}

محمد أحمد صيام: الفلسطينيون نجحوا بتحويل التعليم لأداة مقاومة

أوس يعقوب أوس يعقوب 29 ديسمبر 2025
حوارات محمد أحمد صيام: الفلسطينيون نجحوا بتحويل التعليم لأداة مقاومة
الدكتور محمد أحمد صيام

يقدّم كتاب "تعليم الفلسطينيين بين الاحتلال والمقاومة"، الصادر أخيرًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة إصدارات، تأليف الباحث الأكاديمي والكاتب الفلسطيني الدكتور محمد أحمد صيام، رؤية متكاملة متعلقة باستهداف الاحتلال الإسرائيلي التعليم الفلسطيني، باعتباره أداةً محورية لاقتلاع الشعب من جذوره، عبر تدمير منظوماته القيمية والتربوية والفكرية، والذي بلغ ذروته في قطاع غزّة. وامتداد هذا الاستهداف إلى حرمان الأسرى الفلسطينيين في السجون من التعلّم، وصولًا إلى اغتيال العلماء الفلسطينيين لمنعهم من تنمية وعي شعبهم وترسيخ مطلب الحرّية بين أبنائه.
كما يتناول الكتاب، الذي جاء في 216 صفحة، موزعة إلى مقدّمة، وستّة فصول، وخاتمة، علاقة الاحتلال الإسرائيلي بالتعليم الفلسطيني، ويناقش كيفية تحوّل التعليم إلى ساحة صراع استراتيجي في معركة الوعي الوطني.
مؤلّف الكتاب، الدكتور محمد أحمد صيام، باحث متخصّص في دراسات النزاع والأمن، وأستاذ في كلّية "أحمد بن محمد العسكرية" في الدوحة. وهو حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية، والماجستير في دراسات النزاع والعمل الإنساني، والبكالوريوس في الشريعة الإسلامية، وله مؤلّفات كثيرة محكّمة في مجالات الأمن الغذائي، والحوكمة الأمنية الفلسطينية.
للوقوف أكثر على تفاصيل علاقة الاحتلال الإسرائيلي بالتعليم الفلسطيني، وسياساته الممنهجة لتعطيل التعليم، وفرض مناهج بديلة، واعتبار أنّ التعليم في حدّ ذاته فعلٌ غير قانوني! الأمر الذي شكّل دافعًا لتعزيز تمسّك الفلسطينيين بالتعليم بوصفه وسيلة للمقاومة... كان لنا الحوار التالي مع المؤلّف:



(*) في مستهل حوارنا، ماذا تنبئنا عن نفسك؟ سيرتك؟ وضعك كباحث وكاتب؟
محمد أحمد صيام، فلسطيني من قطاع غزّة، مقيم في دولة قطر منذ عام 2014. يمكن القول إنّ تجربتي كباحث وكاتب تشكّلت عند تقاطع ثلاث دوائر مترابطة: التجربة الشخصية الفلسطينية، والدراسة والعمل الأكاديمي، والانشغال بقضايا النزاع بحُكم التخصص. حاليًا، أنا أستاذ وباحث متخصّص في دراسات النزاع والأمن، وأهتم على وجه الخصوص بكيفية اشتغال القوّة في السياقات الاستعمارية، وبالتحديد السياق الفلسطيني، ليس فقط عبر الأدوات العسكرية، بل من خلال استهداف البُنى المعرفية والثقافية والاجتماعية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. من هذا المنطلق، لم تكن الكتابة بالنسبة إليّ مجرّد فعل أكاديمي بارد، بل ممارسة معرفية منحازة للحقّ، تسعى إلى إعادة الاعتبار للرواية الفلسطينية، بوصفها رواية إنسانية ومعرفية قبل أن تكون سياسية. أمّا هذا الكتاب تحديدًا، فهو في أصلِه رسالتي للدكتوراه، وكلاهما ثمرة مسار بحثي طويل، تراكمي، نابع من قناعة بأنّ التعليم ليس قطاعًا خدميًا محايدًا في السياق الفلسطيني، بل أحد ميادين الصراع الجوهرية مع الاحتلال، وأنّ دراسته من زاوية دراسات النزاع تمثّل إضافة نوعية لم تُمنح ما تستحقّه في الأدبيات العربية.

(*) ما الذي يقوله لنا هذا الكتاب "تعليم الفلسطينيين بين الاحتلال والمقاومة"؟ وما الذي حفّزك لتأليفه؟ وما هي الأهداف التي وضعتها أمامك وأنت تحدّد إشكاليته؟
يقول الكتاب، في جوهره، إنّ التعليم في فلسطين ليس ضحية جانبية للاحتلال، بل هو هدف إستراتيجي مقصود ضمن منظومة السيطرة الاستعمارية الإسرائيلية. والكتاب يحاجج بأنّ استهداف المدارس والجامعات، وحرمان الأسرى من التعليم، واغتيال العلماء والمثقّفين، ليست سياسات منفصلة، أو طارئة، بل حلقات متكاملة في مشروع يسعى إلى تفكيك الوعي الوطني الفلسطيني وإفراغه من مضمونه التاريخي والثقافي.




الدافع الأساسي لتأليف الكتاب كان شعوري بوجود فجوة معرفية واضحة: فرغم كثرة الكتابات عن التعليم في فلسطين، فإنّ معظمها تناول الموضوع من زوايا تربوية، أو تاريخية تقليدية، بينما ظلّ تحليل التعليم بوصفه ساحة صراع في سياق نزاع استعماري طويل الأمد غائبًا، أو هامشيًا. من هنا، جاءت محاولة نقل النقاش إلى مستوى أعمق يربط التعليم مباشرة بمسائل القوّة، والهيمنة، والمقاومة، والهوية. أمّا الإشكالية المركزية التي انطلق منها الكتاب، فتتمحور حول سؤالين مترابطين:
كيف استخدم الاحتلال الإسرائيلي التعليم أداة للهيمنة الثقافية والسياسية؟ وكيف استطاع الفلسطينيون، رغم ذلك، تحويل التعليم إلى أداة مقاومة وصمود وإنتاج للوعي؟

استهداف التعليم سياسة إسرائيلية ممنهجة
(*) حدّثنا بالتفصيل عن رؤيتك في أنّ التعليم في فلسطين 67 (الضفة الغربية وقطاع غزّة)، تحوّل إلى ساحة صراع استراتيجي في معركة الوعي الوطني، في ظلّ استهداف سلطات الاحتلال لمنظومة التعليم الفلسطيني، باعتباره أداةً محورية لاقتلاع الشعب من جذوره، عبر تدمير منظوماته القيمية والتربوية والفكرية؟
تنطلق رؤيتي من مسلّمة أساسية مفادها أنّ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يستهدف الوعي الذي يمنح هذه الأرض معناها. وفي الحالة الفلسطينية، أدرك الاحتلال مبكرًا أنّ التعليم يشكّل الحاضنة الأساسية لإنتاج هذا الوعي، ولذلك تعامَل معه باعتباره تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد. لقد تحوّل التعليم في فلسطين إلى ساحة صراع مفتوحة: انعكست في مشاهد عديدة، مثل تدمير البنية التحتية التعليمية، وإغلاق المدارس والجامعات، كعقاب جماعي، وعبر تدجين المناهج، ومحاولة تفريغها من مضمونها الوطني، وعبر حرمان الأسرى من حقّهم في التعليم بوصفه أداة لبناء الذات داخل السجن، وصولًا إلى استهداف العلماء والمثقّفين جسديًا، باعتبارهم منتجي معرفة، وخطرًا على السردية الاستعمارية. في المقابل، يكشف الكتاب كيف نجح الفلسطينيون في تحويل التعليم نفسه إلى أداة مقاومة ثقافية وسياسية، فظهرت أنماط التعليم البديل، وتحوّلت البيوت والمساجد والسجون إلى فضاءات تعليمية، وأصبح التعلّم فعل تحدٍّ وصمود لا يقلّ أهمّية عن أيّ شكل آخر من أشكال المقاومة. بهذا المعنى، لم يعد التعليم في فلسطين مجرّد عملية تربوية، بل أصبح جزءًا من معركة الوعي الوطني، ومعيارًا لقياس قدرة المجتمع على الاستمرار، وإعادة إنتاج ذاته تحت القهر.

(*) ما أبرز ما توصلت إليه من نتائج في دراستك هذه؟ ومن أين استقيت مصادرك؟
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أنّ استهداف التعليم الفلسطيني هو سياسة ممنهجة، ذات طابع بنيوي، وليست ردّ فعل أمنيًا ظرفيًا. فالاحتلال يتعامل مع التعليم باعتباره أحد أخطر ميادين الاشتباك، لأنّه يمسّ الذاكرة والهوية والقدرة على التخيل السياسي للمستقبل. كما خلصت الدراسة إلى أنّ الفلسطينيين لم يكونوا مجرّد ضحايا لهذا الاستهداف، بل فاعلين تاريخيين استطاعوا، في كثير من الأحيان، تحويل القمع إلى محفّز لإبداع أشكال جديدة من التعليم والمقاومة المعرفية. وهذه النتيجة تعيد الاعتبار لفكرة التعليم بوصفه ممارسة تحرّرية، لا مجرّد خدمة اجتماعية.
أمّا على مستوى المصادر، فقد اعتمدتُ على منهجية متعدّدة المصادر:
مقابلات ميدانية نوعية، شملت أسرى محرّرين ومسؤولين تربويين، ومقابلة نادرة مع أسير داخل زنزانة السجن الإسرائيلي، ووثائق رسمية فلسطينية، وأوامر عسكرية إسرائيلية، وتقارير منظمات دولية، مثل "اليونسكو"، و"الأونروا". إضافة إلى رصيد واسع من الكتب والأبحاث الأكاديمية العربية والإنكليزية في مجالات التعليم، ودراسات الاستعمار، ودراسات النزاع. هذا التنويع في المصادر كان ضروريًا لضمان الصرامة العلمية، وفي الوقت نفسه إبقاء البحث متجذّرًا في الواقع الفلسطيني الحيّ.

مدرسة مدمرة تابعة للأونروا في غزة (2024)


(*) ما هي التحدّيات والصعوبات التي واجهتها أثناء البحث والكتابة؟ وماذا عن وقت وظروف إنجاز الكتاب؟
واجهتُ خلال العمل على هذا الكتاب جملة من التحدّيات المنهجية والعملية، يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات رئيسة: تحدّي الوصول، وتحدّي التوثيق، وتحدّي الكتابة في سياق نزاع مفتوح. على مستوى الوصول، شكّل الاحتلال ذاته عائقًا بنيويًا أمام البحث؛ فالوصول إلى بعض الوثائق الإسرائيلية الرسمية، أو أرشيفات الأوامر العسكرية، ظلّ محدودًا، أو جزئيًا، كما أنّ إجراء مقابلات ميدانية، ولا سيما مع أسرى محرّرين، أو متأثّرين مباشرة بسياسات الاستهداف، كان محفوفًا باعتبارات أمنية وأخلاقية دقيقة. وقد تطلّب ذلك وقتًا أطول، وبناء ثقة متبادلة، والالتزام الصارم بأخلاقيات البحث. أمّا على مستوى التوثيق، فالتحدّي الأكبر تمثّل في تفكيك السردية الإسرائيلية السائدة، التي غالبًا ما تُغلّف سياسات الاستهداف التعليمي بخطاب "أمني"، أو "إداري"، ومقارنتها بالوقائع الميدانية والشهادات الحيّة. هذا استلزم جهدًا مضاعفًا في المقارنة والتحقّق والموازنة بين المصادر، لتجنّب التبسيط، أو التسرّع في الاستنتاج.





وفي ما يتعلّق بظروف الإنجاز، فقد كُتب هذا الكتاب في سياق سياسي وإنساني بالغ القسوة، حيث كانت فلسطين، ولا سيما قطاع غزّة، تعيش موجات متلاحقة من العدوان والإبادة، أمّا على المستوى الشخصي، فقد كان مطلوبًا مني المتابعة مع مراحل تحكيم الكتاب وتعديلاته في ظلّ فقداني للتركيز تمامًا، ومروري بظروف نفسية عصيبة، مرتبطة باستشهاد والديّ وأختيَّ الكبيرتين، وأخي، وأكثر من سبعين شخصًا آخرين من عائلتي، فأصبحت الكتابة في ظلّ هذه الظروف شبه مستحيلة، وفقَد كلّ شيء قيمته ومعناه، لكنّها في الوقت نفسه فرضت عليّ مسؤولية مضاعفة: أن أستمرّ لأجلهم، وأن أكتب بوعي نقدي، لا بانفعال، وأن أقدّم معرفة قابلة للبقاء، لا نصًّا ظرفيًا مرتبطًا بلحظته فقط.

التعليم الفلسطيني يمرّ اليوم بأحد أخطر مراحله التاريخية
(*) كيف تقيّم تجربتك مع هذا الكتاب بعد النشر والإقبال عليه؟ وهل من قارئ محدّد تأمل في أن يصل إليه؟
هذا هو كتابي الأوّل، وسمّه إن شئت سادس أولادي، فالشعور بالإنجاز يجعل صدور الكتاب تجربة غنيّة ومركّبة. فمن جهة، كان التفاعل الإيجابي من القرّاء والباحثين مؤشّرًا على وجود حاجة فعلية لهذا النوع من المقاربات التي تعالج التعليم الفلسطيني خارج الإطار الوصفي، أو الإنشائي. ومن جهة أخرى، كشفت ردود الفعل حجم العطش المعرفي لفهم التعليم بوصفه مسألة سياسية ــ استراتيجية، لا تربوية فقط. أمّا القارئ الذي كنت أطمح للوصول إليه، فهو القارئ الباحث عن الفهم، لا عن التلقّي: الباحث، وصانع القرار، والمثقّف، والطالب، وكلّ من يريد أن يرى القضية الفلسطينية خارج اختزالها في الحدث العسكري، أو الإنساني العابر، وأن يفهم كيف تُدار معركة الوجود على مستوى الوعي والمعرفة.

(*) كيف ترى واقع التعليم في الضفة الغربية وقطاع غزّة، خاصّة إذا استحضرنا حرب الإبادة الجماعيّة التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيليّ على القطاع، وما تتعرّض له الضفة من اعتداءات متكرّرة بشكل دائم؟
إنّ التعليم الفلسطيني يمرّ اليوم بأحد أخطر مراحله التاريخية. ففي قطاع غزّة، لم يعد الحديث عن "أزمة تعليم" توصيفًا دقيقًا، بل نحن أمام تدمير شبه كامل للمنظومة التعليمية نتيجة الاستهداف المباشر للمدارس والجامعات، وقتل المعلمين والطلبة.
أمّا في الضفة الغربية، فإنّ التعليم يعيش حالة استنزاف ممنهجة: اقتحامات، اعتقالات، إغلاقات متكرّرة، وبيئة دائمة من عدم الاستقرار، تجعل العملية التعليمية هشّة ومهدّدة في أيّ لحظة. غير أنّ الأخطر من التدمير المادّي هو الأثر طويل الأمد على الوعي الجمعي: الانقطاع المتكرّر عن التعليم، والعيش في ظلّ الخوف، ومحاولة تطبيع الحرمان بوصفه "واقعًا طبيعيًا". وهنا بالضبط تكمن خطورة المرحلة، لأنّ الاحتلال لا يستهدف الحاضر فقط، بل يحاول السيطرة على المستقبل.

(*) من منظورك كباحث متخصّص في دراسات النزاع والأمن، كيف نفهم أنّ التعليم الفلسطيني هو سلاح مقاومة وحصنًا للهوية الوطنية الفلسطينية؟
من منظور دراسات النزاع، يُفهم التعليم الفلسطيني بوصفه أحد أشكال القوّة الناعمة التي يمتلكها شعب واقع تحت اختلال جذري في موازين القوّة. فحين تُسْلَبُ الأرض، وتُقيّد الحركة، وتُحاصر الموارد، يبقى التعليم أحد المجالات القليلة القادرة على إعادة إنتاج الذات الجماعية. التعليم هنا ليس محايدًا؛ إنّه فعلُ مقاومة في حدِّ ذاته، لأنّه يحفظ الذاكرة، ويعيد إنتاج السردية الوطنية، ويمنح الأفراد أدوات التفكير النقدي التي تُفشل مشاريع الإخضاع الثقافي. ولهذا السبب تحديدًا، يُستهدف التعليم بهذه الشراسة: لأنّه يُنتج إنسانًا يصعب تدجينه، أو إجباره على القبول بواقع الاحتلال، أو حتّى التوقّف عن تفكيره بالتحرّر والخلاص. في هذا السياق، يصبح التعليم حصنًا للهوية، ليس بالشعارات، بل بالممارسة اليومية: في الصف، وفي السجن، وفي التعليم البديل، وفي الإصرار على المعرفة رغم القهر.

(*) ما هي المشاريع التي تعمل عليها الآن؟ وهل لديك كتاب جديد؟
حاليًا، أعمل على عدد من المشاريع البحثية التي تكمّل هذا الكتاب، ولا تنفصل عنه، من بينها دراسات تتناول تحوّلات المقاومة في السياق الفلسطيني من منظور معرفي وتنظيمي، وأخرى تشتبك مع قضايا الأمن، والأخلاق، والتعليم في زمن الحروب غير المتكافئة.
أمّا على مستوى الكتب، فهناك مشروعان لكتابَين جديدين يتبلوران تدريجيًا، وكلاهما على علاقة مباشرة بوقائع حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال الصهيوني خلال العامين الأخيرين (2023 ــ 2025)، وأتمنى أن يريا النور قريبًا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.