}

أمين نايفة: السينما من أهم أدوات توصيل رسالة الفلسطينيين

عبد الكريم قادري 6 يوليه 2021
 

 

أثبتت السينما الفلسطينية خلال السنوات الماضية أنها مشتلة حقيقية أنجبت مخرجين مهمين أصحاب مبادئ ورؤى فنية، قدّموا أفلامًا غاية في الأهمية، أظهروا من خلالها آلام وجراح الشعب الفلسطيني تحت ظلال المحتل الذي تفنن في قهره وهضم أبسط حقوقه، يتعامل معهم بعنصرية يرفضها كل العالم، لهذا شمّر هؤلاء المخرجون على سواعدهم الفنية وقدّموا تجارب سينمائية ناجحة، تلقّفتها مهرجانات السينما العالمية، ونالوا من خلالها جوائز وتنويهات مهمة، ضربوا من خلالها العديد من العصافير بحجر واحد، تتبعوا مواهبهم، وقدّموا القضية الفلسطينية، وأكثر من هذا كرّسوا في الإعلام ذكر الدولة الفلسطينية كجغرافيا متجذرة، عاكسوا من خلالها سردية المحتل الذي حاول أن يمحوها.

في هذا الحوار مع المخرج الشاب أمين نايفة، تحدث عن فيلمه "200 متر" الذي يعد أول تجربة له في الأفلام الطويلة، نال من خلاله العديد من الجوائز العالمية المهمة من مهرجانات عريقة، أهمها جائزتان من مهرجان فينيسيا، وأخرى في مهرجان الجونة وغيرها، كما تحدث عن السينما الفلسطينية وعجلة الإنتاج العربي، وظروف إنتاج ودعم فيلمه، وغيرها من المواضيع التي تتعلق به كمخرج ومواطن فلسطيني.   

  

 (*) سأبدأ من حيث انتهت انتصارات فيلم "200 متر" وهي انطلاق عرضه في 68 قاعة عرض في فرنسا، كيف تشعر عندما ترى فيلمك يعرض في الدولة التي عرفت اختراع السينماتوغراف وتنظم فيها أروع المهرجانات العالمية وهو "كان" وانطلقت منها التيارات السينمائية مثل "الموجة الجديد" التي انتشرت في العالم، بمعنى أن الجمهور يملك مرجعية قوية وسيقف في مواجهة مباشرة مع فيلمك، صف لنا إحساسك بهذا الأمر؟

فكرة أن فيلمي الروائي الأول يعرض تجاريًا في بلد مثل فرنسا مع ما لها من بصمة كبيرة في نشأة هذه الصناعة وتطور مدارسها تعطيني شعورًا بالرضى والإنجاز وأن سعيي الدؤوب لصناعة هذا الفيلم لم يذهب سدى وأن الطريقة التي اخترتها لمشاركة هذه القصة مع المشاهدين من حيث المعالجة نجحت في إعطائه هذه القيمة التجارية بعد جولة المهرجانات التي شارك فيها.

منذ عرفت أن هناك شركة توزيع فرنسية اهتمت بعرض الفيلم وتوزيعه في صالات السينما في فرنسا، زاد إيماني بأنّ الفيلم سيلقى قبولًا بالفعل لدى الجمهور الفرنسي، بالرغم من أنّ موضوعه قد يعتبره البعض سياسيًا بالدرجة الأولى.

علي سليمان في مشهد من الفيلم


(*) انتشار الفيلم وعرضه في العديد من دول العالم ومهرجاناتها، والحديث المستمر عنه في الإعلام الذي بات يربطه بفلسطين ومشاكل الفلسطينيين، ساهم في خدمة القضية الفلسطينية، فما هو الدور الذي لعبه فيلمك والسينما الفلسطينية بشكل عام في تدويل القضية الفلسطينية ونشر جراحها وتنبيه ضمير العالم لها؟

السينما تعتبر سلاحًا بالنسبة للشعوب التي لا زالت ترزح تحت نير الاستعمار وهي من أهم الأدوات التي يمكن لنا استخدامها كفلسطينيين للوصول إلى شعوب العالم ومشاركة قضيتنا العادلة. السينما الفلسطينية أنتجت العديد من الأفلام التي حصلت على جوائز عالمية وترشحت للأوسكار، وكان لها دور في صناعة وعي ونقل صورة الواقع في فلسطين للمشاهدين حول العالم. السبب الرئيسي لدخولي عالم السينما هو أنني منذ طفولتي أردت أن اشارك الواقع الأليم الذي نعيشه، وأنا فخور بأنني استطعت اليوم أن أصل إلى آلاف الناس حول العالم. ويمكن القول بأن توقيت عرض الفيلم مع الأحداث الأخيرة يعطيني إحساسًا بأهمية هذا العمل وقيمته وخدمته للقضية الفلسطينية.


(*) وظّفت السينما الفلسطينية الجدار أو السياج أو المعابر في الكثير من أفلامها، لتظهر مدى معاناة الشعب الفلسطيني معها بشكل يومي، لكن توظيف "الجدار" في فيلمك "200 متر" الذي قمت بكتابته جاء بشكل مختلف، أين أعطيت لهذه القضية بعدا إنسانيا، وأظهرت مدى عنصرية المحتل، والسؤال هو كيف استلهمت فكرة فيلمك؟ وما مدى ارتباطك به سواء كفرد أو أسرة أو محيط؟ وإلى أي مدى كنت تعتقد بأن قضيته ستذهب بالفيلم بعيدًا؟

فكرة الفيلم جاءت من حياتي الشخصية، حيث إنني وأسرتي - كحال آلاف العائلات الفلسطينية- عانينا من الجدار بشكل مباشر، الذي فرّق بيننا وبين بيت جدي وأخوالي وخالاتي وأصدقاء طفولتي، وأصبح ضربًا من المستحيل أن أتواجد في القرية التي نشأت فيها وهي على مسافة 20 دقيقة في السيارة. بالإضافة إلى مشاهدات وقصص كثيرة كنت أسمعها في نشأتي عن المشاكل التي تعرضت لها الكثير من الأسر بسبب الجدار والحواجز. في طفولتي، كنت أتساءل دومًا ما إذا كان هذا الواقع الذي نعيشه أمرًا طبيعيًا بالنسبة لغيرنا، وإذا كان علينا الاستسلام والقبول به. ومنذ ذلك الحين كان الجدار بالنسبة لي وحشًا او هاجسًا أردت محاربته. فكان من الطبيعي أن يكون مشروعي الأول بعد تخرجي من معهد السينما أن أتحدث عما تسبب به هذا الجدار من المآسي لي ولغيري.

أمين نايفة



(*) من المؤكد أنه وصلت لك الكثير من الأصداء بعد عرض فيلمك في دول مختلفة، وأنا أتحدث عن صدى "الآخر" الذي لا يفهم ماهية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كيف وجدوا الفيلم وموضوعه؟

من المشاكل التي واجهتها أثناء تطوير وكتابة الفيلم في ورشات عمل أوروبية، كانت صعوبة فهمهم لتفاصيل القصة والحالة التي أتكلم عنها. وكان الأغلب يظن أنني أبالغ في وصف تعقيدات الحواجز والتنقل في الضفة الغربية في فلسطين. فحاولت أثناء الكتابة أن أبسّط الفيلم قدر الإمكان بحيث يتماشى مع تلك الآراء التي كنت أسمعها دائمًا، علمًا بأن الواقع أصعب وأكثر تعقيدًا مما ظهر عليه. فاخترت أن يكون التركيز على قضية الفصل العنصري وعلى قصة العائلة، بعيدًا عن مشاهد الاعتقال والعنف و"الكليشيهات" التي اعتاد الجمهور على مشاهدتها في الأفلام الفلسطينية. وكان لهذا أثر كبير في قبول الفيلم سواء عند "الآخر" أو حتى لدى الجمهور العربي الذين أشادوا بفكرة الفيلم وأسلوب معالجته بعيدًا عن الشعارات والخطاب السياسي المباشر، واستخدام الشعب الفلسطيني كأداة لكسب تعاطف المشاهد.



(*) شخصيًا لا يمكن أن أخفي إعجابي بفيلمك، وسبق أن عبّرت عن هذا بأكثر من وسيلة، لأنني لمست فيه موهبتك وطريقة تسييرك لعناصر الفيلم، من بينها مثلًا استحضار الإثارة وشد أنفاس الجمهور. والسؤال هنا إلى أي شيء استندت في بناء هذا السيناريو وكم أخذ منك؟ وهل هناك مخرج أو فيلم أو تيار معين استعرت أدواته لبنائه بتلك الطريقة الهندسية المختلفة والجميلة؟

الذي ساعدني في بناء الفكرة هو أنني اثناء كتابتي للسيناريو كنت خرّيجًا جديدًا من معهد السينما. وكانت الدروس التي تعلمناها عن فهم كيفية الوصول للجمهور واختيار ثيمة الفيلم لا تزال حاضرة في ذهني بقوة. فمنذ بدأت الكتابة في عام 2013 كنت قد عزمت على أن يكون هذا الفيلم موجهًا لجمهور عالمي كفيلم تكتمل فيه عناصر التشويق والإثارة من خلال تقديمه كفيلم طريق أو فيلم رحلة. وخلال ست سنوات من التطوير والبحث عن مصادر التمويل، نضجت رؤيتي الفنية للفيلم بحيث شملت قصة الدراما العائلية وقصة الرحلة. لأنني في البدايات كان تركيزي واستثماري موجهين أكثر في الرحلة والعقبات والمشاكل بعيدًا عن الاستثمار في الشخصيات ودوافعها.

الأفلام التي أحبها والتي ساعدتني في تطوير رؤيتي للعمل عديدة ومن بينها أعمال أصغر فارهادي والأخوين داردان وأفلام السينما الواقعية عمومًا مثل الفيلم الفلسطيني "عجمي".

جدار الفصل العنصري كما بدا في الفيلم


(*) كيف جرت عملية صناعة هذا الفيلم؟ وهل كانت ظروف الإنتاج والدعم المالي يسيرة؟

استغرقت عملية تحصيل التمويل للفيلم لجمع الميزانية ما يقارب 7 سنوات. وأثناء هذه الفترة كان هناك الكثير من الإحباطات والاكتئاب بسبب صعوبة الوصول للمنح الإنتاجية حيث قوبلنا بالكثير من الرفض وكثير من علامات الاستفهام حول إمكانيتي كمخرج لتنفيذ هذا الفيلم.

لكن بعد أن طرقنا كل الأبواب واستنفدنا كل الوسائل للوصول للمنح المتاحة والمنتجين المهتمين، تمكنا من جمع الميزانية لتصوير الفيلم، الذي كانت ظروف تصويره أصعب وأكثر مشقة من 7 سنوات قضيناها في البحث عن التمويل. فقد كان جدول الإنتاج ضيقًا، إذ قمنا بالتصوير في 35 موقع تصوير خلال 22 يومًا فقط، ومن بين تلك المواقع نقاط تفتيش وحواجز حقيقية والجدار نفسه بطبيعة الحال.

(*) هناك من يرى أنه يجب على الدول العربية أن تساند القضية الفلسطينية عن طريق دعم إنتاجها، إلى أي مدى تدعم هذا الطرح؟ وهل هناك آلية ما تقترحها لفعل هذا؟

الجهة الأولى التي يقع عليها دعم السينما الفلسطينية هي الحكومة الفلسطينية والقطاع الخاص الفلسطيني، وذلك بإنتاج صندوق مستقل لدعم الأفلام، ولكن للأسف هذا ليس على أجندة هذه الجهات. المنح العربية المتاحة اليوم للسينما هي قليلة وهناك منافسة كبيرة عليها بين صناع الأفلام العرب. وللأسف أيضًا لا أعتقد أن هذا النهج سوف يتغير في ظل السياسات الحالية لمعظم الحكومات العربية التي لا تستثمر في الثقافة والفن ولا تعدها من أولوياتها.

(*) هل هناك أي مشروع سينمائي تعمل عليه حاليا؟

نعم، أقوم حاليًا بتطوير سيناريو لفيلم روائي قادم، تدور أحداثه حول قلعة صليبية في الشوبك جنوبي الأردن، عن قصة طفل يخوض مغامرة ورحلة تغير من حياته مع رجل عجوز من تلك القرية. الفيلم يناقش مفهوم العائلة والانتماء والفرق بين الأجيال، ومن المقدّر أن يقوم بدور الرجل العجوز الفنان السوري جمال سليمان.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.