}

وداد حلواني: المخطوفون والمفقودون ألم لا ينتهي

منى سكرية منى سكرية 24 ديسمبر 2025
حوارات وداد حلواني: المخطوفون والمفقودون ألم لا ينتهي
وداد حلواني (تصوير محمد سلمان)

لم ترحم الحرب الأهلية أحدًا من ساكني البقعة الجغرافية في لبنان (1975–1990)، كما في كل الحروب التي تقع في أي بقعة من العالم، وإبادة غزة نموذجها؛ فأصابت من مختلف الجنسيات المقيمة على أرضه بين قتيل وجريح وإعاقة مستدامة، و17 ألف مخطوف ومفقود لم تُغلق ملفاتهم بعد، ولا تُعرف مصائرهم. أمّا تأثير الفقدان الغامض على عائلاتهم – هذا المصطلح الذي ابتكرته عالمة النفس الأميركية بولين بوس – فله تداعيات لا تشبه سوى عالم البرزخ. في هذه المقالة نستذكر مرور 43 عامًا على ولادة "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين قسرًا في لبنان" يوم 24/11/1982.

ثمّة تبدلات في الأدوار الاجتماعية للرجال والنساء غيّرت أحوال أهالي المخطوفين والمفقودين قسرًا. لقد فرضت يوميات الحرب أجندتها على المواطنين، وأدخلتهم في دوامة العبث، والانخراط في متاهات الغامض من حكاياها، إلى أن انتهت إلى غموض مماثل في عام 1990: فالقتلى إلى مثواهم الأخير، والجرحى وذوو الاحتياجات الخاصة إلى حياة جديدة لم يختاروها، والمخطوفون والمفقودون والمختفون من مختلف الطوائف والمناطق إلى اللاجواب عن مصائرهم، أمّا عائلاتهم فإلى أجندة قلبت حياتهم رأسًا على عقب. عليهم وقعت الحكاية والصدمة، وإمكانية التأقلم مع هذا الظرف الأليم فوق القدرة على الاحتمال والتحمّل، خاصةً وأن عفوًا عامًا قد شمل مرتكبي الحرب الأهلية، لا بل إن هؤلاء تصدّروا المشهد السياسي بمسؤولياته في الدولة، لا بل ساهموا في "طمس" هذا الملف لإخفاء ما ارتكبه بعضهم باليد، أو بالتحريض، أو بالصمت، وما زالوا يحاولون طمس هذه القضية الإنسانية. لكن قابلهم عنادٌ أصلب، فكانت "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين قسرًا في لبنان" قبل 43 عامًا، وتصفها وداد حلواني برحلة الزحف على الزجاج.

في هذه المناسبة/ الذكرى، أجرينا هذا الحوار مع رئيسة اللجنة وداد حلواني، التي أصدرت كتاب تجربتها بعنوان "ذاكرة لا تمضي" (دار الساقي). كما حثّت 15 من زميلاتها بالمحنة على أن يكتبن شهاداتهن، وصدرت في كتاب بعنوان "طواحين الهوى" (دار نلسن)، تضمّن كامل الوجع المؤلم والأوجاع المقيمة… ووعدتنا بالتحضير لكتاب جديد.




1982/9/24 
ذاك اليوم… وهذه الأيام

(*)  سأبدأ أسئلتي من ذاك اليوم، وهذا اليوم والأيام؟

عن ذاك اليوم سأحكي، أمّا عن هذا اليوم وهذه الأيام فسأحكي وأعتب وألوم؛ لأنه بعد 43 عامًا لم يسألنا أحد عن أحوالنا، وكيف تمرّ أيامنا، وكيف نتعاطى مع أفراد عائلاتنا، وكيف نتدبر أمورنا في الحياة. لم يقترب أحد ليسمع دقّات قلوبنا، ليستمع إلى معاناتنا وكوابيس ليالينا، كأننا وُجدنا في هذه الدنيا لنكون أهالي مفقودين، وليكون أولادنا أولاد مفقودين. ما أصعب أن تنتظر أحدًا لا يأتي، ولا تستطيع أن تقول له وداعًا. ولكم أن تتخيّلوا معاناتي وأنا أتابع إبادة أطفال وأهل غزة في الحرب الإسرائيلية المجنونة عليهم.

أمّا حادثة خطف زوجي عدنان حلواني فقد أطلقت عندي بداية رحلة أقسى وأمرّ وأوجع من الزحف على الزجاج. كانت رحلة متراصّة متدافعة من لحظات زمنية راحت تدور بسرعة، وترسم أيام حياة لم تعد تشبه الحياة. كانت كل خطوة للبحث عن عدنان تدفعني شعرةً إلى الأمام للتعرّف إلى نفسي. كان ذاك اليوم بتاريخ 24 أيلول/سبتمبر 1982 أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وبُعيد ارتكاب هذا العدو وعملائه من القوات اللبنانية وحزب الكتائب مجزرة صبرا وشاتيلا أيام 15 و16 و17 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه. كان 24 أيلول/ سبتمبر يومًا تاريخيًا مفصليًا في حياتي، إلى أن اكتشفت لاحقًا أنه كان يومًا مفصليًا وتاريخيًا في حياة مئات وآلاف النسوة أمثالي من أمهات وزوجات وأخوات وبنات رجال اختطفتهم ميليشيات الحرب الأهلية في لبنان.



(*) كيف وُلدت لديك فكرة تأسيس اللجنة؛ ما جعلنا نطلق عليك صفة النملة التي حفرت في الصخر؟

ذات ليلة غدرني النوم وأنا مسترسلة في استعراض شريط جولاتي على المسؤولين، فاستوقفتني عبارة تكررت على مسامعي على لسان أكثر من واحد منهم: "في غيرِك مثلك إجوا تشكّوا" (من شكاوى). عندها لمعت الفكرة في رأسي بضرورة التعرّف إلى امرأتين أو ثلاث نساء مثل حالتي، لربما نصبح أكثر تأثيرًا عند مطالبة المسؤولين، ونُجبرهم على رفع مستوى الجدية والفعالية أكثر للعمل على الإفراج عن أحبائنا. لم أفرّط بهذه الفكرة، وتوجهت صبيحة اليوم التالي إلى إذاعة صوت لبنان العربي القريبة من مكان عملي، في زمن كانت الإذاعات الخاصة تملأ الأثير، وطلبت من الشخص المسؤول توجيه نداء يدعو بموجبه كل من فقد شخصًا إلى لقاء تعارفي أمام جامع عبد الناصر في كورنيش المزرعة/ بيروت. حدّدت تاريخ اللقاء والتوقيت وفق ما يتناسب مع انتهاء دوام عملي في التعليم في الثانوية الرسمية. أمّا أمنيتي المُضمرة فكانت أن تكون السيدات اللاتي سيلبّين النداء أطول قامة وأكبر حجمًا مني، وينتعلن أحذية نسائية بكعوب عالية لإضفاء الجدية والوقار، ظنًّا مني أن قامتي الصغيرة لا توفرهما؛ إذ إن طولي 155 سنتمترًا ووزني 43 كغم.

كان المشهد مذهلًا ومخيفًا قبل ظهر 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1982. فالسيدتان أو الثلاث اللاتي توقعت حضورهن جئن بالمئات، يرافقهن عدد من الأطفال. سألت نفسي: هل أنهن أتين للتعارف على بعضهن وفق ما جاء في النداء؟ وسرعان ما تبيّن أنهن قدِمن للشكوى على ما حلّ بهن من اختطاف الزوج أو الابن أو الأخ أو مجموعة من أفراد العائلة. نعم، مجموعة من أفراد العائلة. هذا ما عانته أم عزيز الفلسطينية، أمّ أربعة شبّان إخوة خطفوهم في يوم واحد، وقد ماتت بحسرة لأنها لم تُكحّل عينيها برؤيتهم.

وداد حلواني خلال تنظيم معرض "خط زمني" عن المخطوفين   


(*) من هذا اللقاء ترجمت فكرتك بتأسيس لجنة للمتابعة؟

نعم، بعد مرور شهرين على خطف حبيبي عدنان، وجدتني مع شبيهات لي نجوب الشوارع والساحات، ونطرق أبواب المسؤولين بحثًا عن مئات وآلاف من خُطفوا وفُقدوا. لم أتوقع أن تتحوّل رحلة البحث بمفردي عن عدناني إلى البحث عن المئات فالآلاف من أمثاله. هذا ما سمّيته رحلة الزحف على الزجاج. في صباح 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1982 أطلقنا تأسيس لجنة المفقودين والمخطوفين في لبنان، بعد أن تنادينا وتجمعنا ومشينا. هكذا كانت أول حركة نسائية عفوية احتجاجية سلمية تخرج من رحم الحرب الأهلية ضد الحرب، وخرقنا حالة الطوارئ المُعلنة يومها في البلاد، ونظمنا تظاهرات باتجاه السرايا الحكومي. نعم، نحن نسوة الحرب شكّلنا طائفة مميزة، عابرة للطوائف في بلد اقتتال الطوائف. نحن نسوة الحرب فئة دمنا ليس الصبر فقط. فعندما زارتنا لاورا بونابرت، رفيقتنا الأرجنتينية وإحدى مؤسِّسات "تجمّع أمهات ساحة أيار"، أو ما يُعرف بـ"مجنونات ساحة أيار" في الأرجنتين، للاطمئنان عنّا، قالت لحكّامنا: "المفقودون ألم لا ينتهي، والصمت أداة تعذيب".

(*) أذكر جيدًا مشهد تعرّضكن إلى الضرب بالهراوات من قوى الأمن...

تعرّضنا إلى الضرب بهراوات رجال الأمن. كنا نملك الإرادة، الإرادة الوحيدة التي لا أدري كيف حافظتُ وحافظنا – نحن المئات وآلاف النسوة – على توهّجها والتماعها كحدّ سكين مشحوذة. لقد أرغمتنا رحلة البحث الطويلة على تلمّس الحقيقة، ومعرفة ما يدور حولنا وما يخيّم على حيواتنا. مع كل خطوة من خطواتها الموجعة تعرّفنا إلى نوعيات ومعادن رجال دولتنا، ورجال الأحزاب والميليشيات، كما تعرّفنا إلى أنفسنا، واكتشفنا كم تغيّرنا، وكم زادت ثقتنا بأنفسنا.

(*) لو أنك تحكين للقارئ نماذج عن تعاطي هؤلاء المسؤولين مع قضية بهذا الحجم الإنساني؟

لا ولن أنسى، ولن أتراجع عن اتهام قاضٍ كبير بشراكته في جريمة اختطاف حبيبي عدنان وإخفائه، مع أنه كان بمقدور ذاك القاضي، ومن موقعه كمفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، أن ينطق بكلمة واحدة، وكاد أن يفعل؛ كلمة واحدة تحدد مكان وجود عدنان وتوفّر عليّ شقاء عشرات السنين. لكنه سرعان ما تراجع، واستردّ من يدي قصاصة الورق تلك، "إذن الزيارة"، ومزّقها بحركة عصبية إثر وشوشة هاتفية شيطانية صبغت وجهه بالأحمر، وصادرت سلطته وسطوته، ليأتي صوته خافتًا: "عذرًا مدام، زوجك مش عنا". كان ذلك بتاريخ 4/3/1984. لقد أخفى ذاك القاضي غير النزيه وغير الشريف عني المعلومة. وعندما توفي وصفوه بأنه رجل النزاهة والعدالة!

شخص آخر التقيناه كلجنة، وكان رئيسًا للجمهورية في خمسينيات القرن الماضي، وصار زعيمًا أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وقاد ميليشيا مسلّحة؛ إذ عندما التقيته مع وفد النساء لم يتورّع عن إعطائنا اسمًا لأحد أقاربه، راجيًا منّا إضافته إلى لائحة المخطوفين! أصابنا الذهول حينها، وقلت: كيف أن رئيسًا وزعيم ميليشيا يستجدي زوجة مفقود لمساعدته؟! كم إنها نكتة سمجة برسم التاريخ. وللتاريخ أيضًا سمعنا اعترافًا من العيار الثقيل قاله لنا زعيم "وطني" حرفيًا وبلهجته العامية: "اللي خطفوا لي ياهن قتلوهن، واللي خطفناهن قتلناهن، فما حدا يطالبني بمخطوف وأنا ما راح طالب بمخطوف"!



(*) ماذا عن متابعاتك في فترة السلم بعد إقرار اتفاق الطائف عام 1990؟

سأحكي عن نموذج آخر، عن نقاش دار في مجلس النواب (البرلمان) لإقرار مشروع قانون المخطوفين والمفقودين بتاريخ 12/11/2018، بعد نضال عقود من العذاب والسنوات والجهد والصبر والتحدي والتحرّش. في تلك الجلسة ناقش نواب المجلس القرار وتوصلوا إلى إصداره تحت الرقم 2018/105. ولكن إلى الآن لم يُنفَّذ منه أي شيء. في تلك الجلسة انفلتت ألسنتهم من قواعد فن الخطابة التي تدرّبوا على إتقانها. عقول بعضهم خرجت من مطارحها. كثر تحسّسوا رؤوسهم. والصراخ تسيّد المجلس، متفوّقًا على مطرقة رئيسه. لم نعد نعرف "بي مين أقوى من بي مين" في خضمّ بازار التراشق بالاتهامات لمن كان أكثر إجرامًا خلال الحرب. منهم من اعتبر أن إقرار مشروع القانون الرقم 2018/105 هو مشروع حرب جديدة! ومنهم من استهجن المادة 37 من القانون لأنها تطاول رؤساء ووزراء ونوابًا سابقين، وأنها تُعرّضهم للسجن. ومنهم من أبدى خشيته جرّاء الكلفة العالية التي ستترتب، مدّعيًا الحفاظ على خزينة الدولة المفلسة، متستّرًا على الكلفة الأعلى التي تُدفع يوميًا خدمةً للدين العام. لقد أظهرت تلك الجلسة حقيقة مواقفهم واستخفافهم بمصائر المخطوفين والمفقودين ومعاناة ذويهم.

وداد وعدنان حلواني


(*) من هو عدنان حلواني الذي أسهمت جريمة اختطافه بكشف خبايا العفن السياسي، وتحوّلت قضيته إلى مسار لمئات وآلاف أمثاله مجهولي المصير؟ وكيف حصلت عملية اختطافه؟

عدنان حلواني أستاذ تعليم في "ثانوية رمل الظريف الرسمية"، تم اختطافه بتاريخ 24 أيلول/سبتمبر 1982. هو أب لطفلين: زياد، وكان عمره 6 سنوات يوم اختطاف والده، وغسان 3 سنوات. ظهر ذلك اليوم يُدقّ الباب، يطلب عدنان من زياد أن يفتحه. عاد وقال: "بابا في ناس بدهم ياك"، ويعود بسرعة ليتابع فيلم كرتون. المطبخ قريب من مدخل البيت. لم أسمع من الحوار الدائر إلا آخره: "لحظة حتى خبّر زوجتي". أتوجه نحو الباب لأدعو الشخص الزائر إلى الدخول ومشاركتنا الغداء، ومن بعدها يذهبان معًا، ظنًّا مني أنه جاء ليخبر عدنان بموعد ما يقتضي خروجه. لكنني أتفاجأ برأس عدنان مُحاصرًا من الجهتين بمسدسين. لم أصدق، ولم أستوعب المشهد. صرخت: "مين إنتو؟ شو بدكن؟ نزّلوا سلاحكن!". أجابني حامل المسدس: "لا تخافي مدام، نحن الدولة. تحقيق خمس دقايق وبيرجع، لا داعي للقلق". قلت: "أي تحقيق؟ وشو بيثبت لي أنكم الدولة؟". فأخرجوا بطاقتين، واكتفيت برؤية علم لبنان عليهما، وسألت: "تحقيق عن ماذا؟"، -"تحقيق صغير بحادث سيارة". كنت متأكدة أنه مجرد حجة، وأنه لم يحدث أي حادث سيارة. فسألت عدنان لمزيد من التأكد، فأجابني: "ما تخافي وداد، هيدي الدولة ورح أرجع، أنا بعرف".

(*) تابعتِ بدَأَب لا يوصف أنتِ ورفيقاتك باللجنة، لو أنك تخبرينا عن مآسي بعضهن؟

خزّان ذاكرتي لا ينسى مشاهد بعض حاملات الصور، رفيقات درب العذاب طوال مسيرة اختتمت عقودها الأربعة ونيف بسنوات ثلاث. من واجبي تقديم احترامي لجهودهن، وتضامني مع حرقتهن التي هي حرقتي ووجعي. فالصورة شكّلت بديلًا عن ضائع. أتذكر أم نبيل وصورة ابنها، والتي توفيت قبل أن تعرف مصيره، وأم محمد الثمانينية التي حملت البرواز أكبر من حجمها، وأم عزيز، وأوديت سالم التي انتقلت إلى الإقامة في خيمة أهالي المخطوفين والمفقودين في حديقة جبران خليل جبران، أمام مبنى الإسكوا التابع للأمم المتحدة وسط مدينة بيروت عام 2005، واصطحبت معها صور وحيديها المخطوفين ريشار وماري كريستين، وعلّقتهما على أحد جوانب الخيمة. ويومًا بعد يوم بدأت تنضم إليهما صور مفقودين آخرين. صارت أوديت صديقة ناس الصور. ماتت أوديت دهسًا تحت دواليب سيارة مجنونة أثناء اجتيازها الشارع باتجاه الخيمة، وكان لموتها المأساوي والصادم وقع الكارثة علينا جميعًا.

عن أم عزيز ديراوي، يوم 17 أيلول/ سبتمبر 1982 تغيّر مجرى حياتها إثر اختطاف أربعة من أبنائها: عزيز، وإبراهيم، ومنصور، وأحمد. لم تفارقها صورهم، بل هي فارقت الحياة في ذكرى مرور أربعين عامًا على اختطافهم وفقدانهم.

(*) ماذا عنكِ، عن عملكِ، وطفليكِ؟

حكايتي مع طفليّ مريرة لجهة صعوبة اختلاق الكذب الأبيض يوميًا لتبرير غياب والدهم، لأنها مسألة مثيرة للأعصاب، وتمسّ الجوانب العاطفية والتربوية. أمّا الفقدان الغامض فله في علم النفس تفسير مُرّ، أمّا عند وداد حلواني وأمثالي فهو ألم دائم، وصبر، وتحدٍّ. كنت وداد مراد، وصرت عدة ودادات: وداد حلواني الأولى، وداد الثانية التي أخذت تحكي خبر خطف حبيبها وعن طفليها، وكانت تتدرّب على رسم ابتسامة جزلة على وجهها عندما تلتقيهما بين كل رحلة بحث وأخرى، وداد الثالثة التي راحت تفتّش عن سيدات مثلها، وداد الرابعة أستاذة مادة الجغرافيا في "ثانوية فخر الدين الرسمية" التي تمارس عملها بانتظام. لكنني تمكّنت بعد ذلك من الانتقال إلى العمل في وزارة التربية، ثم في رئاسة مجلس الوزراء، إلى أن بلغت سن التقاعد. لكنني لم أتقاعد، ولم أتقاعس عن رحلة البحث عن حبيبي عدنان، وعن مئات وآلاف المخطوفين والمفقودين.

حوّلنا قضيتنا إلى مسألة مواطنة ووطن، وكي لا ننسى، ولكي تُذكر الحرب الأهلية، وألّا تُعاد. أمّا من أنا؟ فأنا لا أرملة ولا مطلقة، لكنني بقيت ابنةً، وأختًا، وكنّةً، وأمًّا، وجدّةً، وصديقةً، وأستاذةً، ورئيسة دائرة. بكلمة واحدة، بقيت إنسانة.

***

يقول المثل الشعبي: "الجمرة ما بتكوي إلا مطرحها"، وعليه يمكننا القول إن ملفًا بهذا المستوى من المعاناة والقهر والخوف والقلق، والعيش على شائعات تثير عواصف الجراح، كاد ليكون منسيًا في الأدراج لولا صلابة واستمرارية أهالي المخطوفين والمفقودين في المثابرة؛ لأن العنف النفسي الذي كابدوه لم يَحْمِهم، والوصول إلى نتائج ملموسة تشفي غليل أسئلتهم لم يحصل بعد. فقضيتهم ما تزال معلّقة، وما يزال أهاليهم معلّقين على أمل وآمال ووعود.

ولنا أن نستدعي الصورة… صورة ما هم عليه. ألم تصف سوسن مرتضى بأدق كلمات التعبير الحال السرابية التي يعيشها أهالي المخطوفين والمفقودين والمختفين قسرًا عندما كتبت شعرًا بعنوان "لا ضليت ولا فليت" (أي لم تبقَ ولم تغادر)، وقد أدّته غناءً شانتال بيطار، ولحّنه أحمد قعبور؟ ألم يختصر غسان عدنان حلواني شريطه الوثائقي بذلك العنوان القاصم لظهر المعاناة: "طِرَس – رحلة الصعود إلى المرئي"؟

تلك العلاقة الجدلية بين المكتوب والممحي… بين الوجود غير المرئي للشخص المخطوف أو المفقود أو المخفي قسرًا… لكنه المرئي بقوة فعل الاختطاف والفقد والإخفاء القسري.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.