}

محمود وهبة: الكتابة الصادقة أداة مقاومة ضد الإبادة والنسيان

دارين حوماني دارين حوماني 27 نوفمبر 2025
حوارات محمود وهبة: الكتابة الصادقة أداة مقاومة ضد الإبادة والنسيان
محمود وهبة

حين نذكر محمود وهبة اليوم، يتبادر إلى أذهاننا الشاعر والصحافي صاحب المشاريع الثقافية المتعددة، فهو يتحرك في كل الاتجاهات ليحقق ولو خطوة في كل مسار ثقافي، لكنه قطع خطوات كثيرة في فترة قياسية، فقد شارك في تأسيس "مرفأ للثقافة والنشر" (بيروت/ إسطنبول) راهن فيها على بيروت "وعلى ما بقيَ من ذاكرة هذه المدينة"، وكسر السائد فيها، فاهتم أولًا بنشر الشعر، هذا الجنس الأدبي الذي لم يعد يرغب الناشرون به، وسائرًا "بين السَّلف والخلف، بين الجذر والتجريب" ليجمع بين الخطاب الشعري للمكرّسين وبين قصائد ونصوص وأحلام الجيل الجديد الشعرية والتجريبية.
ومحمود وهبة (مواليد مدينة النبطية جنوب لبنان عام 1988) يقيم في بيروت، ويكتب في الصحافة الثقافية، ويعمل في إدارة وتنسيق المشاريع والأحداث الثقافية. صدرت له ثلاثة دواوين شعرية عن دار النهضة العربية في بيروت "غلامٌ يُطاردُ مجرَّة" (2015)، "ليسَ حُبًا بل دُعابة" (2020)، "غرفٌ قليلةُ الحيلة" (2023)، وتُرجمت مختارات منها للفرنسية في كتاب. كما شارك وهبة في عدد من ورشات الكتابة الإبداعية في فلسطين ولبنان. ترجمت قصائده إلى الإنكليزية، الكردية، الأرمنية، السويدية، الفرنسية، الفنلندية، الهولندية، الإسبانية والتركية.
حصل محمود وهبة على منحة آفاق للكتابة الإبداعية عام 2021، عن مشروعه "أصوات" وهو مشروع شعري شبابي أطلقه وهبة بالتعاون مع "دار النهضة العربية" في بيروت، لدعم الأصوات الشبابية العربية، وجرى من خلاله تقديم عشرين صوتًا شعريًا عربيًا للمشهد الثقافي العربي. ويشغل حاليًا مهام المدير التنفيذي في "مرفأ للثقافة والنشر".
هنا حوار معه.

(*) حين نقول محمود وهبة اليوم، يتبادر إلى ذهننا شخص صاحب مشاريع ثقافية كثيرة. خبّرني بداية عن الدوافع التي في داخلك لكل هذه المشاريع؟
البداية كانت من الاسم نفسه: "مرفأ للثقافة والنشر" دار نشر لبنانيّة عربيّة، أطلقناها رفقة صديقين كاتبين مشغولين بروح الأدب والفكر والنقاش، هاني الطلفاح وأيمن شروف. كان العنوان بمثابة إعلان نيّة. مرفأ هي نقطة البداية، لحظة الرسوّ، أو المكان للانطلاق نحو مجهول جميل، مغامرة أدبيّة في عالمنا العربيّ، ولا نخفي هنا طموح "مرفأ للثقافة والنشر" لتكون منصّة لمدن شرق المتوسّط.
قبل "مرفأ للثقافة والنشر" كنت أتعامل مع الأحلام وكأنها قيد التحقّق، أؤمن بها كما تؤمن الحضارات بمعتقداتها. كنت أصدِّق أنّ كل فكرة تعبرُ خاطري ممكنة التحقّق. أنّ كل كتاب على طاولتي قابل لأن يُنجز. هناك قول يوناني قديم: "آمن أنك تملك الشيء، تملكه". هذه الفكرة قادتني إلى سلسلة مشاريع ثقافية، وساهمت في أن أكون حيث أنا اليوم. والمؤكّد أننا ما زلنا في البدايات.

(*) مرفأ للنشر والثقافة، هل هو بديل مجازي عن انفجار مرفأ بيروت، ومحاولة إعمار المدينة من مرفأ الثقافة؟
لا علاقة للمشروع "مرفأ للثقافة والنشر" بانفجار مرفأ بيروت، لكن لا أنكر أنّ الوجع العام في المدينة حفرَ في دواخلنا نوعًا من الإصرار على الحياة.
هذه الدار هي رهان على الدّهشة، على اللّغة، وعلى اللقاء. رهان على أنّ ما بقيَ من ذاكرة هذه المدينة، ومعها مدننا في المشرق العربي، يستحق أن يُروى وأن يُقال. من هنا قررنا أن تكون الدار مساحة لقاء بين مبدعين عرب، من مختلف المشارب، تجمعهم جودة النصّ وحساسيّة الفكرة، والبُعد من الابتذال.
هل نستطيع القول إننا نؤمن بأن الأدب، وخصوصًا الشعر، يمكنه أن يكون مساحة للتبادل، لا فقط سلعة تُستهلك؟ نعم. هذا لا ينفي طبعًا الجانب المادي من المؤسسة التي تريد أن تنتج ماديًا كي تستمر!. هذا ما نحاوله منذ عامين، أن نسلِّط الضوء ونسير على هديِ هذه الفكرة ونستمر!

محمود وهبة: نهتم بالأصوات الشابة كما نهتم بالأسماء الكبيرة


(*) أصحاب دور النشر باتوا يركزون على نشر كتب معينة "تبيع"، وتوقف أغلبهم عن نشر الشعر، رغم ذلك أسّست دار مرفأ وتهتم بنشر الشعر وتسويقه، ماذا تعلّق على ذلك؟ في أي اتجاه يسير طموحك؟
هنالك مقولة تسيطر اليوم على المشهد الراهن، مفادُها أنّ الشّعر في منافسة خاسرة أمام الرواية. هذه المقولة خاطئة تمامًا ولا صحّة لها. اليوم، الرواية منتشرة بشكل واسع نعم، لكن في الوقت نفسه ألا ترينَ أن كلّ جدار فايسبوكي فيه طموح لأن يكون شاعرًا؟ الكلّ يريد أن يكتب، الكل يريد أن يصبح شاعرًا. وهذا فأل خير ودليل عافية. الشّعر لا يزال يحتفظ بجذوته، بجوهره العصيّ على الاحتواء وبنقطته المفصليّة التي لا يُمكن أن يلتقي فيها معه أحد: السّحر. الشّاعر ساحر.
من هنا يأتي اهتمام "مرفأ للثقافة والنشر" بالشعر بوصفه ليس نخبويًا، بل حيويًا، صادقًا، ولديه القدرة على ملامسة القارئ إذا قُدّم بشكل ذكي وصادق.
نهتم بالأصوات الشابة كما نهتم بالأسماء الكبيرة. نريد للشّاعر الجديد أن يرى في الدار مساحة آمنة للتعبير، كما نريدُ للقارئ أن يعيدَ اكتشاف الشّعر كوجبة خفيفة، لكن عميقة، بجانب الرّواية والكتاب الفلسفي والقصائد المترجمة. أسأل معكِ: لماذا نذهب إلى الكتب المترجمة؟ ولماذا نحتفي بالشعراء الغربيين ونترك من يكتبون الآن ويهذون في العواصم؟ هذا ببساطة ما تحاوله "مرفأ للثقافة والنشر".

(*) نلحظ أن اهتمامك بنشر الشعر يسير في اتجاهين، يهمك حضور الشعراء المكرسين، لكنك تولي اهتمامًا خاصًا بنشر أصوات شعرية شابة؛ في الوقت الذي توقفت فيه دور النشر عن مرافقة هذا الجيل وتوسيع أفق حضوره في المشهد الشعري العربي. ما الذي تهدف إليه من ذلك، وما الذي تبحث عنه تحديدًا في هذا الجيل الجديد؟ هل هو التجريب الشكلي، الجرأة في اللغة، أم وعي مختلف بالواقع؟
لا يمكن لـ"مرفأ للثقافة والنشر" أن تمضي بلا تنسيق، أو تحقيق توازن بين القديم والجديد. يجب أن نرى العالم اليوم بعيون من يكتبون القصيدة المعاصرة، هؤلاء لديهم لغة خاصة، متقشّفة، واضحة المعالم، لها نبض مستلّ من الشوارع والزوايا والحارات والقرى. لغةُ هذا العصر هيَ الهوامش. أتكلّم هنا بوصفي ابنًا لهذا الجيل، وأكتبُ من هذا الحيّز، ومن هذه الخلفيّة.




من جهة أخرى، لا يمكننا الخروج من منطق الموازاة بين السَّلف والخلف، بين الجذر والتجريب، بين النبرة العالية والهمس الذي نبدأ به كلّنا في فوضى بدايات الكتابة. هل نستطيع أن نقول إن الشاعر الحقيقي هو من يمشي على حافة اللغة من دون أن يسقط في المجاز السهل؟
تسعى "مرفأ للثقافة والنشر" لأن يكون لها مكتبة شعرية متنوّعة تمثّل أجيالًا مختلفة. كيف يمكننا أن نجعل القارئ العربي يقرأ نجيب محفوظ مثلًا، ويلوّن قراءته بديوان لعلي جازو، أو أحمد يماني، أو غيرهما؟ هذا هو الرِّهان، أن يكون الشّعر هو المكسب الحقيقي، أن يبقى الشعر حيًّا في الذاكرة العربية، لا كأثر لغوي، بل كنبض يومي، في الشارع والواقع المعاش.
الشِّعر اليوم في متن المشهد الأدبي العربي المعاصر. هذا رهانُنا عليه، ورهانُنا آتٍ منه، ومبنيّ عليه وعلى تاريخيّته وأسبقيّته على سائر الفنون الأخرى. ربما لا يملكُ العرب في إرثهم وتراثهم سوى الشّعر!

(*) من أجمل إصدارات الدار "كتاب الوصايا؛ شهادات مبدعات ومبدعين من غزة في مواجهة الموت" تحرير ريم غنايم، وقدّم له كلّ من ألبرتو مانغويل، وجوديث بتلر. تقول في مقدمته: "هذا الكتاب ما هو إلا بيان للتفكير في عصر التدمير". ويكتب مانغويل في مقدمته أن هذا الكتاب هو "بيان ضد الموت". كيف ترى دور هذه الشهادات المؤلمة والصاعقة في مواجهة الإبادة الرمزية والجسدية؟ وهل تعتقد أن مثل هذا الكتاب يعيد للكتابة دورها الأخلاقي والمعنوي في لحظة يبدو فيها العالم صامتًا أمام الكارثة؟
الكتابة، حين تكون صادقة، تتحول إلى أداة مقاومة ضد الإبادة، ضد المحو، ضد النسيان. ريم غنايم، وبتقديم مشرّف من ألبرتو مانغويل، وجوديث بتلر، منحونا عبر هذا الكتاب تأريخًا لا يمكن طمسه، لا بالسّلاح ولا بالإعلام. وثائق أدبيّة إنسانيّة تقول للعالم: "نحن هنا، ننزفُ ونكتب". والكتابة هنا ليست ترفًا، بل فعل وجود. هذا النوع من الكتب يُعيد للكتابة دورها الجوهري: أن تكون ضميرًا في لحظة الخرس الجماعي.
أمام عجزنا عمّا تتعرّض له غزّة من إبادة كان لا بدّ من جملة صارخة تُقال. وجاءت هذه الجملة بصوت الكتّاب والشعراء/ات من غزّة تحت القصف.

(*) أكثر ما يلفت في مجموعتك الشعرية "ليس حبًا بل دعابة" الجرأة والسخرية، حتى من الحب نفسه، كأننا أمام تفكيك للثوابت والمقدّس من دون الدخول في جدليات القضايا الكبيرة. هل تتكلم من زاوية في داخلك كصرخة جوانية دفينة ضد مسار تفكيري معيّن؟
لو قلتُ جملةً مثل: أكتب كي أنجو. هل أكونُ ساذجًا؟ لا. الكتابة في مكان ما هي ما أعرفهُ، ما أختبئ فيه من خراب العالم. لا أدري ما الشيء الذي أحققه منها، وماذا ستجلبُ لي في قادم أيامي، ولكنها مكان مهم أدخل إليه كلّما اشتدَّ عليّ زخم العالم.
بالكتابة، والشّعر بالتحديد، أحتمي من الموت، ومن فوضى التفكير. بدأتُ رحلتي كغلامٍ يطاردُ مجرة، مهووسًا بالفكرة، بالسؤال. والآن أحاولُ أن أكتب بالعين ذاتها، مع تأثيرات ومواصفات وتطوّرات كثيرة تجري على كلّ شخص منا في رحلة سيره في الحياة.
قد يكون ما أفعله ليس تمرّدًا. هذه محاولة للحديث مع اللغة التي تحاصرنا، نحن أمام إرث لغوي عمره ألفان من السنوات. تراث مهول نريد أن نجد فيه متسعًا. المحاولة هذه تشبه عصرنا، تزوّدنا بتفاصيلها وصورها الجاهزة. أتحدّثُ طبعًا عن الشّعر، الشّعر عندي لا يخاطبُ السّماء ولا يسجد للتراث، بل يحفرُ في الأرض، في الجسد، والداخل. هو دخول إلى الداخل فقط. هذه هي مهمة القصيدة أن تحفر فينا ونحفر بدورنا من خلالها تفاصيل ونفايات العالم.




(*)
تقول في "ليس حبًا لا دعابة": "لنفكر الآن بأشياء بسيطة/ بالكذب بالنميمة بأكل الأظافر"، "نصادق قارئًا حصيفًا رغم بلاهته/ نصادق أنفسنا رغم زلّاتها مرغمين"، "أنا رجل حمار/ ينتظر امرأة عائدة من سهرة/ ليفتح لها الباب". هل نحن أمام نموذج ما بعد حداثي يفكر من الأسفل؟ هل ترى قصيدتك قصيدة الهوامش؟
لا أدري. أترك التصنيفات للقراء والنقّاد. أنا أكتب لكي أتخلّص من الأطر. الكتابة هي وسيلة أجدُها ناجعة للبحث عن ذاتي. يخيّلُ إليّ الآن أنني أتخلّص من الصّمت، وأحتفل بقشور الكلام. الشّعر هو هذه القشور. قد تكون قصيدتي ابنة الهوامش، لكنها ليست هامشيّة. إنها مجاز داخلي، محاولة للقبض على اللّحظة، على المأزق، وعلى التفاصيل المنسيّة التي ربما لا تعني أحدًا. قصيدتي وكتابتي في كلّ أشكالها هي ابنة هذا الجيل، جيل الهوامش واللاقضايا.

(*) انطلاقًا من قول جان بوديار "ما بعد الحداثة ثقافةٌ من الأحاسيس المجزأة، والحنين الانتقائي، والمحاكاة المُستَخدَمة، والسطحية المُتَعَدِّدة، حيث تُفرَغ أو تُذاب الصفات المُقدَّرة تقليديًا من العمق والتماسك والمعنى". كيف يمكن فهم حال الشعر المعاصر في بيروت اليوم؟ هل يعكس هذا الشعر أزمة عمق ومعنى، أم أنه يعبّر عن تحولات مقصودة تتماشى مع واقع المدينة المفكك؟
الشعر في بيروت اليوم مبني على الاستلهام من تجارب سابقة من جهة، وملاحقة الأزمات من جهة ثانية. انفجار المرفأ، الحرب، فيروس كورونا، كلّها ما زالت مسامير راسخة في ذاكرة اللبناني. نحن اليوم نكتب ما عايشناه من موت ونهايات علّنا نتعثر بحيوات مفاجئة ومغايرة. يؤسفني أن أقول إنّ مدينة كبيروت تكتب دائمًا من الندبة. انفجار المرفأ، الحرب، الأزمات الاقتصادية، كورونا، كلّها طبعات محفورة في جلد الشّاعر اللبناني، إضافة إلى تفاصيله هو، عوالمه هو ومشاغله.
الشعر في بيروت اليوم هو كتابة للرّماد والخراب والأحلام المكسورة. هو رد فعل لا على الماضي فقط، بل على حاضر هشّ، ومستقبل مؤجّل مجهول قصيّ وبعيد عنّا وعن أيدينا.



(*) تختم مجموعتك الشعرية "غرف قليلة الحيلة" بنص قصير "بخجلٍ كاملٍ/ تدعونا المدينةُ/ كي ننزلَ عنْ ظهرِها". هو نص يفتح على شعور بالخيبة، أو الانسحاب المتبادل بين المدينة وساكنيها؛ كيف تقرأ هذا المشهد الختامي؟ هل هو تعبير عن قطيعة مع الفضاء المديني بوصفه مكانًا منهكًا ومخذولًا، أم أنه موقف وجودي يعكس يأسًا شعريًا من جدوى التفاعل مع الواقع؟
أحاول من خلال القصيدة أن أتحدّث مع المدينة، أن أفهمَ منها ما تقدِّمهُ لي كمركز، وكهامش أيضًا. القصيدة في بعض تفاصيلها هي محاولة مستميتة لتجسيم المدينة، ومنحها جسمًا يعكس ما نعانيه، ويعكسُ تعبنا. نحن نكتب تعبنا وكوارثنا ودموعنا يوميًا، لكننا لا نسأل المكان عن رد فعله تجاه ما نكتبه. أحاولُ أن أسأل المكان عن كل ما لم يقله، سواء من خلال خيالي، أو من خلال الشعر الواقع في جعبة الآخرين. ما لا أجدهُ عندي أصادفه في قصيدة لدى الآخر المختلف، وهكذا.
هذا الجيل الهامشي والمطحون، في عواصمنا العربيّة، يحاول أن يكتب المدن كثيرًا، لكن هل خطر له أن يسأل المدينة: كيف ترانا؟
أعودُ إلى جملتكِ التي انطلقتِ منها، وفيها حاولتُ أن أعكس التعب المتبادل. هي ليست قطيعة، بل خيبة مشتركة. المدينة منهكة، ونحن أيضًا. ربما حان وقت أن نترجل كلّنا عنها، وهذا بالتحديد ما تحاولُه القصيدة.

(*) تُبدي اهتمامًا ملموسًا بترجمة الشعر العربي إلى لغات عالمية، كأنك تبحث عن قرابة إنسانية عبر الكلمات؛ في رأيك، هل ثمّة ما يشبهنا خلف البحار على مستوى الواقع والخيبات، وعلى مستوى الحساسية الشعرية والثقافية؟ وكيف ترى دور الترجمة في إعادة صياغة موقعنا الثقافي عالميًا، خصوصًا في ظل هيمنة نماذج أدبية غربية تُصدِّر معاييرها الجمالية إلى الآخرين؟
نعم، ثمّة ما يشبهنا، بل ما ينادينا، خلف البحار. الألم مشترك، وكذلك الحب، والحنين، والتوق، والخذلان، والجسد، والأمكنة، والاغتراب. هل نحن نعيش في عزلة شعوريّة؟ لا أعتقد. اليوم نحن نشاركُ العالم تفاصيل الضعف الإنساني وهشاشته. ما يتغيّر هو اللّغة، أما الجوهر فواحد. ولهذا، أرى في الترجمة جسرًا لا لنقل النص فحسب، بل لنقل التجربة الإنسانية كما نحسّها نحن، لا كما يُعاد تأويلها من الخارج.
الترجمة ليست ترفًا، بل ضرورة ثقافية وسياسية أيضًا. حين نُترجم، فإننا لا نبحث عن إعجاب الآخر، بل نعيد تعريف موقعنا في هذا المشهد الكوني الكبير، بعيدًا عن المركزية الغربية ومعاييرها الجمالية التي أصبحت تُصدّر كقوالب جاهزة.
لا تفترق قصيدتي عن شاعر ثلاثيني في باريس، أو سيدني، أو موريتانيا، أو تشاد. الهمّ واحد، الكون الذي يسحرنا ونتحرّك من خلاله هو نفسه. ما أعوّل عليه هنا، وما أريدهُ، أن يكون الشّعر العربي غنيًّا، متنوّعًا، ومعاصرًا أكثر مما يُظَن. ما ينقصنا ليس الحداثة، بل نافذة نُطل بها على العالم، وهذا أحد طموحات "مرفأ للثقافة والنشر": أن نمكّن الشعر العربي من أن يتكلّم بلغات عدّة، لكن بصوتٍ واحد واضح وعميق.

لعلّ كل ما نرغب به هو إيصال فكرة فلسطين وصوتها وقضيّتها إلى العالم أجمع


(*) "أطلقتم مؤخرًا في الدار مشروع "مرفأ للشعر العربي". ما الذي يميّز هذا المشروع عن غيره من مبادرات النشر الشعري؟ وما هي رؤيتكم الاستراتيجية له على المدى البعيد؟
"مرفأ للشعر العربي" ليست مجرد سلسلة إصدارات شعرية، بل هي بيان ثقافي معلن، ينحاز بوضوح إلى الكلمة الصادقة، إلى الإيقاع الحيّ، وإلى الشعر كضرورة يومية وليست ترفًا نخبويًا. ما يميّز المشروع هو تركيزه على الجودة الجمالية، والتنوّع الجغرافي، والجيل الشعري الجديد، من دون إقصاء للأسماء المكرّسة. نحرص على خلق توازن بين الأصوات الجديدة والأصوات الراسخة، لنؤكّد أن الشعر فضاء يتّسع للجميع متى ما توفّر النص القادر على الحياة.
رؤيتنا الاستراتيجية تتجاوز النشر الورقي: نعمل على تحويل مختارات من الإصدارات إلى كتب صوتية، ونخطط لتوسيع حضور الشعر العربي عبر الترجمة إلى لغات حيّة، إضافة إلى إنشاء أرشيف رقمي تفاعلي لمواكبة التحوّل الرقمي وخلق جسور حقيقية بين الشاعر والقارئ العربي في كل مكان. نريد أن تكون "مرفأ للشعر العربي" بوصلة شعرية جديدة مدارُها الشّعر العربي.

(*) أعلنتم عن إطلاق "جائزة مرفأ للشعر العربي" أخيرًا. ما هي أهداف هذه الجائزة، وما الذي تتميّز به عن الجوائز الأدبية الأخرى في العالم العربي؟
"جائزة مرفأ للشعر العربي" هي امتداد طبيعي لرؤية الدار ورسالتها الثقافية؛ أردنا من خلالها أن نكرّس مساحة حقيقية للاعتراف بالشعراء العرب، لا بناءً على شهرتهم، أو انتماءاتهم، بل على جودة النصّ وفرادته.
الجائزة تأتي لتركّز على القيمة الجوهرية للقصيدة، على الشعر بوصفه طاقة خالصة، وموقفًا من العالم، وصوتًا لا يشبه إلا نفسه.
ما يميز "جائزة مرفأ للشّعر العربي" أنها ليست محصورة بجيل معين، أو بلد معيّن، بل منفتحة على كل التجارب الشعرية الجادّة، سواء من الداخل العربي، أو من الجاليات والشتات، مع التركيز على الأصوات التي لا تزال على الهامش النقدي والإعلامي، رغم ما تملكه من نضج وجمال. نطمح أن تتحول الجائزة إلى مرجعية عربية تسهم في إعادة ترتيب المشهد الشعري.

(*) في ظل الفورة الرقمية والنشر الإلكتروني، هل تعتقد أن منصات التواصل ساهمت في تقريب الشعر من الناس، أم أساءت إليه بابتذال التجربة الشعريّة؟
المنصات الرقمية فتحت نوافذ كانت مغلقة، لكنها أيضًا خلقت فوضى في الذائقة. أصبح كل ما يُكتب يُسمّى شعرًا، وكل ما يُنشر يُصفّق له، وهذا مؤذٍ للنص وللقارئ معًا. ولكن الزّمن هو الحكم والفيصل في كل هذا. هو كفيلٌ بأن يبقي، أو يلغي. ممحاة الزّمن قاسية وحريصة وحصيفة، ولا ترحم. وأنا هنا لا أُدين الوسيلة، بل أُحمّلنا نحن مسؤولية ما نقدمه فيها. الشعر الحقيقي لا يخاف من الضجيج، لأنه ببساطة لا يشبهه. في "مرفأ للثقافة والنشر"، نحن لا نعادي الرقمنة، بل نعمل على إيصال القصيدة إلى القارئ، من دون أن نُفرّغها من روحها. ربما على الشعر اليوم أن يعيش في كلّ الأمكنة، لكن من دون أن يفقد نُبله.

(*) هل فكرت يومًا في كتابة الرواية؟ ولماذا بقيت مخلصًا للشعر رغم اكتساح الرواية للمشهد الثقافي؟
الرواية تُغريني. تغمزني من وقت لآخر. لكنني لا أملكُ الوقت. كتابة الرواية مشروع مستقل لوحده. أشعرُ أيضًا أنه إضافة لعامل الوقت فإنّ الشعر يمنحني جمهورًا أحبه وتعلّقتُ به. ربما لو بقيتُ مع الشّعر سوف أبتعدُ عن بناء العوالم الطويلة. الرواية عوالمها طويلة، تشعرُ أثناء كتابتها أنّك أمام عمارات ضخمة ومستمرّة. ما زلتُ إلى اللحظة رفقة القصيدة، ولا أدري ما الذي يمكنُ أن يحمله الغد.

(*) بيروت دائمًا حاضرة في كتاباتك، كأنها شريك في النص أكثر من كونها مكانًا. كيف تصف علاقتك بالمدينة اليوم، بعد كل ما مرّت به؟ هل ما زالت ملهمة، أم تحوّلت إلى عبء شعري؟
لم أولد في بيروت. ولدتُ في إحدى قرى الجنوب اللبناني. ومع ذلك أرى بيروت الآن حين أسمعُ سؤالكِ أنّها مكانٌ لي، بل هي حالة دائمة. لهذه المدينة قدرة على الإيهام، وعلى منحنا شعورًا بأنّها محبوبة من قبلنا، ولكننا في الوقت نفسه نكرهها.
أحبها كأنني أكرهها، وأكرهها كأنني أخشى أن أفقدها. هي لم تعد المدينة الحلم، لكنها لا تزال المدينة اللازمة. بيروت مدينة ضروريّة لا أكتب عنها، بل منها. إذا أردتُ أن أنزل عن الشّعر، يمكن القول إنني أمام مدينة أرهقتنا جميعًا، لكنني لا أقدر على مغادرتها شعريًا، ولا حتى بالمعنى الشخصي. كل ما كتبتهُ وفيّ ومرتبط بشيء من دمارها، من بحرها، من شوارعها المتصدّعة والمضيئة في آن.

(*) "تلك الكلمة المقدسة"، "كتاب الوصايا"، "محمود درويش، هكذا صنعت قصيدتي"، "يوميات تحت الاحتلال"، وغيرها من إصدارات مرفأ، التي تشاركون فيها ضمن مبادرة "نقرأ فلسطين". هل ترون أن نشر هذه الكتب هو نوع من توثيق لوجع قائم، أم وسيلة مقاومة موازية للواقع؟
لعلّ كل ما نرغب به هو إيصال فكرة فلسطين وصوتها وقضيّتها إلى العالم أجمع. تختلف الأشكال بين نشر كتاب، أو قصيدة، أو فيديو آرت، وغير ذلك. ولكن الوجهة واحدة. المواد التي نشرناها في "مرفأ للثقافة والنشر" تأتي في صلب هذا التوجّه لدينا. كل كلمة تُقال تخدم الفكرة، وتأتي في السياق، وتضيف إليه جملة جديدة نحو فلسطين.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.