}

وسام الدبوني: البيئة عامل مهم مؤثر في الفنان

علي لفتة سعيد 28 ديسمبر 2025
حوارات وسام الدبوني: البيئة عامل مهم مؤثر في الفنان
وسام الدبوني

 

في كل قطعة فنية ينجزها، ثمّة ما يشبه الاكتشاف الأوّل. فنانٌ تسكنه الأشياء، تتأمّلها عيناه فتغدو عناصر خزفية ونحتية. وسام الدبوني (العراق) من أولئك الذين يمازجون بين الفكرة والعمل، ليحولوها إلى مجسّم نحتي، حيث تشاء الفكرة أن تصنع جسدها. قد يُكدّسها، أو يُفرّقها، أو يجعلها في حوض من الرؤية، تتنقّل فيه المعاني اللونية إلى تأويل بصري فريد.
الطبيعة محور رؤيته، والإنسان فاعلها، والصراع دَيْدنه في تأطير ما يعانيه، لأن الفنان ــ في رأيه ــ ليس مرآة المجتمع فحسب، بل هو الصائغ لخطوط الأفكار التي لم يرَها المتلقي، ليضعها أمامه مجسّدة ومرئية. فيتحوّل المكان إلى عنصر من عناصر التكوين. هنا حوار معه:

(وسام الدبوني) 


(*) ما الذي جاء بك إلى الفن؟
الفن التشكيلي يُمثّل طريقة للتعبير عن الأفكار والمشاعر والتجارب الإنسانية، عبر عدد من الوسائل. وهو استدعاء للغوص في مشاعر وأحاسيس النفس البشرية، تلك التي تنبع من البيئة التي احتضنت الفنان. كما يتيح للفنان التعبير عن مشاعره الداخلية، سواء كانت فرحًا، أو حزنًا، أو غضبًا، بطريقة بصرية فريدة. وجدت ضالتي في الفن التشكيلي، كما وجدها الشاعر والكاتب والمسرحي والقاص في نقل أحاسيسه ومشاعره للمجتمع عبر الكتابة. أنا لا أرى نفسي من دون الفن. وفي شعورٍ شخصي، أراه متنفّسي الوحيد من ضجيج الأجواء المحيطة بي، ومنفذًا لتفريغ الطاقة السلبية المخزّنة داخلي.
اكتسبت موهبتي منذ الطفولة، من عائلتي أولًا، عن طريق عمّي المرحوم الأستاذ عبد الأمير (أبو قيس)، حيث كان ملاذي الوحيد هو العبث بأدوات الرسم لديه: عُلب ألوانٍ متنوّعة، وكثير من الفُرَش. كان كل شيء مباحًا لديّ في أمور الفن، خصوصًا وأن والدي كان مسجونًا من قِبَل النظام السابق، كونه معارضًا له آنذاك.

(*) هل هنالك تأثير للبيئة على المخيّلة وطريقة الرسم؟
نعم، البيئة من العوامل المحيطة المهمّة التي تؤثر في الفنان بشكل أو بآخر، وتُعزّز مداركه الحسيّة، إذ تُشكّل مصدرًا لا يُستهان به من الإحساس والإلهام الفني. البيئة ــ سواء المادية أو الاجتماعية أو الثقافية ــ تؤثر على الطريقة التي يُفكّر فيها الفنان، وتنعكس في أسلوبه الفني. منذ الصغر، ترعرعتُ في منطقة جميلة تُدعى "محرم عيشة"، تغفو على ضفاف نهر الفرات في مدينة الهندية، في بيتٍ شرقيّ جميل. كان في جوارنا رجل كبير في السن يُدعى (أبو غازي)، يعمل مزارعًا، وكان يمتلك محراثًا (كاروبة). وعندما يعود من المزرعة، تكون إطاراته الكبيرة محمّلة بالطين الممزوج. كنت أنتظره وأنا في السادسة من عمري، لألتقط هذا الطين وأصنع منه مختلف الأشكال من الحيوانات وأواني الطبخ. كنت أتركها تحت الشمس لتجف، ثم أُدخلها في تنّورنا الطيني القديم. منها ما يصمد، ومنها ما يتحطّم. وهكذا بدأت أناملي تستشعر الطين وتُشكّله. كنت أُلاقي التوبيخ مرة، والتشجيع مرات. ومن هذا الخزين الفكري، بدأ طريقي الفني، وتحديدًا شغفي بالنحت.
كانت صور ومفردات الحياة اليومية تملأ مخيّلتي، مثل "العربانة" التي يقودها عادة رجلٌ كبير في السن. حتى آخر معرض لي، استخدمتها في أعمال وأفكار مختلفة. كما كان بيت جدّي (الحاج رؤوف الدبوني) قريبًا من الشاطئ، حيث الزوارق ترسو على ضفاف الفرات، ويداعبها موجه. هذه الصور لا تزال مطبوعة في ذاكرتي، وقد رسّختها في أعمالي الفنية، خاصة في معرضي الأخير.

(وسام الدبوني) 


(*) أمام تعدّد المدارس الفنية، كيف ترى هذا التنوع والاختلاف؟
يُعدُّ الأثر الفني العراقي من البصمات الكبيرة والمؤثّرة في عالم الفن، فهو امتداد لحضارةٍ فكريةٍ عريقة، ومنجزٌ يمتدّ إلى عصور اختراع العجلة الفخارية. هو موروثٌ لا يفنى. إنه إرثُ الأجداد.
لكن ما مرّ به العراق من حروب وتشتّت فكري وثقافي، وانعزاله عن العالم لفترات، أبطأ من حركة تبادل الأفكار الفنية. ومع ذلك، تبقى الحركة الفنية العراقية حيّة، وهي لا تُستهان بها في أي مكان. إنها لمسة وبصمة الفنان العراقي المعاصر.

(وسام الدبوني)


(*) يرى المتلقِّي أنَّ أفكار لوحاتك تنطلق من البيئة العراقيَّة، وتنقل ما يُشبه الواقع... هل أخذتَ على عاتقك أرشفة الواقع فنيًّا؟
في معرضي الأخير الذي كان بعنوان "فكرة"، حاولتُ اختزال الموروث البيئي العراقي، متمثِّلًا بالزَّورق والمشخوف والعربة والكرسي والكتب. هذه الأدوات موجودة بالفعل، لكن ينقصها أن تُحوَّل إلى فكرة، وهنا يَبرز دورُ الفنان في إدخالها ضمن سياقٍ فكري. الزوارق حملتْ فكرة هجرة المفكِّرين، إذ كانت تنقل كُتبًا كثيرة، ما يُعبِّر عن هجرة المثقفين والعقول النيِّرة. وكذلك الكرسي، والكتاب، والحديد، وتداخل المواد المختلفة في العمل الواحد.
قمَّة الدمج كانت بين هذه المفردات والواقع الحالي. فالصور الذهنيَّة التي مرَّت أمام ناظرنا، كبيع أدوات القتل ــ أي الأسلحة ــ في كلِّ مكان، وبيع الكُتب المُهانة على عربات السوق... كلّها مستوحاة من الواقع الحالي، ومن المخزون الصُّوَري في مخيّلة الفنان.

(*) في أعمالك ثمة روح. هل هنالك علاقة بين المجسم والفكرة، أم بين المجسم والطبيعة؟
اعتادت العين البشرية أن تتذوَّق الألوان في الطبيعة، وأن تتمتَّع بصنعة الفنان العظيم ــ أقصد الخالق ــ الذي سخَّر هذا الجمال للإنسان. كما أنَّ الله أنار الفكر البشري ليُفسِّر الأشياء. العمل الفني مزيج بين المواد المستخدمة في إنشائه وأحاسيس الفنان. تارةً يُمزَج اللون، وتارةً يُمزَج الطين. وهذه المواد هي التي تناغم مشاعر المتلقّي وتُداعبها. الفكرة تلعب دورًا أساسيًّا في بناء العمل، سواء أكان لوحةً تحتوي على سمفونيّة لونيَّة، أو عملًا نحتيًّا من البرونز، أو غيره من المعادن. الألوان هي نتاجٌ طبيعي، وجزءٌ لا يتجزّأ من الطبيعة. في الماضي، كانت تُستخرج من الأزهار، وبعض أنواع الثمار، فهي ألوان ربَّانيَّة نقيَّة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.