}

إبراهيم أبو هشهش: الترجمة تأويل للمعنى وبديل عن الكتابة

علي جازو علي جازو 2 أكتوبر 2025
حوارات إبراهيم أبو هشهش: الترجمة تأويل للمعنى وبديل عن الكتابة
إبراهيم أبو هشهش

لا ينظر الناقد والأكاديمي الفلسطيني إبراهيم أبو هشهش إلى نفسه كمترجم، على الرغم من أنه ترجم وشارك في ترجمة أكثر من سبعة عشر كتابًا من الألمانية إلى العربية. من بين ترجماته رائعة راينر ماريا ريلكه، كتابه النثري "مذكرات مالته لوريدز بريغه"، الذي يرى فيه بعض الدارسين فاتحة الرواية الحديثة التي تقوم على هدم الأشكال السردية التقليدية القائمة على حبكة منطقية، والتركيز على ما يسمى بتيار الوعي. في هذا الحوار مع "ضفة ثالثة"، ننقل آراء الكاتب والمترجم إبراهيم أبو هشهش حول الترجمة والتأويل، وبداياته مع اللغة والثقافة الألمانيتين، فلسفة وشعرًا، وموضوع رسالته الجامعية للدكتوراة، ومسائل أخرى.


(*) أي موضوع اخترته لبحث رسالتك للدكتوراة، ولماذا اخترته من دون سواه؟
موضوع رسالة الدكتوراة كان عن الموت والرثاء في شعر محمود درويش، ولهذا الاختيار سببان، أولهما أنني أتابع شعر درويش منذ وقت مبكر في حياتي، وأرى أنه شاعر كوني استطاع تمثيل التراجيديا الفلسطينية شعريًا بعمق وجمال غير مسبوقين، واستطاع أن يجعل من السؤال الوطني الفلسطيني سؤالًا كونيًا وجوديًا ينعتق من حدود القضية السياسية ليدخل في البرهة الفلسفية الإنسانية، وقد تجلى ذلك تجليًا فذًا في تناوله لثيمة الموت ومراثيه الكثيرة لأصدقائه وأبناء شعبه، بحس تراجيدي عال، ونبرة غنائية ملحمية فريدة.
والسبب الثاني هو أن موضوعَتي الحب والموت كانتا في جوهر الشعر منذ الملاحم القديمة في بابل، وآشور، ووادي النيل، واليونان... إلخ. ومن يقرأ الشعر العربي قبل الإسلام سيلحظ كثافة تردد هاتين القضيتين في الشعر العربي القديم، فهما صنوان متلازمان كانا من أول القضايا التي دفعت الإنسان للفلسفة والتأمل في مغزى الوجود، كونهما من أبرز حالات الحدود، وفق كارل ياسبرز، وقد أخذا تمثيلات شعرية وفكرية مختلفة عبر العصور، وليس فقط في الشعر الرومانتيكي الأوروبي، والشعر الألماني بشكل خاص، كما قد ينصرف الذهن.

(*) ما هو أول كتاب ترجمته من الألمانية إلى العربية، وكيف تنظر إلى معنى الترجمة: هل هي إعادة كتابة للنص الأصلي بلغة أخرى، أم هي فعل إبداعي مستقل كما كتب فالتر بنيامين عن "مهمة المترجم" واصفًا الترجمة بـ"اللغة النقية"، وأن النص المترجم يتمتع بحياة لاحقة؟
أول كتاب ترجمته هو كتاب "تعايش الثقافات: أطروحة مضادة لهنتنغتون" لعالم السياسة وخبير النزاعات الدولية الألماني هارالد موللر. الترجمة، عمومًا، هي إعادة توطين كتاب في لغة أخرى، كما هي الحال مع ترجمة هذا الكتاب، وقد تكون، إضافة إلى ذلك، فعل إبداع كما في ترجمة الأعمال الأدبية على وجه الخصوص، فالنص الأصل، وفق فالتر بنيامين، ينبغي أن يكون قابلًا للترجمة، لا بمعنى إمكان ترجمته إلى لغة أخرى فقط، بل لأنه يمتلك الجدارة لذلك، وكأنه يقول للقارئ ترجمني. وفي كل الحالات، فإن الترجمة هي إعادة تأليف، ولكن بشروط خاصة، فالكتب قبل ترجمتها إلى اللغة الهدف غير موجودة في نظر قراء هذه اللغة، ويبدأ وجودها بعد ترجمتها فقط، حالها في ذلك حال أي كتاب يتخذ لنفسه وجودًا بعد تأليفه فقط.

(*) من هو مالته لوريدز بريغه، وكيف تجد نثر ريلكه القصصي إذا ما قورن بأعمال أخرى، كمراثي دوينو، أو السونيتات؟
"مذكرات مالته لوريدز بريغه" رواية أو كتاب نثر، كما كان ريلكه نفسه يطلق عليه. وقد استغرق ريلكه ست سنوات في تأليفه، ونشر للمرة الأولى عام 1910. وهو عبارة عن واحد وسبعين مقطعًا يمكن قراءتها على أنها قصائد نثر منفصلة، وفي الوقت نفسه، يمكن تتّبع خيطٍ سردي يتمحور حول شاعر دانماركي شاب كان آخر سليل لأسرة نبيلة هو مالته، وهو أيضًا، بشكل أو بآخر، يمثل ريلكه نفسه، الذي كان شاعرًا شابًا جاء إلى باريس من أجل تحقيق ذاته في التعرف على مدينة كونية على أبواب التحديث، وكي يصبح شاعرًا. والعمل يلاحق تأملاته بطريقة لا تقوم على السرد التقليدي المتصاعد، بل على المونتاج، وإعادة تركيب المكونات، ما جعل بعض الدارسين يرون في هذا العمل فاتحة الرواية الحديثة التي تقوم على هدم الأشكال السردية التقليدية القائمة على زمن كرونولوجي وحبكة منطقية، والتركيز على ما يُسمّى بتيار الوعي، مثلما بلغ ذروته لاحقًا على يدَي كافكا، ويدي جيمس جويس.




حاولت في هذا العمل، قدر الإمكان، نقل قوة التأثير الذي يميّز النص الأصلي. ربما وقعت في بعض الأخطاء هنا وهناك، فالعمل صعبٌ، ولم يشجعني على ترجمته أي من الأصدقاء والمختصين الألمان. ومع ذلك، أشعر أن ترجمة هذا العمل من أهم ما أنجزته في حقل الترجمة والأدب. وعلى أي حال، فإن أي ترجمة لريلكه هي مجرد محاولة، أو اقتراح، والدليل على ذلك صدور أربع ترجمات بالإنكليزية لهذا الكتاب؛ واحدة في أميركا، وثلاث في إنكلترا، منها اثنتان خلال عشر سنوات فقط من قرننا الحالي.


(*) بخصوص القصة القصيرة الألمانية، ما الذي يميزها عن الأميركية، مثلًا، أو القصة القصيرة العربية؟
القصة الألمانية القصيرة حديثة النشوء، ارتبط نشوؤها وازدهارها بالحرب العالمية الثانية، وبُعيدها، وهذا أمر طبيعي، فالقصة القصيرة تزدهر في أزمان التحولات الاجتماعية العميقة واللحظات الفارقة في حياة مجتمع من المجتمعات. قبل ذلك، كان الجنس السردي السائد في النثر الألماني هو الرواية القصيرة. تأثر ظهور القصة الألمانية، بالقصة الأميركية بشكل خاص، وأخذت تسميتها من نظيرتها في الأدب الأنجلوسكسوني. بُعيد الحرب ظهر ما يُسمى "أدب الأنقاض"، وخاصة عند المجموعة 47 (*)، وهنا تميزت القصة بالتقشف اللغوي، وقلة الروابط وحروف العطف أو انعدامها، والتناول المباشر للموضوع من دون تمهيد، وهيمنة اليأس والتشاؤم، والانكباب على تصوير البؤس والفقر واليتم والتشرد... إلخ، كما في أعمال فولفغانغ بورشرت، وهاينريش بول، وفولف ديتريش شنوره، وألفريد أندريش، وفولفغانغ فايراوخ، وسواهم.
بعد ذلك، وابتداء من عقد الستينيات، عاشت ألمانيا حقبة الازدهار الاقتصادي، فمالت القصة القصيرة إلى الاستبطان والتأمل السيكولوجي، واختلفت اللغة السردية. ومن أبرز ممثلي هذه الحقبة ماري لؤيسه كاشنتز، أحب القاصين الألمان إلى نفسي، وكذلك إلزه آيشنغر، وهانز بيندر، والشاعرة النمساوية الشهيرة إنغبورغ باخمان، وغيرهم.
بعد ذلك، شهد الأدب الألماني انحسار الاهتمام بالقصة القصيرة، وتقدم الرواية، ولكن هذا لا يعني اختفاء القصة القصيرة من المشهد تمامًا، فقد واصل كتابتها كتاب معروفون، مثل السويسريين فريدريش دورنمات، وماكس فريش، وبيتر بيكسل، والألمانية هيرتا مولر، وكذلك دانييل كيلمان، وكثيرين غيرهم.



(*)
ما الذي يجذبك إلى نص بعينه حتى تترجمه؟ هل هو القيمة الأدبية، أم الندرة، أم الصلة بالواقع العربي؟
ما يجذبني في النص عادة هو الفرادة والقيمة الأدبية، وإمكان ترجمته إلى العربية من غير أن يفقد كثيرًا من جماله وقوة تأثيره. الشعر والفلسفة أكثر الأجناس صعوبة في الترجمة، وهما، على الرغم من الفوارق الظاهرية الكبيرة بينهما، صنوان، أو توأمان، كما يرى هايدغر تقريبًا، فما لا تصل إليه الفلسفة بأدواتها العقلية الاستدلالية، يصل إليه الشعر بقوة الحدس.




ترجمت كتابًا فلسفيًا هو" فلسفة التنوير" لكاسيرر. ويمكن اعتبار كتاب ريلكه أيضًا عملًا شعريًا، أو نثرًا شعريًا رفيعًا. في الفلسفة يحتاج المترجم إلى ثقافة موسوعية ومعرفة بتطور الفلسفة الإنسانية والعقل البشري والمصطلح الفلسفي الغربي والعربي، وفي الشعر يحتاج إلى حس مرهف، وقدرة على نقل قوة التأثير ومواطن التركيز الإيقاعي والوجداني في النص الأصل، ومعرفة بالنصوص الغائبة، وهذا الأمر الأخير لا يمكن الإلمام به إلمامًا كليًا مهما كانت ثقافة المترجم وقدراته. لذلك فإن ترجمة الشعر هي شكل من أشكال التأويل. ومن هنا، لا غرابة في أن للتأويل والترجمة مفردة واحدة تجمعهما، فأي ترجمة أدبية، وخصوصًا الشعرية، هي تأويل، أي لا مناص في نهاية المطاف من ترجيح دلالة على بقية الدلالات المحتملة التي ينفتح عليها النص في لغته الأصلية.

(*) ما هو شاغلك الفكري والأدبي حاليًا؟ وهل هنالك أعمال أو كتّاب تتمنى أن تُترجَم لهم ولم تحظَ بعد باهتمام عربي؟
رغم أني ترجمت أو شاركت في ترجمة حوالي سبعة عشر كتابًا بين الفكر والفلسفة والأدب وكتب الأطفال، إلا أنني لم أنظر إلى نفسي يومًا على أني مترجم، وربما أقبلت على ترجمة ما ترجمته بديلًا عن الكتابة، ولا رغبة لي من الآن فصاعدًا في ترجمة أي عمل آخر، اللهم إلا ضمن ظروف خاصة، وبشروط معينة، لأن الترجمة عمل شاق جدًا، ومازوخي إلى حد ما، فالمترجم شخص غير ظاهر يُخضع نفسه طوعًا لشروط لغة أخرى، وطريقة شخص آخر وأسلوبه في التفكير والتعبير. إن الترجمة قيد مزدوج بقدر ما هي حرية إبداعية وفكرية، وانعتاق من شروط ثقافة واحدة وإملاءاتها الضمنية.

هامش:
(*) جماعة الـ 47" (Gruppe 47) في ألمانيا كانت رابطة غير رسمية للكتّاب الناطقين بالألمانية، تأسست عام 1947، وكانت تهدف إلى استعادة التقاليد الأدبية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، وتفكيك الإرث الأيديولوجي للنازية. ضمت هذه الجماعة شخصيات بارزة، مثل هانز فيرنر ريختر، وغونتر غراس، وكانت تلتقي بانتظام لقراءة ونقد أعمال لم تُنشر بعد، مما ساهم في تطور الأدب الألماني الحديث، ودعم القيم الديمقراطية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.