}

عبير داغر إسبر: الكتابة محاولة لإعادة التفاوض مع الذاكرة

دارين حوماني دارين حوماني 23 ديسمبر 2025
حوارات عبير داغر إسبر: الكتابة محاولة لإعادة التفاوض مع الذاكرة
عبير داغر إسبر

 

هي مُجرّد صدفة قادتها من السينما إلى الكتابة، لكنها صدفة كشفت عن دقّتها في تفكيك العالم الذي تسير فيه، لتتحول رواياتها الخمس إلى مشغل بصري من نوع آخر يفيض بفهرسة فراغاتنا وتشكيلها، "تقلّص عالمي إلى أن تلاشى" و"ستتعلم بهدوء يومًا بعد يوم أنك رُميت في النسيان حيث لن تجد مكانًا لك سوى في الهوامش"...

دخلت الروائية والمخرجة السينمائية السورية/الكندية عبير داغر إسبر إلى عالم الرواية عبر عملها الروائيّ الأوّل "لولو" (2003) الذي فاز بجائزة "حنا مينة للرواية"، وتابعت عملها السينمائي كمخرجة مساعدة ومخرجة منفّذة مع هيثم حقي ومع يسري نصرالله ومع مخرجين كبار آخرين. كتبت وأخرجت عددًا من الأفلام الوثائقيّة والروائيّة من بينها مسلسل "العبور" (2013). ثم هاجرت إسبر إلى كندا التي كشفت لها كم أنها بين إثنيات سعيدة "من إثنية مكللة بالحزن، محمّلة بإرث من الأسى..."، كما تعبّر في روايتها الأخيرة "ورثة الصمت" (2024). وعبير لم ترث الصمت في هذه البلاد الباردة، بل ورثت الكتابة، فقبل روايتها الأخيرة كتبت "لولو"، "قصقص ورق" (2009)، "منازل الغياب" (2013)، و"سقوط حر" (2019).

لم تنجُ رواياتها من مكانها الأول (سورية) كما لم تنج من مكانها الثاني (كندا) حيث يتضخم الشعور بالاغتراب وذلك الصقيع الذي يبدأ من الخارج ليتسلل إلى داخلك ويصير جزءًا منك. هنا حوار معها.

(*) "أردت دومًا أن أكون مخرجة أفلام"، بداياتك مع الرواية جاءت بالصدفة، بعد كتابتك سيناريو فيلم "لولو" الذي حوّلته إلى رواية، وفزتِ بالجائزة التي رغبتِ بها لشراء كاميرا لإنجاز فيلم لك. هل هذا الفوز هو ما شجّعك على التعبير عن نفسك روائيًا، أم أن الابتعاد عن السينما له دوافع أخرى؟ 

الحقيقة لم أفهم دور القدر تمامًا إلا بعد، أو بسبب ما حصل لي بهذا الخصوص، أي انتقالي غير القصدي إلى كتابة الرواية. فأنا، وبعد خمس روايات، أعلن أنني لا أحب الكتابة. أعي معكِ كم يبدو هذا الإعلان مُدّعيًا، لكني لا أستطيع إلا أن أقوله كونه الحقيقة. فالحياة، القدر، الصدفة، سمّيهم ما شئتِ، مهّدوا طريق الكتابة، النشر، والجوائز، بينما أغلقوا بشكل "فجائعيّ السخرية" الطريق بوجهي كمخرجة سينما أو تلفزيون. حتى بتُّ أشك بأن هناك لعنة تحول بيني وبين هذه الصفة التي كلما لاحقتها، كلما تلاشت، أعد الآن لفيلم، ولا أخفيك، بين الرعب والسخرية، أعد نفسي لكل أنواع الكوارث، لكني لن أتوب! فأنا لم أسمع كثيرًا عن مخرجة أنجزت مشروعها الأول، ضخم الميزانية، مغاير الموضوع، الذي شاركها رؤيته معظم نجوم سورية حينها، ثم حُكم على ثلاثين حلقة تلفزيونية جاهزة للعرض بأن تُلقى في بلّاعة الزمن، بدون مبرّر، بدون سبب مقنع، ومن دون حماية أو غطاء قانوني أو أدبي. ثم ذهبتُ بشعور هائل بالخجل والخيبة والخذلان إلى ثلوج القطب، لأدفن أحلامي، أمانيّ، وذاتي هناك.
وهكذا، بلا معارف، بلا بطانة أصدقاء، بلا معارف ملائمة "كندية"، ظللتُ في حال هيولى، وأعدتُ التطبيع مع الفنون التي تأكل روحي، أعدتُ التعارف بالكلام، وأكملتُ مع الكتابة، بطِرة، غير ممتنّة.

كتبت إسبر وأخرجت عددًا من الأفلام الوثائقيّة والروائيّة من بينها مسلسل "العبور" (2013)


(*) في مقال لكِ في "العربي الجديد" بعنوان "خذ جائزتك واصمت"، تقولين: "على الجوائز أن تكون مختبرًا للأصوات الجديدة لا مقبرة لها. أن تكسر سطوة الناشرين الكبار عبر انفتاح حقيقي على كتّاب الهامش والمغمورين"، ثم تشبّهين الجوائز "بعروض سيرك يتفوّق فيها الضجيج، ويظل الأدب وحده هو الغائب الأكبر". مع إدراكنا لما قد يتخلّل الجوائز عربيًا وعالميًا من علاقات خاصة، هل يمكن القول إنه حكم قاسٍ نوعًا ما، غياب الأدب؟

هذا "التطرّف" فرضته كتابة المقال، حيث نريد من الواقع مثاليته ونحاكمه إن لم يكن كما نشاء. لكن اليوم، وأنا أكتب إجابتي كروائية، لن أخبرك سوى بالتسويات المسموح بها.

سأتحدث باعتباري "عبير داغر إسبَر" فقط. هذا الرأي والقناعة مُلزِمان لي أنا، ولا أفرضهما على آخرين، ولن أحاكم أو أنتقد أحدًا إن لم يفعل مثلي. وبعد هذا الإقرار أقول: أنا لم ولن أتعالى على الجوائز الأدبية، فقد قدّمت للحياة الأدبية ذاتي عبر جائزة. سأشارك في كل جائزة أقتنع بها، سألعب هذه اللعبة، لكن باعتبارها لعبة فقط.
لن أسمح لذاتي الكاتبة أن تكتب من أجل جائزة، أو على مقياس وشروط جائزة. ألعب هذه اللعبة من دون أن أسمح لرأي أي لجنة تحكيم، مهما كانت، أن يهزّ ثقتي بما أكتب، أو يشكّكني بمشروعي الروائي. لطالما قلت إني لا آخذ نفسي بجدية، لكني آخذ عملي بجدية مرضية. أعلم بدقة ما وراء كل خيار أدبي اتخذته. أفكّر بكل خطوة مشيتها. لا أذهب إلى التجريب كجاهلة، لكني، بالمقابل، قد أجلس لأيام وأنا أفكّر برأي ناقد جدّي أو صديق ذي ذائقة أحترمها إن وجّهوا لي ملاحظة.

لقد أمضيت الكثير من الوقت محلِّلة، ومخمِّرة، ومنتظِرة، وقارئة نهمة. لقد تسلّحت بالمعارف كي لا أعرّض ذاتي للشكل المزلزل. لهذا كله، ولا مرة شككتُ بما أفعل أو بقيمته. ربحتُ كثيرًا من الجوائز، وتقدّمتُ للكثير ولم ألفت نظر أحد. لكني لن أفصّل نصًّا على مقاس الجوائز، أنا أفضل من ذلك.

وعودة إلى المقال، كتبته بنزق كي أنقل هذه الروح "المحاربة، الرافضة" لكل كاتب في بداية طريقه. الجوائز شيء إيجابي بالضرورة، وأتمنى أن يكون بدل الجائزة عشرات. أعي أن الجوائز ليست مُغرِضة، وليست، كما يُشاع، صاحبة أجندة لتخريب الأدب، لكن، وألف خط أحمر تلك "لكن": إن حصلت لك فهذا عظيم، وإن لا… أكمل ما تفعل.

(*) في مقال لكِ "اكبر كي أراك" تقولين: "مع التقدّم في العمر، تصبح القدرة على النظر إلى الذات من دون محاكمتها ترفًا وجوديًا". هل هو ندم في مكان ما أم اعتراف بالعجز؟

هو كل ذلك. الآن، في أوائل الخمسين، لا أستطيع إلا أن أشتاق لذاتي المحاربة، النزِقة، الحانقة. أحب التبجّح، "سمة الشباب"، لكنك، "كشخص أخبر الكثير"، لا تستطيع أن تكون متبجّحًا من دون الكم الكافي من الجهل.

والآن أنا في مكان لا أستطيع أن أكذب ما حصّلتُ من معارف، فقد خبرتُ الكثير. والبيان الثوري رقم واحد، الذي كان متاحًا لي إطلاقه في البدايات، من خارج عائلة الكتابة والكتّاب، لم يعد متاحًا. فهذه العائلة، بمشاكلها، بقلة خياراتها، بانعدام مخيلتها، هي عائلتي، وأنا فرد منها. يقول إدوارد سعيد: بمجرد نشرِك كتابك الأول، تكون قد انضممتَ إلى عائلة الكتاب. ناسبك هذا أم لم يفعل.

(*) في روايتك "سقوط حرّ" ينتحر نبيل، وفي روايتك الأخيرة "ورثة الصمت" تبدأ الرواية بانتحار نانا. في الحالتين لعب المنفى دورًا في تراكم الأسى والشعور بأننا "لسنا بخير". هل هي رغبة بإيقاف عجلة هذا الأسى الذي يتطوّر يومًا بعد يوم، أم كما تقول "جانو" في "ورثة الصمت" عن إقدامها على الانتحار: "ما كنت بدي حلّ مشكلة، بدّي إدفنها؟".

رغبت نانا بدفن المشكلة. أرادت، ومن بعدها أنا، أن تقطع نسغ الحكاية، إذ لم تعد تتحمّل بذاءة تلك التركة، بذاءة هذا الكم من المعارف غير المرغوبة.




(*)
شخصيات رواياتك واقعية، تتحدث هذه الشخصيات عنك، عن الذين تحبينهم، عنا نحن. هل تنطلق الرواية من لحظة حقيقية يعيشها الروائي؟

نعم، غالبًا ما تنطلق الرواية من تجربة حياتية تحمل صداها داخل حياتي ذاتها. أتعامل مع ذاك الاعتراف كحالة تطهيرية، أو مادة اعترافية تمنح، ولو قليلًا، من السلام. أحب أن ألعب هذه اللعبة السردية بوعي، وعي يقوم على تحويل اللحظة الشخصية إلى لحظة متموضعة داخل النص، لا إلى سيرة يُعاد إنتاجها.

في هذه اللعبة أستخدم الذات بوصفها مرجعًا ثابتًا، ومادة قابلة للتفكيك والاختبار أيضًا. أتعمد تشبيك ذاتي مع الشخصيات، وأحيانًا أدفع باتجاه الذهاب نحو التطابق، باعتباره وصفًا إجرائيًا لاختبار حدود الهوية وزعزعة يقينها داخل الحكاية. أمنح الشخصيات اسمي أحيانًا، وأسوأ صفاتي أحيانًا أخرى، كي تتحول الشخصية الساردة إلى "أنتي-هيرو" تقاوم مثالية السرد وتكشف هشاشته ومركزيته الأخلاقية.

(*) يقول الراحل إسكندر حبش عن روايتك "ورثة الصمت": "الأهم هنا ليس البحث عن تشابه بين حياة الرواية والروائية، فالرواية تذهب إلى ما هو أعمق بكثير: إلى مفهومي الذاكرة والنسيان". هل الذاكرة هي التي تتلاعب بمشاعرنا، فنصبح ضحاياها، ثم أبطالها بعد تفريغ كل ما يؤلمنا كتابة؟

في "ورثة الصمت"، تُقدَّم الذاكرة لا بوصفها حنينًا أو أرشيفًا شخصيًا، بل كسلطة خفيّة تمارس فعلها على الشخصيات، وتعيد تشكيل مصائرها من الداخل. السؤال هنا ليس ماذا نتذكّر، بل كيف يحكمنا ما نتذكّره، وكيف يصبح التذكّر فعلًا إكراهيًا لا اختيارًا حرًا.

شخصيات الرواية تعيش تحت ثقل ذاكرة لا تهدأ، ذاكرة موروثة، متراكمة، تُستدعى لتمارس سيطرتها وتفرض حضورها، فتجعل الذات أسيرة توتر دائم بين الرغبة في التمسك بالماضي بادّعاء أنه يحمل معنى ما، والحاجة إلى النسيان بوصفه شرطًا أوليًا للاستمرار أو للنجاة.

الكتابة، في هذا السياق، لا تأتي بوصفها خلاصًا ولا تطهيرًا نهائيًا، بل كمحاولة لإعادة التفاوض مع الذاكرة: تفكيك سلطتها، تعريتها، والحدّ من عنفها الرمزي. لا يتحول السارد أو الشخصيات إلى أبطال بعد الكتابة، بل إلى ذوات أكثر وعيًا بثقل ما تحمله، وأكثر قدرة على تسمية الألم بدل الارتهان الصامت له. بهذا المعنى، تصبح الكتابة ممارسة وجودية لمقاومة هيمنة الذاكرة، لا انتصارًا عليها.

(*) يتحدث حبش في المقال نفسه عن ألم المهاجر، قائلًا: "إشكالية المهاجر أنه لا ينسى، بل يعيش في الماضي دومًا. كلّ ما يفعله ليس سوى محاولة لردم هذه الهوة التي تفصله عن ذكرياته". برأيك، متى يتوقف المهاجر عن الإحساس بـ"العري المكاني" واستعادة الماضي، أم أن الألم ناجم عن عناصر أخرى أيضًا، كما في قولك: "منذ أن وطأ الثلج عاش يتمه من جديد"، و"أشعرته الفرنسية بغربة لم تماثلها غربة؟".

في "ورثة الصمت" لا يرتبط ألم المهاجر بالماضي وحده، بل بانكسار العلاقة مع المكان الجديد. العري المكاني ينشأ من فقدان الوطن، إضافة إلى فقدان الإحساس بالاستقرار الرمزي، حين يفشل المكان الجديد في احتضان الجسد واللغة والذاكرة معًا.
الثلج، واللغة الفرنسية، والمدينة الحديثة، لا تُقدَّم كخلفية محايدة، بل كعناصر تعمّق الإحساس بالاقتلاع، وتعيد إنتاج اليتم بصيغة مغايرة، تقترب من الجِدّة. ربما قراءة حداثية تتبع مفاهيم الاقتلاع، والمحو، والكولونيالية المنحشرة في روحية هذا المهاجر أو اللاجئ، الذي يعيد إنتاج حكايته بعناصر مغرقة في اللافردية، فهي حكاية أمة أو أمم.
المهاجر في الرواية يعيش في الماضي لأنه يريحه، يفهمه، ويركن إلى إجاباته، كون الحاضر لا يمنحه ما يكفي ليحلّ بتفاصيله مكان الحكاية الأولى، لإكمالها أو استبدالها. تحضر الذاكرة هنا بوصفها حنينًا، وآلية دفاع، وبأضعف أدوارها كمحاولة لترميم ذات مهددة بالذوبان.

لا يتوقف هذا العري حين ننسى، بل حين نستطيع إعادة التفاوض مع المكان الحديث، وخلق علاقة أقل عداءً معه. وحتى ذلك الحين، يبقى الألم ناتجًا مُصفّى عن تضافر الذاكرة، واللغة، والجسد، والجغرافيا، لا عن الماضي وحده.




(*)
على امتداد الرواية، هناك اقتباسات من أراغون، وبريخت، وجاك بريل، وصولًا إلى هوميروس وغيرهم الكثير. ما الذي تريدين قوله من هذه الاقتباسات؟ وهل هؤلاء الأدباء شركاء غير مرئيين لنا؟

في "ورثة الصمت"، تأتي الاقتباسات بوصفها فعل مقاومة للعزلة، ومحاولة واعية لكسر القطيعة التي يفرضها الألم الفردي والمنفى. ما أريد قوله هو أن حكايتنا جزء من الضمير الجمعي للبشر، وأننا مجرد خصلة شعر من تلك الجديلة المضفورة على كتف التاريخ.

عبر هذه الأصوات، لا أقف وحيدة داخل الحكاية، ولا أترك شخصياتي معزولة داخل مصائرها، بل أضعها في حوار مفتوح مع تجارب إنسانية سابقة وموازية. الاقتباس يمثّل ذاك الفائض المعرفي، والترف الثقافي؛ إنه جسر يمدّ جسد الكلام بين الأزمنة واللغات، ويؤكد أن ما نعيشه ليس انقطاعًا تامًا ولا سقوطًا خارج المعنى.
هو طريقة للقول إن الألم، حين يشتبك مع الماضي أو الحاضر لغويًا وجماليًا، يفقد شيئًا من قسوته، وإن الكتابة، عبر هذا التشابك مع أصوات الآخرين، تتحول إلى شكل مُفعَّل عالي الانتماء، ليس بحاجة إلى اعتراف أحد. 

(*) تتحدثين بحزن عن أطفال كندا وأطفال بلادنا: "مونتريال الهادئة حيث يتذمّر الأطفال لأنهم أهدروا الآيس كريم على الرصيف، بينما تُهدر الحياة بحالها على أرصفة أخرى"، ومونتريال "لا شيء روائيًا حولها، عشتُ مجددًا دون أخبار عن قتلى تحت أشجار البساتين". هل هذه المقارنة مجرد رصد إنساني، أم إدانة صريحة لعالم يعتاد مشهد الفاجعة في أماكن بعينها؟

لا أؤمن بالإدانات المباشرة، ولا أكتب من موقع الاتهام الأخلاقي. ما يحضر هنا هو التناقض، أو البارادوكس، بوصفه تجربة معيشة تصل حدّ القسوة. المقارنة ليست مقصودة بوصفها مفاضلة بين أمكنة أو شعوب، بل تنشأ تلقائيًا من الاحتكاك اليومي بين جغرافيتين غير متناظرتين.

في مونتريال، يصبح الاعتيادي هو الهدوء، وغياب الأخبار، وطمأنينة التفاصيل الصغيرة، فيما تأتي الذاكرة محمّلة بصور لأماكن أخرى اعتادت الفاجعة حتى فقدت قدرتها على الصدمة. هذا التفاوت لا يُنتج إدانة بقدر ما يكشف خللًا عميقًا في عدالة اقتسام الألم أو الحياد عنه، حيث اعتاد العالم أن تكون المأساة "خارجنا"، نحن العالم الحديث، وأن تحضر غالبًا مشهدًا مرميًا في جغرافيات بعينها دون غيرها.
المفارقة هنا ليست لعنة الهويات وحدها، بل لعنة الجغرافيات أيضًا: أماكن تُستهلك فيها الحياة حتى تفقد قيمتها كخبر جدير بالرواية، وأماكن تُحمى فيها التفاصيل اليومية حتى في أقصى بساطتها، كي لا يطاولها اعتياد البشاعة أو خدر الألم.

(*) كما في كل رواياتك، الأحداث الشخصية مرتبطة بأحداث جماعية، بحجم الألم الذي مرّ على سورية تحديدًا. تقولين: "مات السوريون كثيرًا، ماتوا طويلًا". هل الموت هنا موتان، الموت الأول جسدي، والثاني نفسي؟

في رواياتي، لا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق الجماعي، لأن الألم نفسه لا يعيش في عزلة. حين أقول: "مات السوريون كثيرًا، ماتوا طويلًا"، فأنا لا أصف موتًا واحدًا يمكن الإحاطة به أو الحداد عليه. هناك موت جسدي واضح، نهائي، لكنه ليس الأثقل دائمًا.

الأثقل هو ذلك الموت البطيء الذي يسبق الجسد أو يليه: موت المعنى، وموت الإحساس بالأمان، وموت القدرة على تخيّل مستقبل طبيعي. هذا الموت الثاني ليس نفسيًا بالمعنى العلاجي للكلمة، بل وجودي. هو استنزاف متواصل للذات، وتعايش قسري مع الخوف، وتطبيع مع الفقد إلى درجة يصبح فيها البقاء نفسه فعلًا مُرهقًا.
في هذا السياق، لا يعود الموت حدثًا استثنائيًا، بل حالة ممتدة، زمنًا يُعاش. شخصياتي لا تموت دفعة واحدة، بل تُستنزف، وتُرهق، وتُسحب منها طبقات الحياة تدريجيًا، وهذا ما يجعل الألم جماعيًا بقدر ما هو فردي، وممتدًا بقدر ما هو فاجع.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.