"أولئك الشقر بالعيون الزرق/ نطلب كتبَهم عبر أمازون/ تصلنا صواريخهم قبلها بكثير".
"يداي صغيرتان/ لا تشبهان أيدي الفلاحين/ أو النجارين/ أو أصغر ملاكم من الهواة/ قدماي كذلك/ أيها الناصري/ لا قدرة لي على صليبك/ وعلى مساميرك الصدئة/ لديَّ طلب محدد وحيد/ منك/ أو من أبيك الذي في السماوات/ أن أمشي مثلك فوق الماء/ خلف بطة صغيرة".
بهذه اللغة البصرية والحساسة يكتب الشاعر محمد ناصر الدين؛ شِعر يكتبه بالكاميرا، وباللون الذي يأخذ شكل حزن ما؛ يقول في حوارنا معه "الشعر هو ذلك الاغتراب الروحي والرغبة بالعودة الأبدية إلى بداية الأشياء ونضارتها المطلقة". ومع قصائده المفتوحة على الإنسان، الكون، الزمن، الذاكرة، الحرب، الخوف، و"بلاد الأشياء الأخيرة"، يحرث محمد ناصر الدين تحت أشجار شتى، فهو أيضًا أستاذ أكاديمي في الجامعة اللبنانية والجامعة الأميركية في بيروت، وقد حاز على دكتوراه في الهندسة الطبية من فرنسا، وهو كاتب ومترجم وناقد أدبي، تقوده الحقول إلى لغة موليير يبحث فيها عن شغفه الفكري وينقله لنا، من "حدادون وخيميائيون" للفيلسوف الروماني مارسيا إلياد إلى "عزيزي الكاتب" للإيطالي ريكاردو بوزي، وغيرها العديد من الكتب، كان آخرها "عدن عدن عدن" (2025) للفرنسي بيار غيوتا. وأصدر تسعة كتب في الشعر، كان أولها "صلاة تطيل اللوز شبرًا" (2013)، وآخرها "تصاميم لحياة أخرى" (2024).
ومحمد ناصر الدين وُلد من مكتبتين، وحين تتحدث معه تشعر كأنه يكلمك من هناك، ويسحبك لتقيم معه بينهما... هنا حوار معه عن الشعر والترجمة والكتابة في الصحافة الثقافية.
***
(*) صدر مؤخرًا كتاب "الشعر لم يبدأ بعد"، إنه دخول في سيرة عباس بيضون، في ذلك العالم الجواني الذي اقتربنا منه من خلال كتاباته، ولكنه أكثر بمثابة حديث بين شاعرين عن بيروت، الحرب، الانتماء، الدين، الشعر وعناوين أخرى، ما الذي دفعك لتحاور عباس تحديدًا، وما الذي أضافه لك هذا الحديث العميق معه؟
هذا الحوار هو تتويج لصداقة شعرية إن أمكن القول مع عباس بيضون، مع عالمه الشعري بالمقام الأول وتفاعلي مع هذا الشعر بالقراءة والإنصات ومحاولة الدخول إلى طبقاته الكثيفة والمتراصّة. كان الحوار قائمًا بيننا على دفعات منذ تعرّفت إلى عباس سنة 2012، في كل جلسة في مقهى أو في ندوة، أو في مراجعاتي المتعددة في الصحافة لما يصدره من الشعر والرواية. ثم اتفقنا أن يكون حوارًا بصوتين، حوارًا في قلب الشعر من دون تكلّف أو تحفظات أو قيود على القول. أجرينا الحوار في جلسات في مقهى "برزخ" في الحمرا، وزخات المطر تطرق النافذة وتضيف جوًّا شعريًّا، ثم أتت الحرب لتقطع حبل الكلام. استأنفناه حين وقفت تلك الحرب وتركت فينا ندوبًا كثيرة. كنت أنصت بعمق لكل كلمة يقولها عباس، وكانت إجاباته تضيف إليّ شعريًّا ومعرفيًّا وفهمًا للرؤية التي تقف خلف القصيدة ومختبرها الداخلي "غرفتها السوداء" على حد قول مارغريت دوراس، كما اكتشفت من جديد عباس المثقف الموسوعي الذي كنت أنتظر مقالاته التأسيسية كل يوم جمعة في ملحق "السفير".
(*) عنوان الكتاب هو عنوان محاضرة كان عباس قد ألقاها في الجامعة الأميركية، يجيبك عباس عن هذا العنوان "الشّعر لم يبدأ بعد لأنّ الشّعر لن يبدأ، سيبقى الشعر ابتكارًا غيبيًا"، هل توافقه هذا التصور الغيبي للشعر، بوصفه قوة لا تُستنفد ولا تنطلق من نقطة بداية محددة؟ وكيف تفهم فكرة أن الشعر "لن يبدأ"؟
أوافق تمامًا بأنه ابتكار غيبي، "جرح من جروح الغيب" كما يقول الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين، ابتكار غيبيّ في قدرته المطلقة في العبور فوق النسبي والمطلق، في قدرته على السمو فوق القيود "الفاشية" والمبتذلة المفروضة على اللغة في زمن البث المباشر والوسائط "الذكية"، لكأنه ذلك الاغتراب الروحي والرغبة بالعودة الأبدية إلى بداية الأشياء ونضارتها المطلقة: هو بذلك قوة لا تستنفد وتحضرني هنا الآية في سورة الكهف عن مداد الكلمات التي لا تنفد. إن كان الشعر أشبه ببحر السورة، ترى من أي نقطة بدأ البحر؟ هذا ما يجعل الإشكالية التي يطرحها عباس جذابة وخلّاقة.
(*) يتضمن الكتاب قصيدة "مصرع علي شعيب" التي أدّاها غناءً الفنان مارسيل خليفة بعنوان "يا علي"، والتي لم تُنشر في كتاب سابق لعباس، هل تعتبر أن أهمية نشر هذه القصيدة هي في تأريخها لحقبة ما، كما هو تأريخك لسيرة عباس التي ليست سيرة شاعر فحسب، بقدر ما هي سيرة مدينة بيروت؟
هذه القصيدة ولّدت سجالًا كبيرًا لكل المتابعين لمسيرة عباس بيضون الشعرية. كنت حريصًا على أن أستلها كاملة من المجلة الثقافية التي صدر فيها النص الأصلي في سبعينيات القرن الماضي لأني أحبها بالمقام الأول، وأحبّ صورها الحادة الرقيقة في آن معًا، عن جبل عامل أو جنوب لبنان القديم، الجنوب الزراعي بفلاحيه وأقطاعييه وسعي أبنائه نحو العدالة الاجتماعية ورائحة التراب التي تمغنطهم حول أرضهم التي تسيل دماؤهم فيها فوق أرغفة الخبز. علي شعيب الذي استعادته انتفاضة اللبنانيين على الفاسدين والمصارف سنة 2019 وكأنه بُعث من جديد على يد جيل لم يعرف الجنوب القديم ذاك، ورأى فيه أيقونة لاستعادة الحق السليب ولو بالقوة. أظن أن القصيدة صارت ملكًا لكل من يحب أن يؤولها كما يريد، دون أن يُلزم كاتبها ببرنامج اجتماعي ونضالي لربما لا يتبناه أو يحبذه. ليست القصيدة سيرة لعباس بقدر ما هي سيرة لمهمشي الأطراف أولًا لاستعادة الحق الأدنى من حقوقهم، وسيرة المدينة التي كانت تلفظهم في الضواحي وبيوت الصفيح ويُمتنع عليهم الانخراط في حداثتها، ليختاروا في النهاية الفتك برمز من رموز حداثتها وهو المصرف، وما استتبع ذلك من تراجيديا مأساوية على هؤلاء الشبان.
(*) تذكر في نفس الكتاب "الشعر لم يبدأ بعد" أنك تكتب رواية الآن. هل الشعراء بحاجة لكتابة رواية، أي أن الشاعر حين يذهب إلى الرواية، إنما يبحث عن مساحة لا تتسع لها القصيدة، وأن الرواية، بالنسبة لك، امتدادٌ آخر لنفس القلق الشعري، لكن بلغة أكثر تفصيلًا وزمنًا أطول؟ أم أن الشعراء بحاجة فعلًا لكتابة رواية لأنه زمن الرواية؟
حضرت فكرة هذه الرواية فجأة وكأنها هاتفٌ في ليل، بدون أن أستشعر بحاجة أو ضرورة لكتابة ما هو مختلف عن الشعر، أو الانخراط في زمن مدموغ بهذا الفن الأدبي أو ذاك. رأيتها تستدرجني في جوها ومزاجها وشخصياتها التي صارت ترافقني أحيانًا وتختفي أحيانًا أخرى. صار ما أكتبه من الشعر مضغوطًا و"مكبسلًا" في المجموعات الأخيرة، وأحسست بأن الرواية في هذا الموضع كأنها توسع أفق الكتابة وتأخذني في مساحة أفقية دنيوية بعكس الشعر الذي يسعى دائمًا إلى التسامي والغيب. لا أقلل أبدًا من شأن الرواية أمام الشعر، وأستشعر خطورة كتابتها لأنها فنّ صعب، والروائي السيء يمكننا كقرّاء أن نكشفه في السطر الثالث من روايته.
(*) أريد أن أعود إلى طفولة محمد ناصر الدين. في مقدمتك لكتابك "الشعر جرح الغيب" عن الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين، تذكر إهداء كَتَبه لك على أحد كتبه، تقول "ربما كان الكتاب الأول الذي لمسته يداي عام 1983 بذلك الإهداء بقلم الحبر السائل ‘لمحمد الذي سيصبح شاعرًا حين يكبر‘، من يومها صار محمد علي شمس الدين الشاعر والبطل والملهم". هل شكّلت تلك اللحظة وجدانك الشعري؟ وهل يمكن اعتبار محمد علي شمس الدين صاحب التأثير الأول عليك؟
كان مُلهمًا بالتأكيد، وكان أبي هو الآخر ملهمًا بإصراره على أن تكون المكتبة الكبيرة في بيتنا جزءًا من تكويني الثقافي والحسيّ بلمسها وترتيبها وإزالة الغبار عنها، وكذلك بحرصه على مرافقته إلى منزل الشاعر محمد علي شمس الدين الذي كان صديقه ونديمه. كان هذا الشاعر بقدرته على مخاطبتي منذ كنت صغيرًا بأسئلته الذكية وتوجيه قراءاتي وكتابي بمثابة المحفز في انتقالي من الاستعداد الشعري إلى حالة الكتابة، ومتابعة هذه الكتابة نقدًا وتصويبًا ونصيحة. أذكر أنه كتب في جريدة "الحياة" مقالًا عن ديواني الأول، قال فيه إن محمد ناصر الدين يبدو كشاعر باريسي يكتب تحت أضواء تلك العاصمة وفوق أرصفة مقاهيها لكن الشعر طائر يطير بجناحين. جعلتني تلك الجملة أنكبّ على التراث العربي لأطير بالجناح الآخَر، وكانت هذه الرحلة المعرفية تضيئني كلما ذهبتُ فيها بعيدًا.
(*) منذ عام 1983، لحظة ذلك الإهداء، وحتى اليوم، تغيّر العالم وتغيّر الشعر معه. كيف ترى هذا التحوّل؟ هل ما زال الشعر قادرًا على قول العالم كما ينبغي؟ وهل لا يزال إيمانك بالشعر قويًا كطريقة للمقاومة، ونوع من الخسارة الجميلة التي لا نقدر على إيقافها؟
لا يزال الشعر أقوى الأشياء وأجملها. حين أحاضر في طلابي في الجامعة الأميركية في بيروت في مادة "نقد الذكاء الاصطناعي"، ونقرأ معًا القصائد ونستشرف قدرتها على الابتكار والوعي بالوجود وعلاقتها باللغة والتجربة الداخلية، في مقابل الآلات التي تعيد وتقلّد وتطمح أن تنافس الشعر في قدرته على الخلق، أرى في عيونهم هذا التوق للبحث عن المعنى والهوية في عالم يسعى فيه كل شيء في هذا العالم السريع لمحاصرة الشعر وجعله ولدًا منبوذًا يبكي في الزاوية. أقول لهم إن الشعر سلحفاة تعلمني البطء، بمعنى أن نستجمع أنفاسنا ونحدّق بالبحر والسماء والعصافير ونخترع الاستعارات ونقول كلامًا في الحياة والحب، بدون أن يلزمنا أحد بالدقائق الخمس للبث المباشر، أو أن ننتقل بأصابعنا بين تطبيقات الهاتف، أو أن تختزلنا هذه التطبيقات ببياناتنا فحسب. الشعر هو أن يكون لنا اسم، "هذا هو اسمي" كما يقول أدونيس.
(*) نشأت في بيت مثقف، بين أبوين مناضلين فكريًا، وبين مكتبة والدك ومكتبة خالك الشاعر شمس الدين فتكوّنت شخصيتك الشعرية والفكرية، كيف أثّرت هذه البيئة على لغتك، وعلى فهمك لدور الشاعر؟ هل جعلت منك شاعرًا لا يكتب فقط من موقع ذاتي، بل موقع مشتبك مع الأسئلة الكبرى بالحياة؟
نشأت في منزل فيه واحدة من أكبر المكتبات البيتية في لبنان، ولا أبالغ بالقول إنها تحتوي الآن على أكثر من عشرين ألف كتاب باللغتين العربية والفرنسية، وكانت الخيارات اللغوية والفكرية بالتالي هائلة. أول علاقتي مع اللغة كانت من خلال القواميس، كنت أستمتع في اللعب بالكلمات واستبدالها ووضعها في جمل صغيرة يساعدني والدي على توسيعها وتضمينها مجازات واستعارات ولو غريبة أحيانًا. كتبت في بداياتي دفترًا كاملًا باللغة الفرنسية، عرضه والدي على الشاعر الراحل صلاح استيتية، الذي أوصاه أن يرعى هذا الولد "المصاب بجرثومة الشعر". لم أتقصد أن أشتبك مع الأسئلة الكبرى في الحياة ولا أكتب شعرًا مشتبكًا، إلا قصائد قليلة نشرتها في ملحق "نهار الشباب" حين كنت يافعًا، لكن أحيانًا يحضر الوجع الجنوبي في الخلفية اللاواعية للقصيدة، أو تطاردني تلك الحروب الطويلة بأصوات لا يمكنني الفكاك منها، تصير اللغة مفخخة دون إرادة أو وعي.
(*) في قصيدة لك تقول "القطارات، المقاعد، المسافرون/ ضجيج عظيم/ فوق السكة الخطأ/ حتى الموسيقى في تلك الساعة المبكرة بدت عاجزة عن وصف العالم/ استبدل المقصورة بغيمة بكماء ومضى"، وكأنك تصف عزلة لا تأتي من غياب الناس، بل من حضورهم في المكان الخطأ، أو في الزمن الخطأ. تبدو العزلة هنا كثيفة، لا بوصفها وحدة، بل كفقدان للتواصل مع اللغة والحنين والمعنى. كيف تفهم العزلة في عالم مزدحم؟ وهل هي شرط للكتابة أم نتيجة لها؟
لا أقصد العزلة كطقس للكتابة، بل عزلة الروح، التوق إلى أن أحمل الفراشة التي في روحي وأتأمل في خفتها وطيرانها بدون أدنى قيد أو قانون للجاذبية. أريد العزلة كي أرى بالقدرة الصافية على الرؤية وأسمع بما يشبه سماع الصوفيين من دون أن يختلط هذا الصفاء كما تقول القصيدة بأي شيء، لا الناس ولا الضجيج أو حتى الموسيقى. أريد عزلة لأخترع لغتي، ليكون لي اسم، أن أهرب مثل ثور بيكاسو في اللوحة، هروب هو أشبه بالفرار من حلبة الثيران والأضاحي. أحيانًا تشعرني الحياة أنها حفلة كوريدا كبيرة: انجُ برأسِك.
(*) في قصيدة "صول" تكتب: قريتنا قبل أن تدمرها طائرات يوشع بن نون – المكان- مئذنة مضافة إلى اسم السهل/ الشجرة إمام الجامع... الليل الجنوبي العميق/ طويل ليل القرى/ حتى الصخر الذي زرعه الجداد شبّ فيه"، المكان هنا ليس جغرافيا فقط، بل ذاكرة فعل مقاومة ضد محو الذاكرة. هل الكتابة عن الخراب هي محاولة لاستعادة ما لم يعد موجودًا وهل ترى أن الشعر مسؤولية أيضًا وقادر على إنقاذ الأمكنة من النسيان؟
يقول هيدغر في واحد من أجمل التعريفات للشعر إنه "تأسيس الكائن بالكلمة". الشعر يعطي الأشياء أسماءها، يسمي الأماكن مثلًا وفي التسمية نوع من السلطة، سلطة على الموت نفسه الذي حكم على هذه الأمكنة بالزوال. النسيان هو ذلك اللون الرمادي الذي تتشابه فيه كل الأشياء حين تترك الحرب بصمتها فوق بيوتنا وأشجارنا ومراتع طفولتنا، والشعر هو ضربة الفصول الملونة في الزهر والأشجار والعشب الذي ينبت حتى فوق الخرائب، هو سلطة اللون على التشابه. لا أعرف تمامًا إن كان الشعر مسؤولية بمعنى الالتزام المباشر بقول القضايا والتعبير عن الحدث والفاجعة في زمانها ومكانها، لكني أعي تمامًا أنه في تحويله أي تفصيل نسبي صغير إلى ثيمة مطلَقة أو أفق تجاوزي، فلا يمكن أن يقف صامتًا أمام وجع الإنسان، ونظرة القتيل في وجه قاتله.
(*) يكتب الروائي والشاعر أنطوان أبو زيد عن أحد نصوصك: "يداي صغيرتان/ لا تشبهان أيدي الفلاحين...": "تتسع رؤية الشاعر سعيًا إلى الإحاطة بالألم البشري المادي من أجل تطويبه، أو نقشه شعرًا لئلا ينمحق أثره"، ثم يضيف "تسلط كاميرا الشاعر على ما تقترفه الحرب بحق الأطفال". كيف ترى هذه العلاقة بين الشعر والألم؟
هذا الألم الكبير في قصة المسيح أردت في المقطع الأخير من القصيدة أن أبلسمه بالشعر، ويخطر لي سؤال دائمًا حول ما يتذكره الإنسان من حياته عند لحظة الموت، لربما هي لحظة من الطفولة، كأن يتذكر المسيح رحلة في طفولته إلى بحيرة طبرية وينسيه مشهد الأوز الطافي فوقها المسامير المنغرزة في أطرافه فوق الصليب. الشعر مسحة الرحمة على رأس هذا العالم القبيح، هو المضاد الحيوي للشر والقباحة والحرب وكل ما ينتقص من وجود الإنسان وكرامته.
(*) في مقال لك مؤخرًا في جريدة الأخبار اللبنانية عن معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، كتبت أنه أكثر من فعالية سنوية، بل امتداد لمشروع ثقافي تأسّس منذ أكثر من ثمانية عقود، ولم يفقد أهميته رغم الأزمات. كيف تقرأ مشهد المعرض هذا العام في ظل الانقسام الثقافي ووجود معرضين متوازيين في المدينة؟ وهل لا يزال المعرض يحمل روحه الأولى كمبادرة فكرية تنويرية، أم أن التحوّلات السياسية والاجتماعية أضعفت هذا الدور كما أضعفت بيروت؟
يبدو أن الخلاف في طريقه إلى الحل بجهود وزير الثقافة اللبناني د. غسان سلامة ونجاحه في تضييق الخلاف وتوحيد الرؤية. ستظل بيروت على ضعف إمكانياتها تدهش العالم العربي، بما تمثله من مشروع غير مكتمل بل يصاغ يوميًّا بالإبداع والابتكار في كثير من الأحيان، والفوضى والأزمات في أحيان كثيرة. جاذبية هذه المدينة أشبه بكتاب نحسب أنفسنا نعرف فصوله جيدًا، فنكتشف فجأة أننا لا نعرف منه شيئًا. اذهبي إلى شارع الحمرا اليوم مثلًا، ستتفاجئين بمكتبة جديدة في زاوية هنا، ومقهى يقرأ فيه الشعر هناك. أين هم الذين أخبرونا بموتها وكتبوا لنا ورقة نعيها؟!
(*) "عدن عدن عدن" للفرنسي بيار غيوتا، كتاب ترجمته للعربية مؤخرًا، على الرغم من أنه صدر بالفرنسية عام 1972، ما الذي يجعل نصًا كهذا حيًّا وجديرًا بالترجمة اليوم؟ وبرأيك ما هي أهمية ترجمة كتب متأخرة زمنيًا؟
كان هذا الكتاب آخر الكتب الممنوعة في فرنسا، لأنه بظاهره نص أدبي هذياني، لكن في بطانة النص نقد مكثف للاستعمار وقدرة المستعمِر على التحكّم المطلق بالمستعمَرين وحياتهم وأرضهم ومصائرهم. إنه نص صعب ومعقد من مقطع واحد من أوله لآخره حول كتيبة من الجنود الفرنسيين في منطقة القبائل الجزائرية. بعد رفع الحظر عن الكتاب، استفاقت المؤسسة الثقافية الفرنسية على إعادة الاعتبار لبيار غيوتا الذي نال معظم الجوائز الأدبية الفرنسية عن مجمل منجزه الأدبي ومات ساخطًا على الرقابة الفكرية والثقافية في عاصمة الحرية والنور. كان لا بد من ترجمة الكتاب إلى اللغات كافة وقراءة مقاطع منه في كل المراكز الثقافية الفرنسية في العالم. تبقى الكثير من الكتب رغم تأخر الدور العربية عن ترجمتها مهمة وضرورية، مثل الكتاب المذكور الذي يثير الأسئلة القلقة حول الحرية في الكتابة، والالتزام والعبث ودور الرقابة في المجتمعات، ووضع يده على الجرح الجزائري لفرنسا الذي لمّا تشفَ منه تمامًا.
(*) "عزيزي الكاتب"، "حدادون وخيميائيون"، وغيرها من الكتب التي قمتَ بترجمتها للعربية، كل كتاب تختاره يحمل قيمة معرفية وجمالية تضيف شيئًا إلى المكتبة العربية. على أي أساس تُجري هذا الاختيار؟ وهل ترى في الترجمة مجرّد عبور لغوي، أم فعلًا ثقافيًا يحمل مسؤولية تجاه اللغة والقارئ واللحظة الحضارية؟
هي كتب تدخل ضمن ذائقتي الأدبية واختياراتي الثقافية في المقام الأول، ويحدث أن أقترحها على الناشرين بحكم معرفتي بهم وبها. كتاب مرسيا إلياد رافقني أثناء دراستي في فرنسا واكتشفت كم كان إلياد عملاقًا في دراسته للمجتمعات القديمة ومحاولة الإنسان في فهم الكون من حوله عبر طرائق يختلط فيها الدنيوي بالمقدس، كالشامانية والخيمياء والمهن مثل الحدادة وغيرها، إضافة إلى إلمامه بثقافات كثيرة ومنها الثقافة العربية واستشهاده بابن الرومي وجعفر الصادق وابن وحشية النبطي. علاقتي مع النص المترجَم هي علاقة حب أولًا وأخيرًا، ترجمت رواية لماتياس إينار أحببت قدرة كاتبها على الغوص في تقاليد فرنسا "العميقة"، في المأكل والمشرب والمهن والتاريخ، والبيئة، وكتابًا آخر لناديا بوعلي، رئيسة قسم الإنسانيات في الجامعة الأميركية، حول تحليل خطاب النهضة العربية ولا سيما أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني من منظور علم النفس الفرويدي واللاكاني. كانت رحلة ممكنة جعلتني كمن يكتشف "قارات" بأكملها في الثقافة واللغة وعلم النفس بكل سحرها وتعقيداتها.
(*) في كتابه "ما الغرب" ينقل فيليب نيمو عن برنار لويس قوله "صحيح أن العرب نقلوا مكتسبات الإغريق العلمية وقدموا للعالم إسهامات مبتكرة بين القرنين التاسع والثاني عشر، ولكن لا يسعنا سوى أن نلاحظ أن العلم لم يتأقلم بشكل دائم في أي مجتمع مسلم، وينبغي أن تكون قد وُجدت لهذا أسباب عميقة ترجع إلى بنية العقليات وتمثلات العالم التي يفرضها الدين". أمام هذه النظرة الاستشراقية التي تم تكريسها حتى صدقناها نحن وصرنا نشعر بانخفاض مستوى ما ننتجه، كيف ترى دور المثقف العربي في تفكيك هذه البنية الخطابية التي لا تزال تحاكم العرب من موقع النقص؟ وهل الترجمات للغات الغرب تفكك هذه النظرة؟
هذه النظرة الاستشراقية المتعالية فككها المفكر إدوارد سعيد وأمعن في كشف استيهاماتها في كتابه المرجعي "الاستشراق". حبذا لو يتركنا هذا الغرب قليلًا لنستجمع أنفاسنا ونمضي ولو متأخرين في استكمال نهضتنا الجمالية والمعرفية، وبناء علاقة نقدية مع تراثنا تستفيد من جماليته وأصالته في آن، وتعمل على إزالة الكوابح التي تعيقنا في المضي قدما. كتبت في إحدى قصائدي: "أولئك الشقر بالعيون الزرق/ نطلب كتبَهم عبر أمازون/ تصلنا صواريخهم قبلها بكثير"، فتأمّلي.
(*) كتب إبراهيم نصر الله مؤخرًا: "إننا لن نعود قادرين على أن نثق بأي رواية بعد عام 2025 مثلًا، أو قصة أو قصيدة أو سيناريو..."، في إشارة إلى استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي في الكتابات الإبداعية. كيف ترى مستقبل الكتابة في زمن 'تشات جي بي تي'؟ وهل الهوّة بين الأجيال تعكس تحوّلًا بنيويًا في مفهوم الثقافة، لا سيما حين "يتّهم الجيل الأسبق الجيل اللاحق بالسطحية أو بانحلال الثقافة"، كما عبّرت في أحد مقالاتك مؤخرًا، هل هي قطيعة حقيقية، أم سوء فهم عابر تفرضه التحولات التكنولوجية والثقافية؟
لا خوف على الكتابة الإبداعية بالمطلق، سيذهب الزبد جفاء، واللغة "الفاشية" التي تفرضها الحواسيب علينا سيزركشها الشعر بكل ما هو غريب ومدهش ويستعصي على التصنيف والحصر والتقليد. الجيل الجديد بحاجة فقط إلى أن نخاطبه بالشعر وسط كل هذا الضجيج، وسيكون الشاعر كما قال سركون بولص، "حامل الفانوس في ليل الذئاب".


تحميل المقال التالي...