}

زهدي قادري: أسعى للتمرّد على نمطية الشكل

مليحة مسلماني 6 يونيو 2021



تستمد مسيرة الفنان زهدي قادري، المقيم في قرية "نحف" في الجليل المحتل، مصادرها المعرفية والبصرية من ثلاثة روافد رئيسة؛ فمن ناحية تركت إقامته في روسيا مدة عشر سنوات، ودراسته الفن فيها، بصمتها الواضحة على هويته ولغته الفنية، ومن ناحية أخرى، فإن انتماءه كعربي فلسطيني إلى قضية النكبة والقضية الفلسطينية، وقضايا الشعوب العربية، يشكل في دوره إرثًا إنسانيًا حضاريًا ثقافيًا سياسيًا يظهر حينًا، ويتخفّى حينًا آخر بين خطوط وأشكال وألوان أعماله. وأخيرًا، فإن التعقيدات والتناقضات المحيط بواقعه، كفنان فلسطيني يقيم في فلسطين المحتلة عام 1948، تشكّل هي الأخرى مصدرًا لعملية بحثه الفني والمعرفي طوال تلك المسيرة.
في هذا الحوار، وببساطة ووضوح لا يخلوان من عمق، يتحدث زهدي قادري عن تجربته، وعن الدوائر الهوياتية والمعرفية التي نشأت وتطورت ضمنها هذه التجربة؛ مجيبًا عن أسئلة حول بداياته في الفن، والدراسة في روسيا، ثم العودة إلى الوطن، والتناقضات التي يخلقها واقع الحياة بالنسبة لفنان فلسطيني نشأ ويقيم في فلسطين المحتلة عام 1948، وكذلك إشكاليات العرض في الأوساط الإسرائيلية ومؤسساتها، وعلاقة كل ذلك بلغته الفنية، ومفهوم الشكل في أعماله، وأسلوبه في التجريد، وبأعماله في معرضه الأخير بخاصة.

(زهدي قادري)                                                                                                                                                                                                    


(*) نبدأ مع الفن، كمسار اخترته، وأصبح في دوره هوية ومُعرِّفًا لك، لماذا كان الفن اختيارًا؟
أعتقد أن الفن هو الذي اختارني؛ شغفٌ ما في داخلي كان عليّ السعي إلى تحقيقه، فالفن بالنسبة لي هو مسار لتحقيق الذات. لم يكن الأمر مجرد موهبة أمتلكها، وأردت بالتالي تطويرها، لكن الواقع الذي ولدت ونشأت فيه، كفلسطيني يقيم في إسرائيل، الدولة البعيدة عن الأخلاق والعدالة، طالما وضعني أمام تحديات وأسئلة تتعلق بالهوية والصراع. اخترت الفن كي تكون لي بصمة في هذا الواقع المعقد والمحاط بالصراعات، أنت هنا مجبر على الوقوف كمحارب على جبهات عدة، والفن هو سلاحي على تلك الجبهات.



(*) عشر سنوات في روسيا تخلّلتها ليس فقط الدراسة الأكاديمية للفن، وإنما أيضًا عملية إعادة صياغة للذات ولمشروعها ــ رسالتها المكتوبة باللغة الفنية، ماذا عن هذه المرحلة؟ وكيف أَثْرت على مسيرتَك الفنية في ما بعد؟
عندما ذهبت إلى روسيا درست الفن الأكاديمي الواقعي في مدينة كراسندار مدة سنتين، لكن سرعان ما أدركت أني لست في المسار الذي أبتغيه؛ ذلك يتعلق بتركيبتي الداخلية، أشعر أني في حالة اختلاف مع الآخر في كثير من الأحيان، ولدي ثورة داخلية على كثير من الأنماط التقليدية في الفن، ورفض للنمطية، وللواقع العام معًا. في تلك الفترة، كانت لدي محاولات، ولكن غير مدروسة أكاديميًا، في الفن التزييني، أو الديكوريتيف آرت. التقاليد الصارمة والنمطية المتبعة، حيث كنت أدرس، دفعتني إلى البحث عن مدارس أخرى للفن فيها نوع من الحرية، أو الثورية على التقاليد.
في كراسندار، وفي السنة الثانية من الدراسة، طلبت مني المشرفة، بصيغة الأمر، الجلوس كي أرسم الطبيعة التي أمامي. كان في داخلي رفضٌ لهذا الأمر؛ بالنسبة لي، لم أكن مجبرًا على الجلوس، لأن منظوري للطبيعة التي أمامي في حالة الوقوف يختلف عنه في حالة الجلوس.



انتقلت إلى بطرسبرغ، وكان يجب أن أختار بين أكاديميتين، هما: ريبين، وموخينا. ريبين تدرّس الفن الكلاسيكي الواقعي في إطار من القوانين الصارمة في اعتقادي، أما موخينا فتدرّس الفنون التزيينية بأساليب تقترب من التجريد، وهي تمنح الفنان قدرًا من الحرية، ومساحة للتبسيط، وكانت أيضًا قريبة من الفن الروسي الطلائعي الذي كان سائدًا في بداية القرن العشرين. اخترت موخينا لأنها كانت الأقرب إلى شخصيتي وطموحاتي في الفن.
في النهاية، استطعت المواءمة بين متطلبات الدراسة، وبين توجهاتي الخاصة والحرة في الفن. ومع التقدم في الدراسة، بدأ يظهر أسلوبي الخاص الذي كان كثيرًا ما يثير الجدل في الأكاديمية. وبشكل عام منحتني الدراسة في روسيا المعرفة والثقافة، وفرصة للاطلاع على أساليب كثيرة في الفنون التي كانت سائدة في القرن العشرين.



نخوض صراعًا معقّدًا



(*) في عام 2004، عدتَ إلى البلاد، لتبدأ مسيرة جديد محاطة بالتعقيدات، سواء من ناحية تعريف الذات، أو فرضها كفنان، أو من ناحية تعقيدات العرض بهدف الحضور. ماذا عن هذه المرحلة؟

مع عودتي، بدأت أسئلة جدّية تطرح نفسها أمامي؛ أين أنا ضمن هذا الواقع المركب؟ ما الذي عليَّ فعله؟ وكيف سأشقّ طريقي؟ لم يكن الأمر سهلًا على كل المستويات. إن كوننا عربًا فلسطينيين نعيش في إسرائيل يضعنا يوميًا داخل صراع معقد. من ناحية العرض، لم يكن فن الجداريات الذي درسته في روسيا سائدًا هنا، ويعدُّ غريبًا بالنسبة لأوساط الفن في إسرائيل، التي يطلب كثير منها أيضًا أن أكون على اطلاع واسع بالفن الإسرائيلي، أو أن أتماهى مع الفن السائد في إسرائيل.
من ناحية ثانية، كان من الصعب على دور العرض العربية هنا، أو الفلسطينية في الضفة الغربية، تقبّل أعمالي التجريدية؛ كثيرًا ما كانوا يسألون عن الموضوع الفني، فهم يميلون إلى فكرة وضوح الموضوع، وهنالك ميل واضح كذلك إلى الفن السائد في فلسطين، أي إلى الموضوع الفلسطيني، أو الفنون التي تتناول القضية الفلسطينية. لم يكن الموضوع ظاهرًا، أو مباشرًا في أعمالي، كنت أشعر أنه مطلوب مني أن أكون مباشرًا في أعمالي، أو أن أكون متضامنًا. ناهيك عن توجهات لتصنيف الفنانين حسب العمر، أو الحضور الإعلامي، والموجودة بوضوح في الوسط الفني الفلسطيني، ومن بينها صناعة رموز، أو آباء، أو كبار، في الفن، وما إلى ذلك.



كان لدي شعور من الرفض تجاه كل هذه المعطيات والمعايير، بغض النظر عن الجهة التي تفرضها، لأني كنت مؤمنًا بأني صاحب مشروع خاص بدأته مذ كنت في روسيا. بعد سنوات قليلة من وجودي هنا، بدأت أفرض أعمالي، أي هويتي كفنان على الأوساط المختلفة، والتي تعبر حقيقة عن شخصيتي، وعن مشروعي المتأثر بدراستي في روسيا، أي أني بدأت بتوضيح نفسي كفنان له أسلوبه الخاص، ولا يقبل المعايير المفروضة، أو الإملاءات.



(*) ما هو هذا المشروع ــ الرسالة الفنية؟
أنا من ضمن الفنانين الذين درسوا الواقعية، وتدرجوا في أساليبهم إلى التجريد. وكثيرًا ما كان يجذبني الفن الطلائعي الروسي، أو فن الشكل؛ فأنا أرى الواقع من خلال الأشكال، باختصار هذا هو مشروعي، وبقيت فيه ولا زلت أعمل على تطوير لغتي الفنية في إطاره. أنا أرى الواقع من خلال أعمالي، لكنني من ناحية ثانية لست ملتزمًا بهذا الواقع، أنا ملتزم بمشروعي الفني، أشعر أني لا أنتمي إلى أي فئة، أو مدرسة، وانتمائي هو لمشروعي الفني.



(*) ألستَ منتميًا إلى هوية وتاريخ وثقافة وحضارة وواقع؟
بالتأكيد، أنا في الوقت نفسه منتمٍ؛ نحن نعيش داخل تناقضات هائلة جدًا، جغرافية وتاريخية وإنسانية، وعندما أتحدث بلغتي، كفنان، قد يبدو الموضوع الفني غير واضح للوهلة الأولى للرائي. كثيرون يقولون إن أعمالي في التجريد مُسيّسة، والحقيقة أنا لا أقصد هذا التسييس، لكن كوني عربيًا فلسطينيًا يعيش في إسرائيل، فإن ذلك له بالتأكيد الأثر الكبير على لغتي الفنية.



كتب آرييه بركوفيتش، قيّم المعرض الأخير "حافّات"، يقول إن عالمي الداخلي ومنظوري الخاص في الفن يركّز على منطقة تماس حدودية بين الثقافات، وبين التقاليد والحداثة، ومن جهتي أرى أن هذا التوصيف دقيق حقًا، فأنا لا أنتمي بشكل واضح لأي عالم فني معين؛ أقف على الأطراف بين التجريد والمدرسة الروسية الطلائعية. وكذلك أنا على الأطراف بين الفنون في فلسطين، وتلك التي هنا في إسرائيل، ولم أندمج مع أي من التوجهات الفنية هنا، أو هناك.



(*) حدثنا عن قاموسك البصري، وتحديدًا عن المربع، الذي كتبتُ سابقًا عنه فقلتُ "المربع عند قادري هو الشكل الأساس القابل للتفكيك، والجوهر القابل للتشكل ضمن صور لانهائية تعكس أزمة الذات بين التناقضات..".
تعرفت على المربع، كشكل وقيمة، خلال اطلاعي على الفن الطلائعي الروسي، وتأثرت بالفنان كازيمير ماليفيتش، صاحب المربع الأسود. إذا نظرنا إلى المربع، كشكل، فربما لن نعثر فيه على شيء هام، ولكن من ناحية فلسفية يمكن القول إن المربع هو المطلق، إذ من الممكن أن يحتوي جميع الأشكال داخله. غير أن المربع لم يبق على الوضعية ذاتها في أعمالي، بل تطور مفاهيميًا وبصريًا خلال مسيرتي الفنية. وفي السنوات الأخيرة، بدأ المربع في أعمالي بالسيلان، أو الانهيار. كنت أرى فيه سابقًا شكلًا من المعرفة الواضحة، لكن بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وما أعقبها من أحداث مأساوية، سالت وانهارت كل الأشكال في أعمالي تعبيرًا عن حالة من عدم الفهم للواقع، أو الرفض، أو عدم ثبات الأشياء.



إن هدم المربع يعني عملية بحث وولادة جديدة لصياغة عمل فني يعالج الواقع الجديد الذي نعيشه. في بعض الأعمال، هنالك خط مائل، أو علامة إكس (x) وُضِعت على المربع، وهي إشارة إلى الرفض والألم، وإلى محاولة الإزعاج. أشعر أن هذا العالم خالٍ من الوضوح، بل ومن الأخلاق.
أضيف هنا أني أحاول دومًا التمرد على النمطية في الشكل والألوان، وأرى أن هذه مهمتي كفنان، أي الخروج من المفهوم السائد للشكل، أو اللون، أردت أن آخذ الأشكال إلى عالم آخر، لذا أسعى دومًا إلى التجديد في عملية الشكل، آخذه إلى عالمي الداخلي، وأبنيه من جديد، وأعطيه مفهومًا آخرًا يناسب رسالتي الفنية.



أسعى إلى التحرر من المنطق في الأشكال
(*) أين وصل الشكل كمصدر معرفي، وكمعرّف بصري، لأعمالك في معرضك الأخير "حافّات"؟
أنجزت أعمال المعرض الأخير، الذي عرض مؤخرًا في "بيت الفنانين" في تل أبيب، خلال العامين الماضيين، وهي أعمال من مشاريع مختلفة، غير أن هنالك لغة مشتركة بينها، وهي تتناول مسألة الشكل وانعدامه في العمل الفني. أعتقد أني أسعى إلى التحرر من المنطق في الأشكال، إذ أني لو أردت اتباع المنطق فنيًا، فستكون منجزاتي الفنية مهذبة وجميلة ومتناسقة تتحاور بتناغمٍ مع الرائي.
هنالك عمل في المعرض الأخير أحب أن أتحدث عنه لأوضح مقصدي بشكل أكبر؛ وهو العمل الوحيد الذي أعتبر أني رسمته فعليًا، بقية الأعمال لا أعتبر أني رسمتها، فأنا لا أقوم بعملية الرسم بالمفهوم المتعارف عليه، أي وكأني أقوم بعمل شيء آخر أثناء عملية الرسم. هذا العمل هو الجدار الذي كنت أرسم عليه، أي الجزء السفلي ــ مساحة البياض التي أعلّق القماش عليها للرسم، تشكلت خلال العمل سيول من الألوان وفوضى شكلية على هذه المساحة، لتصير بدورها عملًا فنيًا قائمًا بذاته وقريبًا مني، وبذلك أعدُّ أني أخذت الجدار المعلق عليه العمل إلى قاعة العرض. هذا العمل هو شريك في عملية التشكيل، صحيح أنه عمل غير مقصود، ولكن بعد دراسة وجدت أن علي أن أعرضه مع بقية الأعمال. إن العمل الفني يفقد قوته وجماليته إذا لم تحط به الفوضى، لذا أخذت هذه الفوضى ــ العشوائية اللونية العفوية والمدروسة، إلى صالة العرض، وعملت عليها لتتناسب مع بقية الأعمال.




(*) إذًا أنجزت بعض أعمال المعرض الأخير خلال فترة الجائحة؛ إلى أي مدى دخلت الجائحة إلى معمل زهدي قادري الفني، وإلى أي مدى تركت آثارها عليه كفنان؟
لا شك أن للجائحة أثرًا كبيرًا عليّ، كفنان، وعلى أعمالي بالتالي. أرى أن الزمن توقف حيث بدأت تلك الجائحة، والجميع يقف في محطة انتظار، نحن جميعًا شركاء في حالة الانتظار تلك. وكأن هنالك إعادة صياغة لكثير من المفاهيم، وهي حالة من الحرب واللاحرب معًا. قد تطغى على هذه المرحلة مشاعر الخوف والرهبة، لكن فيها تجليات جمالية أيضًا، مثل حالة السكون التي عمّتنا جميعًا.



الجائحة أعطتني فرصة للانعزال والولوج إلى عالمي الداخلي، واستثمرت في دوري هذه الفرصة بهدف الإنجاز الفني. كما أعطتني هذه المرحلة الفرصة لإعادة التواصل مع طبيعة بلادي، والتي تذكرني بطفولتي وصباي، والطبيعة بذاتها ملاذ آمن وجميل في زمن مليء بالتعب. لقد كنت على تماسٍ حقيقي مع الطبيعة في روسيا، حيث الطبيعة الأخّاذة هناك، بل كنت أعدُّ نفسي رسام طبيعة، ولكن هذا التواصل قلّ تدريجيًا مع العودة إلى البلاد، والانشغال بالتدريس، وبأمور الحياة الأخرى.



(*) هنالك بالفعل عملان من المعرض الأخير يقتربان في حالتهما من الطبيعة، هل يبشّر هذان العملان بمشروع فني قادم على تماس مع الطبيعة؟
خلال مرحلة الجائحة، حاولت أن أرسم الجبل الواقع خلف القرية التي أسكن فيها، وأعمل حاليًا على فحص الكتلة، أو الشكل الطبيعي. في أحد هذين العملين أضفت شكلًا يرمز إلى الشجرة في إشارة إلى الطبيعة، السماء الزرقاء في العمل واضحة، ثم هناك خطوط، ثم انهيار لوني. وفي العمل الآخر، كذلك، جزّأت المشهد الطبيعي ــ الجبل الذي أمامي وقمت بتسطيحه، وهنالك أشكال بيضاء هي إشارة إلى البيوت الواقعة أسفل الجبل، وأضفت لكل ذلك أحاسيسي الخاصة، وتعبيرات مثل الخطوط الأفقية والعمودية. هكذا عدت إلى رسم الطبيعة، ولكن بمفهوم أكثر تطرفًا، وبأسلوب من الفوضى الشكلية، حيث توجد هنا قضية أخرى مختلفة عن قضية الشكل.






نعم، القرية العربية هي مشروعي المقبل، لكن مشهد القرية بالنسبة لي لا يعني البيوت والنوافذ والأبواب... إلخ، وإنما أعمل على تأمّل مشهدية الفوضى التي نعيشها؛ نحن لا نعيش في قرية فلسطينية نمطية، وإنما في مخيم. أرى في هذه الفوضى حالة جمالية فنية، وأرى في عدم التناسق في القرية الفلسطينية تناسًقًا وتناغمًا تشكّلهما طبيعة المكان.
لتوضيح الفكرة بشكل أكبر؛ توجد بالقرب من قريتي مدينة إسرائيلية اسمها "كرميئيل"، بُنيت بشكل منظّم ومتناسق جدًا، وفي ما بعد، رأوا أنها تشكل نشازًا مع الطبيعة، فأضافوا لها الأشجار، ليخلقوا نوعًا من التناغم مع البيئة المحيطة. الطبيعة لم تتقبل هذه المدينة، وهي أكثر صداقة وألفة مع القرية الفلسطينية. أحاول في مشروعي المقبل دراسة وتأمل الحالة الهندسية للقرية، التي تتناغم مع روح الحياة في فلسطين. وبطبيعة الحال، فإن الأسلوب الذي سأتبعه ليس التقليدي، وإنما التجريدي.



(*) ختامًا، تحيط بمسألة عرض الفنان الفلسطيني من الداخل أعماله في دور العرض الإسرائيلية العديد من التعقيدات والإشكاليات، وربما الوقوع في التناقضات، كيف يختار زهدي قادري مكان العرض؟ وما الهدف من العرض هناك؟
بدايةً، أنا فلسطيني، روى أبي لي عن النكبة، وأنا في دوري أرويها لابني، هذا همّ نحمله جيلًا بعد جيل، هذه عملية استحقاق تاريخية، ولا أحد يتسامح في حقه. هنالك، في الدرجة الأولى، مسؤولية أخلاقية؛ لا زلت أحتفظ بصور لعمّتي وعائلتها التي هجّرت إبان النكبة إلى لبنان، هذا أرشيف لا أقدر أن أتخلص منه، فالقضية ما زالت حاضرة، هذا صراع مركب جدًا لم ينته. وسلاحي في جبهة الصراع تلك، كما قلت، هو الفن، كلغة عالمية قادرة على التحاور مع مختلف الشعوب والثقافات.



تبدأ التعقيدات مع عملية اختيار مكان العرض؛ بطبيعة الحال لا يمكن لي أن أقبل فكرة عرض أعمالي في أي مكان هنا في إسرائيل، أي أن هنالك أماكن لا يمكن أن أقبل عرض أعمالي فيها، مثل مستعمرة، أو مستوطنة، أو متحف يتبنّى الفكر الصهيوني، أو مثل قرية "عين حوض" المهجّرة، التي أقيمت على أطلالها قرية فنية لفنانين إسرائيليين يساريين. المسألة هي أن يجد الفنان المكان الملائم لعرض أعماله، والذي لا يعرّضه لتناقضات لا تُحتمل، فالتناقض أصلًا موجود، ولكنه يزداد حدة في أماكن عرض ذات هويات أيديولوجية لا يمكن أن يتقبلها من هو مثلي.
العرض في الأوساط هنا له أهميته كذلك. وكوني مقيمًا هنا، فهذا يعني أن عليّ أن أتحاور مع المجتمع الذي أعيش فيه، مع المنظومة المسيطرة، فأنا أمتلك قوة هي واحدة من مصادر القوة المعرفية والثقافية لأي مجتمع، وهي الفن، وعليّ أن استخدمها للتأثير في هذه المنظومة. وأعتقد أن الأوساط الفنية في إسرائيل منفتحة نسبيًا، فهم مجتمع مقبل من ثقافات مختلفة. تبقى مسألة أنك تقيم في دولة هنالك حسابات بينك وبينها، فهي ليست دولتك، أنت مجرد ساكن في هذا الكيان السياسي. ودائمًا هنالك أسئلة مثل: كيف ينظرون إليك، وكيف تنظر إليهم، ضمن هذا الصراع. لذا أحاول أن أتعامل من مركز قوة، فأنا أعرض فنًا وثقافة تفضح، ولو بطريقة ملتوية، أو مبطنة، واقع العنصرية واللاأخلاقية المُمارَس هنا.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.