قراءة رواية ماركيز عام 2005 قررت عمليًا أن أكتب "طعم النوم". ظللتُ أتامل الطريقة الأمثل لكتابة الرواية وبالفعل جرّبت أكثر من صيغة على فترات. لم أكن أشعر بالرضى فكنت أتوقف لأكتب نصوصًا أخرى ثم أعود باحثًا من جديد عن صيغة تحاكي إحساسي بالنص الذي أتمنى كتابته. متن "طعم النوم" كما طالعه القراء تحقّق بين 2014 و2018، لكني كما أسلفت، أعتقد أنها استغرقت عمليًا أضعاف هذا الوقت".

 

رواية معارضة

رغم إثارة هذه الفكرة إلا أنها فكرة مقلقة، خاصة مع معارضة روايتين لكاتبين عظيمين. وهي مغامرة سردية مقلقة في كل الأحوال. أما إمام فلم يقلق، ليس بالضبط ثقةً في ما هو مقدم عليه، "لكن لأن أقصى ما يمكن أن أجنيه هو كتابة رواية فاشلة. ما المشكلة لو فشل كتاب؟ ميزة مهنة الكتابة أن الإنسانية تستفيد منها استفادةً عظيمة إذا ما أنتجت نصًا استثنائيًا، لكنها لا تخسر شيئًا على الإطلاق إن كتب الملايين نصوصًا رديئة".

عدم الخوف من الفشل أثار فضولنا، فقال إمام "بصراحة أيضًا لا يمثّل لي فشل كتاب على مستوى القراءة أو الكتابة النقدية أو الحصول على الجوائز أي مشكلة. كل ما كنت أفكر فيه هو النص نفسه، وإذا تحدّثنا عن نص مخيف فالأجدر أن يكون "ألف ليلة وليلة" الذي أعتبره الكتاب الثالث المؤلِّف لهذه الرواية ومنه اجتزأت التصدير واستلهمتُ قدرًا من البنية الروائية وقدرًا من تكوين شخصية البطلة شهرزاد".

وبالعودة إلى فكرة معارضة روايتين معروفتين وشهيرتين نجد أن إمام لم يكتفِ بمعارضة الروايتين سرديًا، لكنه قدّم نقدًا للروايتين داخل النص؛ شارحًا ضرورة وجود نص ثالث، وهو "فعل نقدي ينطوي في ذاته على رعب غير محدود واتهامات متوقعة بالنرجسية. في الحقيقة أزحت القلق وتركت نفسي لبهجة المقامرة".
 

أكتب كأنني أطهو

يمزج طارق إمام داخل روايته "طعم النوم" بين الواقعية السحرية وبين الفانتازيا. وهناك فرق كبير بينهما. والمستخدم في روايته هو الكثير من الفانتازيا والقليل من الواقعية السحرية.

يجد إمام أنه ما إن تتحوّل فكرةٌ مجرّدة إلى واقع روائي حتى تغيم الحدود، تصبح كل التعريفات والحدود بين الأنواع والتيارات محض ملصقات نظرية. "إن ما يشغلني دائمًا هو مقتضى السرد، ما الذي يجب أن يحدث في هذا الموقف أو ذاك؟ ما الذي تحتاجه البنية الكلية كي تحصل على قوامها الذي أراه نموذجيًا لمحكيةٍ ما؟ وعمليًا، فالفن الروائي كممارسة هو خليط لغات ولهجات وأصوات، وبالقوة نفسها هو ساحة لاختلاط الأساليب والتيارات. "طعم النوم" لها وجه واقعي، ووجه تأريخي، ووجه فوق واقعي اعتقدتُ أنه أقرب للواقعية السحرية، وأفكر الآن في طرحك حول نزوعه أكثر للفانتازيا".

بالقوة نفسها تتأرجح الرواية بين لغة سردية ولغة شعرية ولغة نقدية، بين حكي وتأمل، مشهدية واستبطان، محكية أساسية تقطعها محكيات صغيرة، حكاية إطارية وحكايات مولّدة، حوارات بالدارجة المصرية وأخرى نابعة من مخزون الحكي التراثي في ألف ليلة وليلة وليلة. "أعتقد أن صرامة البنية الكليَّة هي ما يتيح توظيفا فعاّلا لكافة العناصر المراوِحة في خطابٍ يقتضي، أي يحتم وليس فقط يسمح، بالجمع بين هذه العناصر لأن ليس بينها حسب تقديري ما يمثل فائضًا سرديًا أو لغويًا".

 من ناحية أخرى يرى حائز جائزة "ساويرس" للرواية (2008) وللقصة (2010) أنه ممن يفتنهم التهجين على كافة المستويات. "أكتب كأنني أطهو. أجرب إضافة عنصر لم يُتفق على إضافته هنا. أمزج بين مكونين لا ينسجمان نظريًا، وإن استسغتُ الطعم أعتمده. أعتقد أننا نتذكر "الانسجام" فقط حين نتصدى للفن بينما نتصالح مع عدم الانسجام في كل ما نعيشه، وهذا في تقديري هو الإنكار الفعلي للواقع في الفن".

 



رواية نخبوية

ولكن ألا تقوم طريقة استخدام طارق إمام للواقعية السحرية وللفانتازيا بتحويل هذه الرواية إلى رواية نخبوية؟ هل يظن بأنها قد تناسب كذلك القارئ العادي؟

الواقع كثيرًا ما يكذبنا، يقول إمام. وهو ما جعلني مؤخرًا أحترس كثيرًا لدى الحديث عن القارئ. فاجأتني هذه الرواية مثلًا بمقروئية عالية ممن ندعوهم بالقراء العاديين، عبّر عنها عدد هائل من "الريفيوهات" في "جروبات" القراءة. كذلك طُبعت الرواية أكثر من مرة وأُدرجت ضمن قوائم الأعلى مبيعًا. شخصيًا لم أتوقع ذلك، حتى ناشرتي نقلت لي نفس التخوف قبل النشر، لكني أعتقد أن هناك جيلًا كاملًا جديدًا من القراء يميلون من حيث التكوين للأدب فوق الواقعي، بل ويجيدون التعامل مع شفراته وربما يرون في كتابتي اتصالًا ما بالنصوص الخيالية المكوّنة لوجدانهم، لكن ضمن إطار الأدب الملتفت لأدبيته.

تعتبر السريالية إحدى ميزات كتابة طارق إمام منذ بدايات نشره. فلماذا تذهب كتابته نحو هذا النمط من الكتابة؟

يقول حائز الجائزة المركزية الأولى لوزارة الثقافة المصرية مرتين (2004 و2006) بأن الشكل نفسه إيديولوجيا، والنظرة للواقع التجريبي تترجم نفسها إلى واقع فني يجري تعريفه بعد ذلك، أو إدراجه لاحقًا في تيار أو حتى باختراع تيار يدل عليه. "أميل للخروج عن أجواء الأدب الواقعي منذ نصي الأول الذي كتبته عام 1991، ولم أكن حينها أعرف شيئًا عن التيارات الأدبية، كما لم أكن أتوفّر على ملكة نقدية حتى".

"الكتابة ليست بعيدة عن الفطرة الأولى"، يتابع إمام، "وثمة لدى كل كاتب ولع غامض ومبكر برؤية الواقع وفق تصورٍ ما يسعى بعد ذلك لتعريفه والتعامل معه بوعي أكبر، لكن البذرة تبقى مغروسة في التربة. ويمكن تعميم ذلك على نظرتي للفن في السينما والفن والتشكيلي والمسرح. أعتقد أن النزوع لما وراء الواقع فنيًا هو ترجمة لرؤيتي للواقع، الغامض والملتبس والذي يستحيل فصله عن أعماقه الميتافيزيقية أو الذاكرة الجمعية حتى التي، وبخاصة في السياق العربي، تجعل من التاريخ نفسه محكيةً خرافية. وفي تقديري، فإن هوية الواقع هي افتقاره للهوية ومن ثم قابليته اللانهائية لإعادة التعريف، وهذه مهمة لا يستطيع الاضطلاع بها سوى الفن".

 

تحويل الأدب إلى واقع

بالعودة إلى "طعم النوم"، ألا يعني اختيار هذه الفكرة، واختيار مدينة بحرية كالإسكندرية لكي تتناسب مع مدينتي الروايتين السابقتين، جعل الكثير من "التأليف" في النص؟ بمعنى أنها قد تتعارض مع بنية الرواية نفسها التي تعتمد على الروي وليس التأليف بهذه النسبة الكبيرة.

يقول طارق إمام إن روايته "طعم النوم" هي رواية عن فعل التأليف بالتحديد، ولم يُرد لها أن تدّعي عفوية الحكي أو إحكام الإيهام وفق نظرية أن الفن هو إخفاء الفن. "بل على العكس كنت أتساءل بداخلها: كيف يُصنع الأدب من الأدب ويستطيع رغم ذلك أن يشير للواقع والتاريخ؟ تشتبك "طعم النوم" مع لحظتين مصريتين جوهرتين: حظر التجول الذي أعقب فض اعتصام رابعة (2013) والإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، وهزيمة يونيو 1967، على شرف مدينة قائمة في الواقع هي الإسكندرية. مرجعيات الواقع والتاريخ قائمة ويمكن ببساطة أن تؤلِّف رواية واقعية "نقية"، لكني أحببت أن أختبر قدرة الأدب على الانفتاح على الواقع والتاريخ عبر أدبيته نفسها. دعني أقول لك صراحةً إنني كثيرًا ما أتساءل عن البديهية المصكوكة القاضية بأن الواقع يتحول إلى أدب، فيما أرى أن الأدب أيضًا يمكن أن يتحول إلى واقع".

ثم يُكمل صاحب "شريعة القطة": أنا أرى أن الروائي مؤلف، ولا أحب مقولة أكتب عما تعرفه، ليس فقط لأنها فقيرة وضحلة وتقصر المعرفة على الخبرة الأولية المباشرة، والفن لم يكن يومًا كذلك، لكن لأنها لا تناسب الفن الروائي أصلًا. نعم أنا مؤلف روايات.

طريقة إمام في كتابة سرد هذا العمل، وإدخاله مقالات له، عن الروايتين السابقتين وعن رغبته في كتابة رواية ثالثة وعن نقاشه للروايتين السابقتين والرواية المزمع كتابتها، والتي اشتهر بها يوكيو ميشييما على سبيل المثال، ألا تأخذ بالعمل إلى خارج ذائقة القاؤئ العربي؟ أو تكون ثقيلة عليه؟ هي أسئلة تحتاج إلى استطلاع القراء، ولكننا طرحناها على إمام الذي أوضح بأن المقال المضمّن في الرواية كُتب خصيصًا من أجل الرواية وكجزء منها، ولم يكن مقالًا سابقًا أدرجه داخل العمل. أما إشارة الراوي داخل العمل إلى أنه مقال سابق منشور فكان جزءًا من اللعبة نفسها.. "فكما أن هناك بائع كتب حقيقيًا (اسمه الرملي) يبيع كتبًا لا وجود لها، هناك كاتب حقيقي اسمه طارق إمام تقرأ البطلة مقالًا له لا وجود له. يمثل ذلك الأداء جانبًا جوهريًا من "طعم النوم" كفعل نقدي، أو النص الروائي في ذاته كخطاب نقدي، يمكنه في لحظة أن يُعرّي التقنية ببساطة ويزعزع خدر الإيهام. لا أريد أن أسبغ بنفسي على كتابتي صفة الجدّة، لكن كل جديد هو بطبيعة الحال مؤرق وصادم وغير مستساغ، وإن كان أصيلًا سيصبح يومًا ما تقليدًا أدبيًا ويدخل في خانة المكرس. أحيانًا ما أشعر أن الكتاب يتعاملون مع (القراء) بمنطق تعامل الحكام مع (الجماهير)، فيتحدّثون ببساطة على لسانهم، رغم أن ما ندعوه بالقارئ هو مفاجأة الكتابة الكبرى، وأحيانًا يستسيغ ما ظننتَ أنه لن يستسيغه وينبذ ما اعتقدتَ بداهةً أنه سيأتلف معه. للأسف لم أقرأ شيئًا ليوكيو ميشييما لكن إشارتك ستدفعني فورًا لتعويض ذلك التقصير".

 

فخ "الجميلات النائمات"

يُقدّم إمام في كثير من أماكن روايته أفكارًا عن روايتي كاواباتا وماركيز، رغم الفرق الكبير بين هاتين الروايتين. ماركيز قدّم روايته كأمنية حققها، هو الذي لطالما تمنى كتابة "الجميلات النائمات"، ولكنها ربما كانت من أضعف رواياته. ألم يخشى طارق إمام من هذا الفخ أيضًا؟  

لأن "طعم النوم" في جانب مهم منها رواية عن فعل الكتابة نفسه، عن الطريقة التي تُكتب بها رواية ما، عن الطريقة التي قد يفكر فيها كاتب في إنشاء حكاية، أحببت أن يكون ذلك جزءًا من المتخيل نفسه وليس عنصرًا خارجيًا أو مخفيًا- يقول طارق إمام. ثم يستطرد بأنه "ربما من هنا يجيء تعريفي لفكرة المعارضة كفعل إبداعي ونقدي معًا يختلف عن المحاكاة مثلًا ذات الطبيعة الكنائية. أعرف أن ثمة رأيًا شبه متفق عليه أن (ذاكرة غانياتي الحزينات) من أضعف روايات ماركيز، لكني لم أرَ ذلك أبدًا، وأحب هذه الرواية، وربما أحب فيها تحديدًا التجرؤ على تحقيق الأمنية، حتى لو لم تفِ بوعودها، وربما حتى من هذا المنطلق نفسه كتبتُ روايتي".

 



السيرة الشخصية

في رواية مثل "طعم النوم" تقوم على سير شخصيات متخيلة وسير كتب غريبة، هل يمكن للكاتب أن يضع شيئا من سيرته الشخصية كعادة الكتابة الروائية؟

يقول طارق إمام إنه في "طعم النوم" ظهر اسمه دون لبس وبصفاتٍ تطابق شخصه الواقعي من سيرة ووصف، وفي روايته القادمة "ماكيت القاهرة" (تحت الطبع) تأكيد على اللعبة، "لكن بشكل آخر ودون إدراج اسمي صراحةً إلى جانب كُتّاب لا وجود لهم لكنهم حاضرون كشخصيات حقيقية يعرفها الجميع. إجمالًا يمثّل إقحام المؤلف الواقعي لنفسه في تقديري خلخلة متقدمة لفكرة الإيهام لكنه يؤكد على اتساع رقعة المتخيّل بحيث يستوعب بنفس القوة عناصر أقرب للتسجيلية والتوثيقية "الحقيقية" مع عناصر متوهمة حد أنه يستحيل أصلًا التصديق بوجودها. سابقًا كان الكاتب يعمد لإخفاء نفسه خلف أفكاره المبثوثة في النص وكان هذا حضوره الوحيد الذي يعود النقد إليه ليرمّم صورة الكاتب المتخفي خلف "المؤلف الضمني". الرواية الحديثة قطعت شوطًا أكبر في التجرؤ على إظهار الكاتب باسمه الحقيقي كشخصية روائية، لكن بأي غرض؟ هل لنقول إن هذا النص هو الحقيقة؟ أعتقد أن العكس أيضًا ممكن، بحيث تذوب المسافة بين خارج النص وداخله، حتى يصبح من المستحيل تعيين الحدود بين الحقيقة والوهم، ليصبح الفن دافعًا للجدل الواعي، ولتذوب الثنائيات المستقرة، البالية وغير المجدية".
 

"ماكيت القاهرة" والحلم الروائي

ستصدر لإمام هذا العام رواية جديدة بعنوان "ماكيت القاهرة" عن دار المتوسط في ميلانو، وهي كما يقول تعتبر "أحد أحلامي الروائية منذ سنوات، وكما يفصح عنوانها، فموضوعها المدينة التي أعيش فيها عالقًا في محاولات مستميتة للفهم، انطلاقًا من الحاضر واتصالًا بالماضي بل والمستقبل".

ويضيف: "تنطلق رواية "ماكيت القاهرة" من لحظة في المستقبل؛ ففي سنة 2045 يعلن جاليري للفنون في قلب القاهرة عن مشروع فني استعادي ينهض على إعادة تشييد نسخةٍ كاملة، مصغرة من القاهرة، قبل خمسة وعشرين عامًا، أي سنة 2020، من خلال ماكيت للمدينة. يطلب الجاليري صانعي مصغّرات لتوزيعهم على المشروع، بحيث يتولى كل من سيقع عليه الاختيار تشييد ماكيت لمنطقة محددة، قبل أن تلتئم جميع الوحدات في صورة كلية للقاهرة، التي أصبحت "عاصمة مصر السابقة"، وحيث سيبرز أحد أبطال الرواية، الذي كان طفلًا في ذلك التوقيت (2020) والذي يمثّل له ذلك العام ذكرى لا تُنسى، حيث أقدم فيه على جريمة غيّرت حياته للأبد. من هذه اللحظة تنطلق الرواية، في ثلاثة أزمنة رئيسية: 2045، 2020، و2011، يتمحور كل منها حول شخصية محدّدة، ويكمل بعضها بعضًا. أنا مسكون منذ نحو عشر سنوات بكتابة نص عن تحولات القاهرة انطلاقًا من ثورة يناير 2011، وطرح تساؤلات عديدة عن هوية المدينة نفسها، والتي شهدت خلال عقد واحدًا خلخلات عنيفة ربما لم تشهدها بهذه الحدة منذ عقود. وفي القلب من ذلك كان لديَّ طموح لقراءة جيل محدد، أنتمي له، حيث تمثل الشخصيات الرئيسية في الرواية جيلي نفسه، وهي مثلي تعمل بالفن".

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.