عزّام أبو السّعود، مقدسي متعدد الانشغالات الفكرية والمواهب. مؤرخ وروائي وباحث ومؤلف مسرحي وكاتب رأي، وفنان أرابيسك. وُلد عام 1948 لعائلة عريقة تمتد جذورها في مدينة القدس منذ القرن الثالث عشر.
إلى جانب خماسيته التي نتحدّث عنها في هذا الحوار، كتب أبو السّعود رواية "سوق العطارين" عام 2009 موثقًا التاريخ الشفوي لمدينة القدس ما بين العامين 1996-2000. وفي رصيده العديد من النصوص المسرحية السياسية الاجتماعية، بالإضافة إلى القصة الشعبية "خُنيفسة" المأخوذة عن التراث الشفوي المقدسي والموجهة للأطفال بلهجة محكية مقدسية على شكل تهليلة ما قبل النوم.
خماسيته: "صبري" و"حمّام العين" و"الستيفادور" و"سبيريتزما" و"جيهان"، هي خلاصة تدوينه للتاريخ الشفوي للقدس ما بين الحرب العالمية الأولى حتى عام 1977. تصف هذه الروايات الحياة في القدس، وتفاصيل تعقيداتها السياسية والأنثروبولوجية والاجتماعية والاقتصادية من خلال متابعة مسار حياة الشخصيات.
ندخل إلى عالم أبو السّعود وصبري وجيهان وكل من مرّوا بهذه الأزمنة من خلال هذا الحوار:
(*) ما هي حكايتك مع القصص والحكايات؟
تبدأ حكايتي مع القصص مع جدتي، إذ كانت حكواتية معروفة في مدينة القدس، اسمها زينب أبو السعود (أم نمر). كانت تحكي الحكايات في تجمعات الجلسات النسائية. حتى أن صيتها وصل إلى الحاج أمين الحسيني، زعيم فلسطين آنذاك. فطلب الحاج أمين من عمي، الشيخ حسن أبو السعود، الذي كان أحد معاونيه، أن يجلسا في غرفة مجاورة للصالون في بيت جدي كي يستمعا لقصة من قصص جدتي. ويقال في العائلة إنهما جلسا للاستماع لقصة من خارج الغرفة، وعند مشهد حاسم في القصة، توقفت جدتي عن الكلام وقالت: "نكمل في الجلسة القادمة". لقد كانت مشهورة لهذه الدرجة، لدرجة أن تقوم بسرد الحكاية على مراحل. وكانت كذلك تعزف على العود ولطالما كانت نجمة التجمعات. توفيت عام 1935، وأنا لم ألتقِ بها، لكنني سمعت ودوّنت الكثير من القصص والروايات التي سمعتها من أمي عنها، فيبدو أن جذوري كسارد قصص تنبع منها. أنا أكتب منذ الطفولة، وبدأتُ بالنشر في فترة الشباب المبكر، ما قبل المرحلة الثانوية، حيث نشرت لي مجلات محلية في القدس قصصًا أو مقالات قصيرة.
(*) ما الذي دفعك للكتابة؟
الكتابة دخلت حياتي بعفوية كجزء من هويتي، ليست شيئًا مُختلَقًا أو مكتسبًا. لكن الكتابة تسبقها أصلًا القراءة المكثفة، وكان بيتنا بيت قرّاء نهمين؛ من الأب والأم وكل الإخوة والأخوات، أذكر أن أحد صراعاتنا اللطيفة في البيت كان حول: "مَن أخذ الكتاب من جانب سريري؟"، كما كنّا دائمًا نناقش فحوى الكتب التي نطالعها.
ومن ناحية أخرى، أنا مستمع جيد، كنت أصغي لأحاديث الكبار في تجمعاتهم، لطالما رافقت والدي توفيق أبو السعود في جلساته مع رجال القدس، أذكر منهم أكرم زعيتر وعزّت دروزة وموسى العلمي وراسم الخالدي، وأذكر زيارة خليل السكاكيني لمنزلنا في القدس قبل وفاته بشهور قليلة، فقد كان والدي طالبًا لدى السكاكيني عندما كان أستاذًا في دار المعلمين في القدس حوالي عام 1917، والتي أصبح اسمها لاحقًا الكلية العربية، ومن ثم تزاملا عندما أصبح والدي مديرًا لمدرسة في اللّد وكان السكاكيني يشغل منصب مفتش تربوي آنذاك. كل هذه اللقاءات رسّخت في ذهني قصصًا وحكايات شفوية عن القدس وأهلها ودفعتني للتدوين والكتابة.
بالإضافة إلى ذلك، أذكر أنني كنت في حوالي سن 14 عامًا عندما بدأت موجة ترجمات الأدب العالمي إلى العربية، وكان سعر الكتب رمزيًا للغاية كونها ترجمت بإيعاز من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر من خلال دور ترجمة حكومية مصرية، فكانت الكتب بمتناول الجميع وتراوح سعرها بين 5-8 قروش مصرية فقط، ولذلك كان كل مسافر في العائلة يعود إلى القدس محمّلًا بحقيبة من الكتب من بيروت أو القاهرة. أذكر منها سلسلة "أعلام العرب" التي احتوت على عدد هائل من المجلدات، وهذا منحني فرصة للاطلاع على كتب ثرية وعالمية.
كل هذا العوامل دفعتني للكتابة، رغم أنني لم أحب مادة التاريخ في المدرسة وكانت درجاتي فيها سيئة للغاية، إلا أنني على ما يبدو أصبحت مؤرخًا!
(*) صف لنا حال المكتبات في القدس آنذاك؟
أتذكر العديد من المكتبات التي اهتمت بالكتب باللغة الإنكليزية في ذلك الوقت، مثل "دار الكتب"، وكانت في شارع صلاح الدين، ومكتبة "الأندلس"، التي اهتمت بالتاريخ مثل كتب المؤرخ الفلسطيني الراحل عارف العارف، و"المكتبة العالمية"، التي كانت تجلب كتبًا متنوعة. لكن الغالب الأعمّ، كان اعتمادنا على الرحلات الصيفية والشتوية إلى القاهرة وبيروت لاقتناء الكتب، وقتها كانت كتب السيرة الذاتية أكثر ما يجذبني.
(*) نشرت مؤخرًا الجزء الأخير من خماسية روائية عملت عليها على مدار سنوات، حدّثنا عن هذا المشروع وفكرته.
بدأت الفكرة عندما قرأت كتاب "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948" لـ بيان نويهض الحوت. أعجبني الكتاب وسياقه التاريخي وأوقفني عند أسماء كثيرة، فكنت أسأل والدي عن تلك الأسماء، وكان أبي يعرف الكثير منها شخصيًا وليس مجرد معرفة بالكتاب، فكان يحكي لي أكثر عنهم وعن حكاياتهم الشخصية. كما تأثرت في ذلك الوقت بشخصية المرحوم راسم الخالدي، والذي كان في فترة من الفترات مدير مكتب الحاج أمين الحسيني، أي كاتم أسراره، وفي ذلك الزمن كان الحاج أمين عنصرًا أساسيًا في صناعة التاريخ، فكان الخالدي يروي لوالدي الأحداث واعتدت أن أستفسر من أبي حول تفاصيل أكثر عن كل حدث.
وفي فترة لاحقة، جاءت قراءتي مع المؤرخ ألبرت أغازريان لكتاب عن مذكرات آنّا سبافورد، مؤسّسة الأميركان كولوني في القدس، شكّل الكتاب مرجعًا هامًا كقاص لأحداث محورية في القدس، كان باللغة النرويجية، وعملت مع أغازريان على مراجعة الترجمة الإنكليزية للكتاب.
برأيي كل هذه العوامل دفعتني في اتجاه هذه الخماسية، بالإضافة لرغبتي بتقديم التاريخ للجمهور على شكل حكايات، فدوّنت التاريخ الشفوي، ودققت المعلومات وقارنتها بكتب التاريخ الجاف لأقدّمها في تجربة سردية ممتعة للقارئ، فتبلورت الفكرة تمامًا بعد عام 2000.
(*) متى بدأت بالتخطيط والتنفيذ؟
في البداية لم أخطط لتكون خمس روايات، بدأت بكتابة أول جزء بعنوان "صبري" عام 2005، حيث قمت بجمع معلومات، وقابلت العديد من الأشخاص، خاصة من شمال فلسطين المحتلة، إذ إن العديد من مشاهد الرواية ترتكز جغرافيًا على تلك المناطق. انتشرت الرواية وضمّتها بعض المدارس في القدس لبرامج القراءة لديها، فزاد الطلب وطبعنا طبعة ثانية. ألهمني هذا النجاح لإكمال المسيرة مع الشخصيات. فقد غطّت "صبري" الفترة ما بين 1915 - 1929 من تاريخ القدس. ونظرًا لضخامة الأحداث في فلسطين في الثلاثينيات وكون القدس المركز السياسي الفلسطيني، كان لا بدّ من الكتابة عن هذه الفترة. فجاءت الرواية الثانية عام 2009 بعنوان "حمّام العين"، وهو حمام أثري في البلدة القديمة في القدس من العصر المملوكي، جعلته مركز الأحداث في الرواية إذ اعتاد الرجال على الاجتماع فيه ومناقشة أمور السياسة أثناء طقوس الاستحمام، ومن خلال هذه الأحاديث الجانبية تعرفنا على تاريخ القدس في تلك السنوات.
عام 2013 جاءت الرواية الثالثة "الستيفادور"، والتي غطّت سيرة الشخصيات في القدس مرورًا بالأعوام 1937-1945، وعنوان الرواية يعود إلى تسمية مهنة الشحن والتفريغ في بيارات البرتقال في يافا، فالاسم مشتق من الإسبانية ثم الإنكليزية وتم تعريبه للتعبير عن هذه المهنة تحديدًا. تعلّقت بالشخصيات واستنتجت لاحقًا أن هناك المزيد من تاريخ القدس غير المحكي في السنوات ما بين 1964 وما بعد النكسة بقليل، فارتأيت عام 2016 أن أنشر الجزء الرابع بعنوان "سبيريتزما" ومعناها الروح.
انقطعت عن الكتابة الروائية لعدّة سنوات، وكنت قد كتبت جزءًا كبيرًا من روايتي الأخيرة "جيهان"، قبل جائحة كورونا عام 2020، إلى أن شجعتني ابنتي "لانا" على استكمال المشروع هذا العام، فأنهيت الجزء الأخير من الخماسية متتبعًا حياة الشخصيات حتى سنوات إقامة السلطة الفلسطينية في التسعينيات، آملًا أن يكمل كتّاب آخرون مشوار توثيق التاريخ الحديث.
(*) طريقة السّرد في السلسلة تدفعنا للتعلّق بالشخصيات، كيف استطعت خلق هذا الرابط بين القارئ والراوي؟
عندما أكتب أعيش مع الشخصيات، أحلم بها ليلًا، ورغم أنها شخصيات خيالية إلا أنها تشبه الكثيرين حولنا، ولذلك لاحظت أن القرّاء اهتموا بالصفحات الأخيرة من "جيهان" لما تحمله من تفاصيل عن التاريخ المعاصر لما آلت إليه الشخصيات، فشعر القرّاء بالفضول وأرادوا اكتشاف إن ما كانت الشخصيات ترمز لأشخاص حقيقيين. لا أنكر أن الكثير من الشخصيات في الرواية مُستَنبطَة من عدة قصص وأشخاص حقيقيين، لكنها لا تعبّر عن شخص واحد بعينه.
كما أنني أوليت اهتمامًا بربط الحوادث التاريخية الحقيقية بالشخصيات وتأثير ذلك على سيرورة حياتهم، وتعمّدت التوسع في النطاق الجغرافي، ففي "الستيفادور" ربطت القدس بيافا، وفي "حمام العين" ربطت القدس بالأغوار والبدو والشمال والقرى. وفي "جيهان" ذهبنا إلى عمّان ولندن والكثير من الأماكن، وأعتقد أنني نجحت من خلال ذلك بخلق رابط بين القارئ والشخصيات.
(*) لا يتوقف اهتمامك على الكتابة الروائية، ففي رصيدك نصوص مسرحية... حدّثنا عنها.
في الحقيقة تجربتي المسرحية بدأت قبل الروائية. كتبت أول نصين مسرحيين عام 1999 بعنوان "مش هيك يا بلد" و"قفل 12 طقة"، وكتبت مسرحية "طار الحمام" عام 2005، للمسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) في القدس. ومن المسرحيات التي أعتز بها وكتبتها للحكواتي عام 2010، مسرحية "من القدس مع حبي، ناجي"، إذ كان النص باللغتين العربية والإنكليزية معًا، في تقنية كتابة مسرحية لم يسبقني إليها إلا المسرح الجزائري، الذي قدّم مسرحية بالفرنسية والعربية معًا، من دون استعمال أي وسيط أو ترجمة مكتوبة، اعتمد فقط على حركة الممثل وإيماءاته لتصل الفكرة وإن كان المتلقي لا يعرف إحدى اللغتين.
(*) ما هو مصدر اهتمامك بالمسرح؟
برز اهتمامي بالمسرح منذ المدرسة الثانوية، حوالي عام 1964. حيث أسست فرقة مسرحية في مدرستي "الرشيدية" في القدس برفقة زميلي منذر غوشة، وخرّجت هذه الفرقة من الزملاء ممن امتهنوا التمثيل لاحقًا مثل محمد القباني وتوفيق ادكيدك، رحمهما الله. قدمنا في ذلك الوقت عروضًا جالت في عدّة مدن في الضفّة الغربيّة المحتلّة وفي مدينتي معان وإربد في الأردن.
وبالإضافة إلى المسرح المدرسي، زاد اهتمامي بالمسرح أثناء التعليم في مصر. خلال سنوات البكالوريوس هناك، كنت أحرص على حضور المسرحيات بشكل مستمر.
(*) درست المحاسبة في مصر، لماذا لم تتوجه لدراسة الفنون أو الآداب؟
في الحقيقة كانت الخطة أن ألتحق بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية، لكن خللًا في نظام التسجيل في مكتب تنسيق الجامعات تسبب بتسجيلي في كلية التجارة في جامعة القاهرة، وهكذا أكملت دراسة المحاسبة علمًا أنني لم أمارس المهنة لاحقًا. أردت الفصل بين مهنتي وهوايتي ولذلك لم أفكّر بدراسة الأدب أو المسرح، ومعظم الوظائف التي شغلتها في حياتي لاحقًا كانت إدارية، فعملت مديرًا لدائرة اللوازم والعطاءات في جامعة بير زيت، ومديرًا للغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس.
(*) ألم يشغلك عملك في الإدارة عن الكتابة؟
إطلاقًا، حتى أنني بدأت بالكتابة فور تخرجي من الجامعة للمجلتين المقدسيتين "البيادر" و"الشراع" في آخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات بقيادة جاك خزمو ومروان العسلي، وكانتا من أول المجلات الفلسطينية الصادرة في الأراضي المحتلة بعد حرب عام 1967. كما لدي المئات من مقالات الرأي والتحليل السياسي والأدبي المنشورة في صحيفة "القدس" على مدار العقدين الفائتين.
(*) هل ما زال في جعبتك المزيد من حكايات القدس؟
بالتأكيد، أعمل على مجموعة قصصية حول القدس تدور أحداثها في النصف الأول من القرن العشرين، لكنني أفتتح السّرد بقصة من عام 1898، ومقدّمة عن الأعوام 1860 - 1870، أخطط لنشر هذه المجموعة مع نهاية هذا العام. كما أنوي استكمال رواية بدأت بكتابتها عام 1999، تبدأ أحداثها في قضاء يافا، في خربة مهجّرة كان اسمها "خربة سلعاب" وتنتقل الأحداث إلى إحدى مدن الضفة الغربية.
كما أنوي التركيز على نشر كتبي خارج فلسطين، أعتقد أن هناك تعطّشًا للتعرّف على تاريخ القدس وخاصة بين الفلسطينيين في الشتات، ولذلك سأحرص على توّفر نسخ من جميع القصص والروايات في الخارج قريبًا.
بالإضافة إلى ذلك، أعمل مستشارًا لمؤسسة السرايا في القدس التي تنوي تنفيذ حلمي بأن تعود شوارع القدس كما كانت قبل زلزال عام 1927 بشرفات ونوافذ الأرابيسك الشهيرة الملوّنة. بدأ اهتمامي بعد التقاعد بفنّ الأرابيسك، وعملت على ترميم موقع عائلي قديم يعود للقرن التاسع عشر بهدف استضافة فعاليات ثقافية وسياحًا وباحثين مهتمين بتاريخ المدينة، كطريقة لإحياء هذا الفن المهجور، لكنني للأسف اضطررت لإغلاقه مع بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قبل عامين وتوقف حركة السياحة في القدس، وكان هذا الموقع ضمن مشروعي الأشمل الذي يهدف إلى ترميم شبابيك وشرفات (مشربيات) البلدة القديمة في القدس وإعادتها إلى مجدها السابق الذي كانت عليه قبل عام 1927.


تحميل المقال التالي...