}

صلاح عيال: جحيم البصرة جنتي لذلك لا أغادرها أبدًا

عمّار كشيش عمّار كشيش 4 أكتوبر 2025
حوارات صلاح عيال: جحيم البصرة جنتي لذلك لا أغادرها أبدًا
صلاح عيال

الروائي صلاح عيال من مواليد البصرة (1962). حاصل على بكالوريوس فنون جميلة ـ المسرح. من أعماله الأدبية: "مرايا السلحفاة" (مجموعة قصصية)؛ "كيورش" (رواية)؛ "الأنثى التي تحوّلت ذكرًا" (نوفيلا، 2011)؛ "كأس الأضاحي" (رواية، دار ألكا 2024). هنا حوار معه:

(*) في حوار أُجري معك، قلت: إن رواية "كيورش" لم تحظَ باهتمام القرّاء، عازيًا سبب ذلك إلى كون أحداثها واقعية، وحسب تصريح لك أنك ضمَّنت داخلها تقنية الصحافة. لماذا لم تحظَ بالاهتمام؟ ألم تكن الوقائع التي التقطها الصحافي مثيرة، أم أن السبب يرجع إلى تقنية الكتابة؟ لقد تأخرتَ في كتابتها وإصدارها، إذ بدأت كتابتها عام 1986 ونُشرت عام 2007. خلال هذه الفترة الطويلة، ماذا فعلت لهذه الرواية؟
"كيورش" كتبت مسودات متقطعة، كنت أجمعها كمادة بين مد وجزر، تتقدم الأحداث أو تتأخر، في المسودات لم أستخدم الرمز، ولم أفكر بالنشر، بعد ذلك أعدت كتابتها بسردية أثارت إشكالات نقدية، محاولة مني لأن أمنحها حرية الحركة والاشتغال بذاتها ولا أسمح للرقيب الداخلي أن يكبح من عزمي لما أدونه، مع إمكان مرورها تقنيًا. لقد أعددتها رواية تسجيلية، فاللغة تقترب من الصحافة والوثيقة، كل ذلك، كان لصيق الوقائع التي عشتها لأسجلها في الرواية. أعترف لم يدخل الخيال كثيرًا، ربما، بقدر ما يحتاجه السرد الفني.
أما علاقتها بالقرّاء فأوعز الحال إلى زمن إصدارها في زحمة الصراع الطائفي وابتعاد الأدباء عن اللقاءات والتواصل في فترة لا وجود للميديا بهذه الطريقة التي أخذت من جرف الصحف والكتابات، وأعني بذلك، بداية الفيسبوك، الآن الأخير لعب دورًا في إيصال المعلومة، الترويج لها وسعة المتابعة، ولا أظن "كيورش" وحدها، بل إصدارات كثيرة لأدباء تعرضت أعمالهم لما ذكرت.

(*) أيُّ عملٍ أخذ منك وقتًا أطول وجعلك في حيرة، وربما كان لذيذًا وصعبًا في الوقت نفسه؟
كل عمل له أرضه، المناخ الذي زُرع فيه، كما له موسمه، الزمن الذي يسمح له بالنضوج وتسويقه في الأسواق، "مرايا السلحفاة" مجموعة قصصية جمعت لأن تكون أول إصدار لي، ولو أُعيد الأمر لتخليت عن بعض القصص أو أعدت كتابتها، مع إيماني بأن ما يصدر لا يحق تغييره، على "هناته" وإن استحق ذلك. أما رواية "كيورش" فامتد زمنها لأنها تتحدث عن استبداد السلطة وحيرة جندي يروي عن سنوات، محنة السجن والحرب وعلاقته بالأكراد وما بعدها، منها فاجعة الأنفال وجرائم الأسلحة الكيميائية، بالتأكيد أجلت إصدارها لما بعد الاحتلال. أما نوفيلا "الأنثى التي تحولت ذكرًا" فقد كتبت في أسبوع وكأنها أبرقت وأمطرت باللحظة. ربما "كأس الأضاحي" كان زمنها منضبطًا كونها بدأت في 2018 وأن أحداثها في حزيران/يونيو 2014، عمليات سبايكر المؤلمة حتى انتهتْ كتابتها في 2022 وطبعت في 2024. تخليت عن قصص كثيرة، بعضها أُدخل في متون الروايات ولم أزل أعمل على مسودات قديمة أمنحها جدية اليوم.

(*) تحصيلك العلمي: خريج كلية الفنون الجميلة، وقد عملتَ ممثلًا مسرحيًا. هل كان ذلك طموحك؟ ولماذا لم تستمر؟ ولِمَ لم تمارس اختصاصك بعد الدراسة؟
كنت طالبًا، وجدت المسرح نافذة أنزوي بها عن المساءلة السياسية، فقد تعرضت في الرابع الإعدادي للمطاردة، ولم يبق على هروبي خارج البلاد سوى ليلة وخطوات، (كنت محظوظًا ولم يحصل السفر)، جحيم البصرة جنتي لذا لم أغادر هذه المدينة أبدًا. بعدها ارتفعت الرغبة الحقيقية للمسرح حتى اشتغلت أعمالًا قدمتني لدراسة الفنون ولو بعد الانتهاء من الخدمة العسكرية، الآن أنا أعمل تدريسيًا في اختصاصي.


(*) متى ولد صلاح عيال الأديب وهل كان في البداية روائيًا أم شاعرًا؟
بعد الالتحاق بالجيش، لا شيء سوى الحرب والقراءة غير المنتظمة، المختصرة على الجريدة والكتاب الذي تصحبه معك في الحقيبة، فكرت بكتابة أول قصة، "رائحة الجارة"، عام 1986 ونشرت في جريدة "الجمهورية"، ويبدو أنها خطوة الألف ميل، أما الشعر لم أكتبه يومًا، كما أني غير متخصص باللغة وسباكتها والشعر يحتاج إلى الأسس اللغوية والأوزان، فيما بعد وجدت السرد يحتاج لنفس الغرض فطورت نفسي. كل عمل يتأخر يكون أكثر قدرة من الذي سبقه ولا ندم على ما سبق، كونه الأساس لما بعده.

(*) في نصك القصصي "نباح" كتبتَ الحقيقة التي عشتها وتعيشها، ووصفتَ المكان الذي تسكنه بالسجن، لكن هذا السجن بابه مفتوح؛ فما الذي يدفعك للبقاء داخله؟ لماذا لا تغادره؟ أليست الكتابة حبيبتك الأجمل، ومن أجلها ينبغي أن تبحث عن مكان أفضل لتلتقي بها؟
الحقيقة كنت، في قصة "نباح"، أشير إلى حياتي الحقيقية التي أعيشها وليس السجن بمعناه الحقيقي، هذا هو مكاني وعائلتي وصومعتي، (لم أحابِ ولا أتشكى بقدر ما كتبتها كجزء من يومياتي)، ويفترض عدم نشرها لكني وجدت الشخصية هي الجزء الأوسم سرديًا عن معاناة الكثير، فدفعتها لتكون ملك القراء، لدي مثيلاتها نشرت على صفحتي ولم أعتمدها، قال عنها أستاذنا الكبير محمد خضير: "هذه فسيفساء، أتمنى أن تعتني بها وتطورها، ربما لم تجدها يومًا"، والحق لو لم تُكتب قصة "نباح" في حينها لتلاشت من الذاكرة.

(*) ما هي المجاميع القصصية والروايات التي تعتبرها الأفضل بالنسبة إليك، عراقيًا وعربيًا وعالميًا؟ وأي الكتب كانت الأقرب إلى نفسك وسحرتك كثيرًا؟
كل الأعمال تحتاج إلى متابعة، فإن بدأتَ بـ"المسخ" لكافكا لا تنتهي بـ"نور في آب" لفوكنر وكذلك عربيًا من يوسف إدريس لا تتوقف عند صنع الله إبراهيم وإبراهيم أصلان. أما عراقيًا، فأعتقد بحتمية المتابعة وأين يقف المشغل العراقي السردي تاريخيًا وعبر مراحله وأين ينتهي، الكل يجب قراءته، فلدينا تجارب كبيرة ومهمة كما نقف عند الضعيف أيضًا.

(*) في روايتك "كأس الأضاحي" كنت مناصرًا للمرأة، هل وجدت في مقابل ذلك تقديرًا أو تثمينًا من الجانب النسوي؟
لا أعتقد القراءة النسوية هي المهمة، العمل قُدم للجميع. والمرأة فيه نقطة مركزية سعت لأن تُقدم "مكلومة" الحياة، وصراحة قدمتها كما هي، فشخصيات المرأة على اختلاف تباينها، هي من أسهمت في تحديد الملامح المتباينة لهذه الشريحة، فكل جزئية بوظيفة مع ضبط إيقاع الأزمنة، وما عاشتها من أماكن وتحولات.

(*) كم نصًّا كتبت لترضي النظام (البائد) أو لتجنّب أن يُصنَّفك كمشروع سجين أو معارض أو مشاكس؟
هذا سؤال مستفز، لم ولن أكتب للنظام البائد، بل كتبت قصة "مرايا السلحفاة" ونشرتها في سورية في مجلة "المدى"، التي كانت للشاعر سعدي يوسف، في 1994. بعدها نشرت قصصًا في صحف عراقية، لكنها بعيدة عن تعبئة السلطة، كما استطعت تمرير أكثر من قصة جريئة لم يوقفها الرقيب، مثل قصتي "المعجزة" و"لا أحد يرسم"، فيما بعد ضمنتهما في مجموعة "مرايا السلحفاة" وأكاد أُجزم أنني أول قاص عراقي يكتب عن جدع الأنف والوشمة على الجبهة، والتي صدرت قراراتها من دون حق على الهاربين من الجيش وحروب السلطة، هذه الجريمة التي لن تُنسى، أتذكرها جيدًا، نشرت القصة بالشهر الذي مورست به هذه العقوبة، كُتبت القصة بقناع رمزي عال.

(*) ما هي طقوسك الخاصة عند الكتابة؟
أنا بسيط ومن الهواة، لا أعد نفسي كاتبًا، ولذا لا طقوس لدي في الكتابة أو القراءة. بعد العمل أُمنح نفسي الفراغ، ساعة من سكون العائلة ومن الراحة الجسدية، أحيانًا أكتب في حرارة الصيف أو قساوة الشتاء، إن دفعتني الفكرة إلى التدوين.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.