ترجمة: لطفية الدليمي
يروي كتابُ مذكرات الكاتبة الألبانية ليا ييبي Lea Ypi، الحائز على جائزة، والمعنون "حُرّة Free"، تجربة نشأتها في ألبانيا قبل وبعد الحكم الشيوعي. أما كتابُها الجديد "الإهانة Indignity" فيعيد بناء حياة جدتها التي وصلت إلى تيرانا من سالونيك (اليونانية) في شبابها، وانخرطت بشكل وثيق في الحياة السياسية للبلاد. تشغل ييبي حاليًا كرسي رالف ميليباند في السياسة والفلسفة في كلية لندن للاقتصاد LSE. أما الكاتبة التركية أليف شافاك Elif Shafak فقد ألّفت أكثر من 20 كتابًا، روائيًا وسوى ذلك، بما في ذلك رواية "عشر دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب" المرشّحة لجائزة بوكر، وقد نشرت مؤخرًا رواية جديدة عنوانها "هناك أنهار في السماء There Are Rivers in the Sky". عندما تحدثّت الكاتبتان عبر مكالمة فيديو، حيث كانت ييبي في سفرة إلى الهند في حين كانت شافاك في منزلها بلندن، دار حديثهما حول تهديدات الرقابة وصعود الشعبوية Populism، وتحدّيات كونهما كاتبتين بهويات متعددة، وأهمية تمثيل الأحداث التاريخية المعقدة في أعمالهما.
هنا الحوار بين أليف شافاك وليا ييبي:
أليف شافاك: إنه عصر القلق. هناك قلق شديد، شرقًا وغربًا، صغارًا وكبارًا. كثير من الناس يشعرون بالقلق الآن، إنه أمر ملموس للغاية. أعتقد، من نواحٍ عديدة، أن هذا هو العصر الذهبي للغوغائية، لظهور الديماغوجي الشعبوي على المسرح مصرّحًا بأعلى صوته: "دع الأمر لي، سأبسّط الأمور عليك".
ليا ييبي: ما يلفت انتباهي هو هذا التناقض الفاضح بين هذه الحياة الغنية التي تجدها في الأدب والأوساط الأكاديمية، وبين تفاهات السياسة. في الأدب هناك تجربة مع الأنواع الأدبية والثقافات واللغات؛ ولذلك تشعر بهذا التعقيد. أما في المجال السياسي فنرى العكس تقريبًا، حيث يتمحور الأمر كله حول البساطة (بمعنى السذاجة والسخف والابتذال، المترجمة). الأمر كله يتعلق بالوصول إلى الرسالة بدون تعقيدها. يجب أن تكون مختصرة، يجب أن تكون بسيطة للغاية، على حافة الابتذال!! وبشكل متزايد تتجه أيضًا نحو الإقصاء. هناك إذًا ميل في الخطاب السياسي المعاصر إلى القول: حسنًا، دعونا نطرد المهاجرين. هذا شعور مكافئ للإقرار بأنك لا تستطيع أن تحصل على مجتمع عادل إلا إذا كان لديك مجتمعات متجانسة.
أ. ش.: من المهم أيضًا الحديث عن الرقابة. ليس ما أعنيه مختصًا بالضغوط الخارجية أو تلك القادمة من جهات عليا فحسب، بل أيضًا الرقابة الداخلية: الرقابة الذاتية Self-Censorship. كيف نتغلب عليها؟ أنا من أرض تُثقل فيها الكلمات كاهلها. أي شيء تكتبه، من الهوية إلى الجندر إلى الذاكرة إلى التاريخ، قد يُفهَم أو يتم تأويله بأنه إساءة إلى السلطات. مررت بتجربة مماثلة عندما قُدّمت إحدى رواياتي، "لقيطة إسطنبول"، للمحاكمة: تروي هذه الرواية قصة عائلة أميركية أرمنية وعائلة تركية من خلال عيون نساء؛ لكنها تتناول الذاكرة ونسيان الماضي، فضلًا عن أكبر المحرّمات، وإن كان لا يزال يُناقَش في تركيا المعاصرة حتى اليوم، وأعني بذلك الإبادة الجماعية للأرمن. عندما نُشرت الرواية طالب المدعي العام بسجني ثلاث سنوات، وقد استخدم كلمات شخصيات خيالية لتكون كأدلة تجريمية ضدي في المحكمة. وخلال تلك الفترة كان هناك من يحرق أعلام الاتحاد الأوروبي، ويبصقون على صورتي ويحرقونها، ويصفونني بالخائنة. بعد سنوات تم التحقيق في كتابين من كتبي بتهمة الفُحش: "عشر دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب" لأنه يحوي عاملة جنس كإحدى شخصياته، و"التحديق The Gaze" لأنه يتناول موضوعات مثل إساءة معاملة الأطفال في بلد لدينا فيه عرائس فتيات في سن الطفولة الغضّة، وهو ما يعني، في رأيي، إساءة مقصودة وإجرامية في معاملة الأطفال، وانتهاكًا صارخًا لحقوقهن. سبب ذكري لهذه التفاصيل هو أن هذه هي حقائق مجتمعاتنا. علينا أن نحفر لأنفسنا مساحة ننسى فيها كل ذلك وندفن فيها الغضب المعتمل في صدورنا. إذا شرعنا بالتفكير والتساؤل: هل سيغضب الناس؟ هل ستغضب السلطات؟ حينها لن نتمكن من كتابة سطر واحد. لن نجرؤ على فعل ذلك أبدًا.
ل. ي.: ما كان مهمًا بالنسبة لي في نشأتي بألبانيا، ثم اجتيازي مرحلة الانتقال من الشيوعية إلى فترة ما بعد الشيوعية، هو أن العيش في مجتمع شمولي (توتاليتاري) يجعلك حساسًا للغاية تجاه جميع أنواع الدعاية طوال الوقت. وهكذا لم يكن هناك قط هذا التباعد الذي عشت فيه بداية في عالم غير حر، ثم أصبحت جزءًا منه. كان الأمر دائمًا يتعلق باليقظة لمعرفة أين توجد الرقابة والتلاعب الأيديولوجي والدعاية، حتى لو كانت آتية من أماكن تبدو بريئة تمامًا للوهلة الأولى. أنت دائمًا تفكر فيما ينقص مجتمعك: أين تكمن الفجوة في الديمقراطية؟ هناك كل هذا الثناء على الحرية؛ ومع ذلك نعيش مع سياسيين وأشخاص يتخذون قرارات تقيّد - بوضوح- حرية الآخرين في كل مكان. لدينا هذا التعبير في ألبانيا: "إسطنبول تحترق، والعجوز تُمشط شعرها". أنت قلق من أن ما تفعله، في بعض النواحي، غير ذي صلة تمامًا؛ لكنك تقول لنفسك: وظيفتي هي فقط أن أكون ناقدًا، وأن أضغط، وأن أتذكّر، وأن أحاول أن أجعل الناس يفكرون في كيفية تشكيل الماضي للمستقبل، وكيف تتكرر هذه الأفكار، وكيف أن لهذه الصراعات السياسية في الحاضر تاريخًا، كلها نابعة من صدمة لم تجد لها حلًا مناسبًا في الماضي.
أ. ش.: لدينا الكثير من القواسم المشتركة: الموضوعات، والأفكار التي نتناولها، والجغرافيات التي ننتمي إليها، وأيضًا لحظات الصمت التي نتعمّق فيها. أعتقد أن الذاكرة مهمة لكلينا، ليس للتعلق بالماضي فحسب، بل لأننا بدونها لا نستطيع التعافي من جروحنا الروحية.
ل. ي.: يبدأ الأمر بفهم أن كل صوت صادر منا هو دائمًا نتيجة لعلاقات سلطة Power Relations بشكل ما. هذه كانت تجربتي مع كتابة "الإهانة"، الكتاب- المذكرات التي كرّستها عن جدتي، مستعينة بذاكرتي ومادة أرشيفية غنية. اتضح لي أن من العسير جدًا البحث عن امرأة عاشت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي تحديدًا. عاشت في سالونيك التي كانت لا تزال ذات طابع عثماني ثقافي قوي عندما كانت في أطوار نضوجها المتفجّر. كانت قد أصبحت جزءًا من الدولة اليونانية. إذا كنت تعتمد على مصادر رسمية في الكتابة فيتوجّب أن نضع في حسباننا أن لكل من تلك المصادر أجندته الخاصة، وطريقته الخاصة في بناء الأرشيف، وطريقة خاصة في كتابة التاريخ، وحتى طريقة تشكيل التقاليد الأدبية. دائمًا ما تكون أجندتهم هي أجندة أصحاب السلطة. كيف نتحدى ذلك؟ أعتقد أن الأدب لا يستطيع تحدي ذلك إلا عندما يصبح مقاومة؛ ولكن يجب أن تكون لديه رغبة صريحة في ذلك.
أ. ش.: أعتقد أن الكاتب يشبه، إلى حد ما، عالم آثار لغوي: عليك أن تُنقّب بين طبقات من القصص، وأيضًا بين طبقات من النسيان. بالطبع، في الإمبراطورية العثمانية نحن نتحدّث عن إمبراطورية متعددة الأعراق واللغات والأديان استمرت لأكثر من 600 عام. إنها معقدة للغاية، وتتغير القصة تبعًا لمن يرويها؛ ولكن ما يتوجب أن ننتبه إليه أيضًا هو: من لا يُسمح له برواية القصة؟ هذا ما نريد الوصول إليه. على سبيل المثال: الطريقة التي يُدرّس بها التاريخ العثماني في المدارس، وقد درست في مدارس تركية: هناك فراغ، وهذا الفراغ يُملأ دائمًا تقريبًا بحنين إمبراطوري متطرف قوميًا، وأحيانًا دينيًا متطرفًا، يتحدث عن عظمة إمبراطورية كنا عليها في زمان سالف، وأننا أينما ذهبنا جلبنا العدالة والحضارة معنا. لكن في اللحظة التي تبدأ فيها بالسؤال: حسنًا، ماذا عن قصص النساء؟ كيف كانت الإمبراطورية العثمانية بالنسبة لجارية من الحريم، أو فلاحة لا تملك سلطة أو نفوذًا؟ فلن يجيبك أحد. سيسود صمت مطبق. الأمر ذاته يتكرّر في اللحظة التي تبدأ فيها بالسؤال عن الأقليات: عن — ربما — طحان يهودي، أو فلاح كردي، أو مزارع عربي، أو بحار يوناني. كيف كانت الإمبراطورية العثمانية بالنسبة لهم؟ أو صائغ فضة أرمني؟ مجددًا، لن تجد سوى صمت مطبق. ولكن، دعوني أضيف سريعًا، لا يعجبني أن يحاول الكتاب الوعظ أو التدريس أو إلقاء المحاضرات، وأعتقد أن هذا أمر يجب أن نكون حذرين منه غاية الحذر.
ل. ي.: الأدب له هذه الوظيفة الديمقراطية فقط لأنه لا يرتكن إلى الوعظ. لو كان يعظ لفقد هذه الخاصة الجميلة. لو قلت للقارئ: "هكذا ينبغي أن ترى العالم، هذا هو الصواب، وهذا هو الخطأ" لأصبحت استبداديًا. وعندها، في الواقع، يفقد الأدب هذه القوة التي تمكنه من الاستمرار مع القارئ. لا أعتقد أن الكتاب ينتهي عندما ينهي الكاتب كتابته؛ فهو يواصل كتابة نفسه في استقباله من قبل الجمهور القارئ، وفي الطريقة التي يناقشه بها الناس، وفي الطريقة التي تغذي بها موضوعاته النقاشات المجتمعية والثقافية على نطاق أوسع. عندما صدر لي كتاب "حُرّة"، ظل الناس يرسلون لي هذه الصورة لـ[الرئيس التركي] أردوغان مع الكتاب خلال قمة لمناقشة معاهدة السلام بين أرمينيا وأذربيجان. إنه أمر مزعج نوعًا ما، وعلى مستوى ما، لأنك ترى هذا الكتاب، وتعرف كيف كتبته، وتعرف ما أردت كتابته، وكان كل شيء عن الحرية، ثم فجأة ترى مثل هذه الشخصيات معه. في كل مجتمع، يستولي بعض السياسيين على الفن من جميع الأنواع؛ لكنني أميل إلى القول: "نعم، ولكن هذا أيضًا جزء من قصة الكتاب". إنه (الكتاب، أي كتاب، المترجمة) مكان للغموض، ولدي أيضًا موقف غامض تجاه أي من كتبي؛ لا يعجبني كوني كاتبة تكتب عن ألبانيا، أو عن الشيوعية، أو عن معنى العيش في ظل الاستبداد ثم الرأسمالية. ما يميزها (أي الكتب، المترجمة) بالنسبة لي، وأنا متأكد من أنها كذلك بالنسبة لكِ، هو أنها مكان صغير يمكنك من خلاله إعادة بناء العالم. ألبانيا بلد كان تحت حكم الإمبراطورية العثمانية؛ لكن مدينتي، دوريس، كانت مدينة رومانية تضم أحد أكبر المدرجات في البلقان. كانت قبل ذلك مدينة يونانية، ثم بعد ذلك كانت مركزًا لبيزنطة، ثم احتلتها البندقية. لذا، في هذه المساحة التي تبلغ مساحتها 100 متر مربع في قلب المدينة، تجد آلاف السنين من التاريخ الأوروبي. أضحك دائمًا عندما أسمع نقاشات حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. حينها أتساءل: متى لم نتأثر بالاتحاد الأوروبي؟ متى تركتنا أوروبا وشأننا؟
أ. ش.: إنها تجربة صعبة أن تكون روائيًا تركيًا، وبالنسبة للروائية أعتقد أنها أثقل قليلًا لأنها تحتاج للتعامل مع طبقات إضافية من كراهية النساء وسلطة البطريركية الأبوية. لا أريد أن أرسم صورة قاتمة تمامًا؛ لكنني أريد أيضًا أن أكون صادقة: تُصفع على خدك، ويكون هناك دائمًا ذلك الألم، وفي الوقت نفسه تُقبّل على الخد الآخر لأن هناك كثرة ممن يقرأ لك. القصص مهمة حقًا، لا سيما في البلدان التي تتراجع فيها الديمقراطية: إذا كان بلد يتراجع ديمقراطيًا فمن المفارقات أن الأدب والفنون تزداد أهمية. لذا، هناك هذا الوجود المنقسم للغاية.
ل. ي.: لا أعرف إن كان من علامات العصر المحبِطة أن نشهد كل هذه النقاشات المثيرة للاهتمام في عالم الثقافة، والتي لا تنعكس حقًا في أي شيء يحدث في عالم السياسة حيث يكون الأمر في الواقع، إن وجد، على العكس تمامًا، حيث تسود السذاجة والرؤى الاختزالية والإقصائية. كيف يُعقل أننا لم نتمكن بعد من إيجاد طريقة لسد الفجوة بين عالمي الأدب والسياسة؟
أ. ش.: لا أستطيع أن أنسى أبدًا كوني مهاجرة في المملكة المتحدة. ولكن في الوقت نفسه أنا شخص يؤمن إيمانًا راسخًا بتعددية الانتماءات؛ لذا، بالطبع، كوني تركية يمثل مساحة كبيرة من عملي ومن هويتي؛ لكن بريطانيا منحتني الكثير أيضًا: منحتني اللغة الإنكليزية، وأنا أكتب بها منذ أكثر من 20 عامًا. كيف أنكر أنها منحتني شعورًا بالوطن؟ لكنني أود أن أعتبر نفسي مواطنة تنتمي إلى الفضاء الإنساني الأوسع، مواطنة عالمية، وهو أمر تم التقليل من شأنه كثيرًا في هذا العصر من الديماغوجية الشعبوية. قيل لنا إن من يكون مواطنًا عالميًا فهو مواطن لا ينتمي إلى أي مكان، وهذا أمر أريد أن أتحداه. أعتقد أن هذا خطأ. نحن نعيش في عصر بالغ التعقيد، وأمامنا تحديات عالمية هائلة، من أزمة المناخ إلى احتمالية ظهور جائحة أخرى إلى تفاقم وتوسيع فجوة التفاوت، وهذه التحديات تفرض ضرورة ومدى عمق ترابطنا العالمي. الأمر ليس نزوة ذهنية جامحة أو طائشة.
(*) أليكس كلارك Alex Clark: تعمل ضمن الطاقم التحريري لصحيفة "غارديان" البريطانية.
الموضوع المترجم أعلاه منشور في صحيفة "غارديان" البريطانية بتاريخ 30 سبتمبر/ أيلول 2025 ضمن باب الحوارات Interviews.
العنوان الأصلي للحوار باللغة الإنكليزية هو:
Literature can be a form of resistance: Lea Ypi talks to Elif Shafak about writing in the age of demagogues


تحميل المقال التالي...