"سمعتُ كثيرًا عن المُشاركة الإيجابية للمرّة الأولى لـ’دار أوكسجين’ حديثةُ الولادة، في صالون الجزائر الدولي للكتاب، وتساءلتُ عن الجهة التي تقفُ وراءها، وعن العلاقة الموضوعية لمسؤوليها بالنشر". إنه كلامُ الأستاذ ناصر جابي، عالم الاجتماع المعروف بكُتُبه الهامة الصادرة باللغتين العربية والفرنسية. أعاد الأستاذ جابي الشهادة نفسها حرفيًّا بحضورِ الأستاذ عبد الحق شعلان، مدير النشر في "دار أوكسجين"، وكاتب هذه السطور، في بهوِ مطعم يُطِلُّ على بناية البريد المركزي البديعة، قبل أن يُسدل الليل سِتاره بدقائقَ، وتألُّقِ قمرٍ جزائري يُنافس الحلم، وانتشار نسمات بحرِ الواجهة البحرية التي افتتن بها الفرنسيون الغُزاة.
حاورتْ "ضفة ثالثة" الأستاذ شعلان، كما فعلت قبل اليوم، صانعةً المُواكبة الإعلامية الواجبة في سياقيها الموضوعيين مباشرة بعد انتهاء صالون الجزائر الدولي للكتاب. في حديثه، كشفَ شعلان، أستاذ النقد الأدبي في جامعة الجزائر، السيزيفيُّ النزعةِ، عن أسبابِ وأهدافِ وتحدياتِ إنشاءِ دار نشرٍ جديدةٍ تحملُ تسميَّةٍ مُرادفة للبُعدين السيكولوجي والسميولوجي اللذين يُبرران إرادةَ رفعِ تحدي تأسيسِ دار نشرٍ جديدة في مُحيط ثقافي محفوفٍ بالمخاطر (راجع تحقيقنا المنشور مؤخرًا حول النشر في الجزائر).
(*) أولًا، كيف يُبرّر الأستاذ عبد الحق شعلان علاقته بعالم الكتبُ والنشرِ بوجه عام؟
الثقافةُ كانت مُبرِّرَ وُجودي منذ نُعومة أظافري. ترعرعتُ في أحضان القراءةِ الفكرية والأدبية بوجه خاص. رغم أنَّ عالمَ النشر مُتشابِك الأوجهِ مِهنيًا، ومُتداخل الجوانب، وليسَ من السهل ولُوجَهُ في زمنٍ أصبحت فيه القراءةُ التقليديّة تُواجه تحدي التكنولوجيا الرقمية، أدّعي أنّني أَعِي صُعوبة المُهمة التي يُمكن تجاوزها بِمُقاربة يُراعي أصحابها كيفية المُزاوجة بين النشر التقليدي الذي سيبقى مطلوبًا بحكم خصوصيته الثقافية والحضارية والاجتماعية، وبين مَثيله الحديثِ الذي لا يُمكن الوقوف في وجهه باعتباره لبِنة جديدة في صرح الإكتشافات العلمية التي تدفع إلى الابتكار والتحفيز، وليس إلى التراجع والإحباط. القراءةُ تبقى حاجةٌ حيوية في المجتمعات الحية بكل أشكالها، وإذا كانت الوسيلة التكنولوجية تُعد تحديًّا حقيقيًا في وجه الإنسان، فإنَّ الرسالةُ (أي المضمون) تبقى رهانًا آنيًّا يهمُّ نوعًا مُتقدمًا من القراء، شريطةَ أن يكونَ شكلُ تقديمه في المستوى الفني والجمالي المطلوب.
(*) ككل مشروعٍ جديد، يُسطِّر أصحابه هدفًا مبدئيًا غير مسبوقٍ، كيف انطلق، ومع من، ولماذا اليوم وليس قبله؟
أُطلق مشروع "مؤسسة أوكسجين للثقافة والفنون" كلٌّ من الكاتب والإعلامي الثقافي يوسف شنيتي، ومحمد شلوش، الصحافي الإذاعي والمدير السابق للقناة الإذاعية الأولى، بإمكانات مالية ومادية محدودة. كان رهانُنا منذ البداية دفترَ العناوين الشخصي لكل مؤسس، والتجربة الإعلامية والثقافية التي عاشها كل مؤسس، والإيمان بمشروعٍ يعتمدُ أساسًا على خطٍ افتتاحي غير مسبوق. لم ننتظر اجتماعَ كلِّ أسباب الانطلاقة الكاملة، ونحن على استعداد لتذليل ما يمكن أن يُواجهنا من مصاعبَ البدايةِ بالتضحية والاجتهاد وتوظيفِ التجربة التي عاشها كل واحد منا في المجالين الثقافي والإعلامي. "دار أوكسجين" هي انطلاقةٌ تُفسِّر شَغفنا بالكتابِ الذي يبقى عمادَ كل مشروعٍ ثقافي جاد قبل الشروعِ في تجسيدِ مشاريعَ فكرية وسمعية بصرية وصحافية تحتاج إلى استعداد أكبر على الصعيدين المالي والمهني.
(*) كيف ذلك؟
لم نعتمد على جهةٍ رسمية، أو على ممول لا يُؤمن بالثقافة، ويهمه الربح التجاري السريع، علمًا أن الكسبَ ليس عيبًا حتمًا، ولو أن الثقافة ليست سلعة ككل السلع، كما تعرفون. المُؤسسون ينتمون إلى ما يطلق عليهم في الجزائر بالمثقفين المُعّرّبين، أي الذين يستعملون اللغة العربية في حياتهم الخاصة والمهنية. إيمانًا منَّا بضرر الانقسامية اللغوية التي ما زالت تعصفُ بنا لأسبابٍ تاريخيَّةٍ تُمَيِّزُ الجزائر دون غيرها من البلدان العربية والمغاربية بوجه خاص، سطّرنا التنوع اللغوي في أول ظهور لنا في صالون الجزائر الدولي للكتاب. إلى جانب التنوع اللغوي، قُمنا بنشر كتبٍ تعكِس تنويعًا في الفئاتِ العمرية والإبداعية، الأمر الذي سمح لنا أن ننشُر للنساء والرجال في كل الأصناف الأدبية والفكرية، لأنَّه لا يمكن ذكرَ كل الأسماء التي نشرنا لها، يُمكن الاستشهاد بكتاب إيناس أوعباس الصادر باللغة الإنكليزية "تحدي أوروبا للعولمة"، ورواية أولى للشاب حمزة فرقاني "الحياة أقوى من الموت"، الصادرة باللغة الفرنسية، وأخرى صادرة أيضًا باللغة الفرنسية لحميد أمالو الكاتب المقيم بين الجزائر وفرنسا "المعالجة الأفريقية". هذه الفئة الشابة نسبيًا مُقارنة بمثيلتها غير الشابة، ظهرت جنبًا إلى جنب مع المؤرخ الكبير وعالم الآثار محمد بشير شنيتي (84 سنة) "الدين والسياسة"، والعلامة الشيخ محمد الصالح الصديق (102 عام) بكتاب "العلم ودلالات حروفه"... حاولنا أن نضمنَ التوازن بين الأجيال، وأن نفتح مجال النشر للشبان، وبين الكُتَّاب والكاتبات، ولا أدلَّ على ذلك من نشرنا لشاعرات باللغة العربية، ولشاعرات ولشعراء يكتبون باللغة الفرنسية بفضل الأديب والصحافي لزهاري لبتر، الذي جمعهم في كتاب "شعراء من الجزائر". حضر بعضهم أثناء بيعِ كتبهم بالتوقيع جنبًا إلى جنب مع شاعرات يكتُبن باللغة العربية، مثل خديجة الطيب، ووسيلة بوسيس، ورجاء الصديق. كان لحضور الكُتَّاب شنيتي بوسعدية، وبن سماعين، وعزري، الوقع الطيب باعتبارهم نماذج انفتاح فكري على قضايا مثيرة للجدل، مثل الديمقراطية، والتفكيكية، والعلمانية، والإسلام السياسي. والإقبالُ على كِتابي الدكتور محمد بشير شنيتي "الدين والسياسة"، ومحمد السعيد بوسعدية "الإسلام السياسي والحركات الإسلامية عند محمد أركون" أكبر دليل على استمرار أهمية قضايا ما زالت آنية رغم قدمها.
(*) هل الدار تعبيرٌ عن إدانةٍ مبدئية لتلوثٍ ثقافيٍّ عام، وتلوثِ قطاعِ النشرِ بوجهٍ خاصٍّ، أم مُحاولة لا يُنكر أصحابُها مكاسبَ ثقافية جادة، لكن تغلُبَ عليها الولاءاتِ السياسيةِ والشخصية والمصالحَ الطفيلية والأيديولوجية، بعيدًا عن المهنيةِ في أغلبِ الأحيان؟
فريق "دار أوكسجين" لا يهدفُ إلى إحداثِ ثورةٍ في مشهدِ النَّشر الصعبِ في طبيعتهِ والأصعب في مُجتمعٍ تتَشابَكُ فيه أسبابِ الإهتمام بالكتابِ في زمنٍ تعدَّدتِ فيه تحدياتِ القراءة.
تسميةُ أوكسجين تُبرِّرُ حاجتَنا لهواءٍ يحدُّ من تلوُّثٍ طاول النشر العربي بوجه عام. والدورةُ الجديدة لصالونِ الجزائر الدولي للكتاب أكَّدت الطابعَ التجاري لكثير من دور النشر، وعدم تنوُّع أخرى، وانغلاق أخرى على نفسها باسم اللغة والأيديولوجيا. وهذه جوانبَ قاتلةٍ لنشرٍ يجبُ أن يكونَ مُنفتحًا ومُتنوِّعًا تنوُّع الجزائر تاريخيًا وثقافيًا ولغويًا. بطبيعة الحال، يبقى النشرُ باللغة العربية هدفُنا الأول للتغيير من وجه الدور المنغلقة على نفسها لغويًا باسم الوطنية والحداثة في الوقت نفسه، في ظل انفصالٌ تام بينها بالشكل الذي يغلق باب الحوار والتلاقح والنقد البناء المُتبادل واحترام الآراء ومختلف التوجهات.
(*) الدار مُكونة من فريق مُعرب ومُنفتح على اللغات الأجنبية، خلافًا لدور مُعربة ومُفرنسة تقتَصر إصداراتها على اللغتين العربية والفرنسية فقط. هل ستكون الأمازيغية من اللغات اللاحقة، وهل هذا الأمر يَعَدُّ أحد أركان خَطِّكم الإفتتاحي بالشكل الذي لا يتناقضُ مع توجهكم العروبي العام؟
نعم، ستكون اللغة الأمازيغية من بين لغاتِ كتبنا. هويتنا العربية ليست هوية قاتلة، كما أوضحَ ذلك أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة". تنوّعنا تعزيزٌ لهويتنا، والهوية المُنغلقة وغير المنفتحة على الآخر المختلف هويةٌ تُشكك في وجودها. طبعًا، لا نَنشر ما يتعارضُ مع قيمنا المبدئية، كما تفعل كل دور النشر في العالم.
(*) نشرتُم رواية لكاتبة مصرية غَرقت في أسلوبِ الرواية المظلمة المفعمة بالعنف والدّم. هذا النوع راج في الصالون، كما راج في صالونات عالمية للكتاب، ومن بينها صالون باريس. هل تُوازنون من خلاله بين التجارة والإبداع الجاد، أم ترونه إبداعا أدبيًا يجب الاعتراف به كأمر واقع، من دون تكريسه وحده كما تفعل دور أدخلت إلى حسابها المال الكثير؟
أنت تعرفُ، بحكم موقعك ومعرفتك لعالم الكتاب والنشر بوجه عام، أنَّ الرواية المظلمة حقيقةٌ قائمة، وأمر واقعٌ، ولا يمكن إنكارها، والقراءةُ أنواع كما هي الكتابة، وجمهور القراءة ليس جمهورًا واحدًا، والحجر على ما نختلف عليه لا يُمكن منعه، أو مصادرته في زمن وسائل تواصل حر. علينا التساؤل عن أسباب رواج هذا النوع من الرواية في الأوساط الشبانية التي ولدت وترعرعت في كنف الثورة التكنولوجية في مجال التواصل، بدل الاكتفاء بلعنها، أو مُحاصرتها.
(*) ما نوع الجمهور الذي اهتم بـ"دار أوكسجين" في أول مشاركة لها في صالون الجزائر الدولي للكتاب؟
كما كنا نتمنى، جاءنا جمهور تكوّن من أجيال عدة، وتعايش في جناحنا من يقرأُ باللغات العربية، والفرنسية، والإنكليزية، وتقاسمنا جناحنا مع دار "أشكنض" (الغزال) باللغة الترقية، لصاحبها الشاب علي ميموني الآتي من أعماق الصحراء الجزائرية (تندوف). لقد كان ميموني رمزًا للتعاون الإيجابي والمُثمر على الصعيدين الأَخوي الشخصي والثقافي العام، بعيدًا عن روح الحروب والحسد والإلغاء والأنانية، كما يحدث للأسف الشديد عند كثير من الناشرين.


تحميل المقال التالي...