}

حنان الشيخ: كنت محظوظة بخوض تجارب متعدّدة بالشرق والغرب

رنا زيد 24 أكتوبر 2025
حوارات حنان الشيخ: كنت محظوظة بخوض تجارب متعدّدة بالشرق والغرب
حنان الشيخ: ما كتبته لا علاقة له بي

الكاتبة اللبنانية حنان الشيخ وضعت في روايتها "إنها لندن يا عزيزي" (الصادرة في عام 2002 بالفرنسية عن دار أكت سود الفرنسية)، مرساة لحوار ثقافي إنساني بين الشرق والغرب عبر علاقة الحب التي كونتها سرديًا، في حدث جرى مصادفة، أدى إلى لقاء أربع شخصيات: لميس العراقية المطلقة، وسمير اللبناني المثلي، وأميرة المغربية، ونيقولاس الإنكليزي، في طائرة عائدة من دبي. إذ نرى نيقولاس الإنكليزي ولميس العراقية، ينجذبان ويتنفران وفق مفهوم ثقافي، خاص بكل منهما. نيقولاس يقرر في نهاية الرواية الهرب إلى عُمان، مع ألم الحب الذي تركته لميس في قلبه، لميس المترددة حالها كحال جيل كامل من النساء العربيات المنفيات، حينما يكون الموضوع اختيارًا بين الحب أو الحرية الشخصية. يخفن أن يوضعن في قفص لا مخرج منه، يتكورن على ذاتهن؛ لكن في الفصل الأخير نرى لميس تاركة لندن، مذعورة من أنها لن تتقاطع مع خطى نيقولاس، متمنية أن يظل في عُمان، من أجل لقائه.
هذه الرواية التي تبدأ بكلمة "يا ويلي"، أو بنداء الويل الآتي من العالم العربي، على لسان أميرة المغربية، هي واحدة من أهم الروايات التي من الممكن قراءتها، في أدب المنفى العربي المعاصر، المتعلق بالمكان أو المكان الغربي خاصة، في موازاةٍ مع أهمية رواية الكاتب العراقي صموئيل شمعون "عراقي في باريس"، التي صورت المكان، كما لو أنه لا مكان، أو كمكان، يزدحم بالحداثة الفائقة وبالهيام وبالتجوال، ليصير مكانًا هجينًا، أمام شاعر وكاتب آشوري عراقي هارب من قمع الأنظمة العربية، مكان لا ينعكس في صميم الثقافة العربية، الساعية إلى الثبات بعد الترحال.
لا يمكن النظر إلى أعمال حنان الشيخ، دون النظر في سحر روايتها المكانية هذه، إضافة إلى كل أعمالها الروائية المترجمة إلى لغات أجنبية عدة. نجري معها هذا الحوار، في مناسبة ترشحها لجائزة الأدب العربي لعام 2025، التي يمنحها معهد العالم العربي ومؤسسة جان لوك لاغاردير، في باريس، وقبل إعلان نتائج الجائزة، في يوم 28 من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، الذي سيتم بحضورها في باريس.

(*) كيف ترين المنفى، بعد أعوام طويلة من النفي والاغتراب؟ هل ترينه كمكان؟
أشعر أنني محظوظة، لأنني خضت تجارب متعددة في الشرق والغرب. والكاتب يُعتبر محظوظًا إذا امتلك هذا التعدد. أنا، حنان الشيخ، كلما ابتعدت عن الوطن، تولّدت لديّ أفكار جديدة ومختلفة. في روايتي الأولى "انتحار رجل ميت" أردت أن أُلفت الانتباه، لأنها كانت أول كتاب لي. اخترت أن أصفه بالميت لأنه كان يائسًا من الحياة، بسبب حبه لفتاة صغيرة، دانيا، كانت في التاسعة عشرة، بينما هو في الرابعة والأربعين. الرواية كانت أشبه بالشعر، كأنني أكتب موضوع إنشاء، حيث كانت الصورة هي الأهم، أكثر من الوصف أو الحدث نفسه.

(*) لماذا تذكرين ذلك تحديدًا؟
لأنني كنت في مصر، في الثامنة عشرة من عمري، بعيدة عن لبنان. رواية "فرس الشيطان" كتبتها وأنا خارج الوطن، والبطل فيها كان رجلًا. لم أكن أريد أن أكتب عن نفسي ككاتبة تتحدث عن ذاتها، كما فعلت بعض الكاتبات مثل ليلى بعلبكي، وغادة السمان، ونور سلمان. قررت أن أروي حكايتي من خلال هذه الشخصية.

(*) هل كنتِ إحدى الشخصيات في الرواية؟
ربما كنتُ الرجل، وربما كنتُ الفتاة اليافعة، لأنه كان يفكر فيها، وحين كان يفكر فيها، كنتُ أنا أصفها للقارئ. كنتُ الرجل والمرأة في آنٍ واحد.

(*) هل كنتِ تتحدثين عن ثنائية جندرية؟
ربما، لكن لم يكن ذلك بقصدٍ واعٍ. لم أرد أن أكون امرأة أو رجلًا فقط، أردت أن أكون الاثنين معًا، وألا أُشبه أحدًا غيري.

(*) هل كان التعبير عن هذه المواضيع صعبًا؟
لم أجد صعوبة في ذلك، ولم أكن أفكر فيما سيقوله الناس. أقصى ما يتمناه الكاتب هو أن يجد ناشرًا يوافق على نشر كتابه.



(*) متى بدأتِ الكتابة؟
بدأتُ الكتابة في الرابعة عشرة من عمري، كنت أكتب في مقهى مع صديقتي، وكنّا نقلد الفلاسفة الوجوديين. وذات يوم، أخذني أخي من يدي وجرّني إلى البيت. كتبنا قصة عن تلك الحادثة للصفحة الطلابية في جريدة "النهار"، فنشروها. شعرت بأنني أريد أن "أنتقم" مما فعله بي. لم يكن لديّ هوية رسمية بسبب تأخر أهلي في تسجيلنا، كنت أبلغ 14 أو 15 عامًا. بعدها صرت أكتب كل ما أشعر به وأرسله إلى "النهار"، البنات كنّ يخشين ذلك، أما أنا فلم أخف، ولم أفكر في أهلي أو أحد.

(*) حدثينا عن "فرس الشيطان"...
"فرس الشيطان" هو اسم حشرة خضراء، تشبه الحصان، وكان يُطلق عليها "حصان إبليس". كتبت فيها عن والدي، وكيف قام بتربيتي. كتبت بجرأة دون أي رقابة داخلية. الكتاب تناول الطفولة، والذات، والتجارب الوجودية. كنت أقرأ أعمالًا مترجمة إلى العربية، وأعجبت بكتاب مثل ألبرتو مورافيا وكتابه "السأم".

(*) كيف أثرت الحرب اللبنانية فيك؟
حين بدأت الحرب، تركت لبنان وذهبت إلى لندن. سألت نفسي: "ما الذي أفعله هنا؟"، "لماذا تركت؟"، "ما الذي أريده من الحياة؟". كانت الإجابة أنني أريد أن أكتب. الخوف من الحرب والموت والدمار أعادني إلى طفولتي. تذكرت حين كانت أمي تأخذني معها لتزور عشيقها. كنت أرى وأصمت. كتبت عن الخوف والحرب. في "حكاية زهرة" كتبت: "وقفنا خلف الباب نرتجف". أمي كانت رائحتها مزيجًا من الكولونيا والبصل، وضعت يدها على فمي كي لا أتكلم. كنا نختبئ في غرفة عشيقها، وهو يسكن مع أهله، وكانت معنا مفاتيح منزله. هذه الحادثة أثرت بي بشدة، وعادت إليّ عندما بدأنا نختبئ من الحرب خلف الأبواب والنوافذ.

(*) هل كانت الشخصيات في رواياتك قريبة من الواقع، "إنها لندن يا عزيزي" مثالًا؟ شخصيات من مثل سمير وأميرة ونيقولاس؟
سمير مثلًا كان شخصًا أعرفه، هو شقيق صديقتي، وكان يعرف أحد أفراد العائلة المالكة العربية. كان يذهب إلى الأماكن، يضحك الناس، فيعطونه طعامًا أو مالًا. والمغربية أيضًا كنت قد رأيتها. أراقب الناس، ثم أخلق من مراقبتي شخصيات. لميس وغيرها... أجد شخصيات تشبهني، ثم أخلق شخصياتي. وهناك أميرة التي كانت "تدبّر البنات"، وهذا موجود في مجتمعاتنا، سواء في داخل البلاد العربية أو خارجها.

(*) وهل كان في إمكانك الكتابة بحرية أكبر في لندن؟
بالطبع، في لندن استطعت أن أكتب عن الشخصيات العربية بحرية، لأن الإنكليز لا يعرفون التفاصيل، إلا إذا شرحناها لهم. أما العرب، فيفهمون ما يُقال. أحيانًا كانوا يظنون أنني أكتب عنهم، فيجنّ جنونهم. وكنت أقول لهم: "اذهبوا إلى إدجوير رود، هناك الكثير من العرب". وكتبت عن هذا في "إنها لندن يا عزيزي".

(*) هل كانت الروايات انعكاسًا لحياتك في المنفى؟
لا، لم أنقل حياتي أبدًا. ما كتبته لا علاقة له بي بشكل مباشر، ولم أكن قريبة من تلك الشخصيات. إلا إذا ذهبت إلى أماكن وجود العرب، كنت أراقب فقط. رأيت شخصًا مثل سمير، أما نيقولاس فكنت أراه في المسرح أو في لقاءات مع أدباء إنكليز.

(*) ماذا عن مصر؟
درست في مصر لمدة عامين جامعيين، ثم عدت إلى لبنان وعملت في الصحافة. كتبت في مجلة "الحسناء" النسائية، مواضيع أصيلة وجريئة. أجريت مقابلات، مثلًا مع شخص كان يعمل "شنّاقًا". كتبت أيضًا عن فتاة من آل الجميّل أرادت أن تصبح راهبة، وكان عليها أن تقرر خلال أسبوع.

(*) ما الفرق بين بيروت ولندن مكانيًا؟
كل مكان يختلف عن الآخر. الدين والمجتمع والمواطنة كلها أمور تختلف. في العالم العربي، هناك تركيز كبير على الدين والمواطنة.

(*) كيف يرانا الغرب؟
ليست لدينا صورة واحدة في أذهانهم. يروننا رومانسيين، بلاد ألف ليلة وليلة، المليئة بالقصص الغريبة والعجيبة. يرون أن الدين لدينا مهم، في حين أنه لا يعني لهم شيئًا. يلاحظون الحروب والصراعات في العالم العربي، مثل اليمن والسعودية. أما العرب، فيرون بعضهم بعضًا بعيون مختلفة.

(*) وهل صورتنا واضحة لديهم؟
نعم، بالتأكيد. في عام 2025، يرون النساء العربيات في أشهر الشوارع مثل بوند ستريت وسيلفريدجز. يرون عربيات عصريات، ويرون أخريات يرتدين السواد والنقاب، فلا يظهر منهن سوى العيون والأنف والفم. ويتساءلون: من يجبر هؤلاء النساء؟ ومن لا يُجبر؟ يرون كل هذا التنوع، ويبدأون في فهمه.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.