}

نعيم آل مسافر: لكل جنس أدبي طقس خاص للكتابة

عمّار كشيش 31 ديسمبر 2025
حوارات نعيم آل مسافر: لكل جنس أدبي طقس خاص للكتابة
نعيم آل مسافر



الأديب نعيم آل مسافر من مواليد عام 1970 في محافظة ذي قار، جنوب العراق. حاصل على ماجستير في النقد الحديث، جامعة ذي قار. حائز على العديد من الجوائز واهتمام النقّاد والباحثين، وتناولت أعماله عدّة دراسات ورسائل ماجستير ودكتوراه. من بين الجوائز التي نالها الجائزة الثالثة في مسابقة محمد الحمراني للرواية عن رواية "كوثاريا" (2012). ومن الكتب التي تناولت تجربته كتاب "كوثاريا: المدينة والسؤال" للناقد أمجد نجم الزيدي (دار الجديد – 2016). وهو عضو اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين، ورئيس منتدى الشطرة الإبداعي.

من إصداراته: الشعر: غريب الحق (2010)، كبوة جواد (2011). المسرح: الرواق الأخير (2012). مجاميع قصصية ونصوص: تجاعيد وجه الماء (2012)، حسون 313 (2013). الرواية: كوثاريا (ثلاث طبعات)، أصوات من هنالك (2017)، لحياة غير مكتوبة (2018)، ووترفون (2023). النقد: الموريسكيون في الرواية العربية (2025).

هنا حوار معه:

(*) ترعرعتَ في بيئة وبيت مشبعين بالطقوس الدينية/ الكربلائية، وفي الوقت ذاته ثمّة اهتمام ثقافي على مستوى توفّر الكتب الأدبية، روايات روسية وغيرها. ما الذي كان له التأثير الأوّل، أو رغبتك القرائية الأولى؟ إلى أي جهة يشير عقربها؟

عدّة عوامل كان لها تأثير كبير في الرغبة بالقراءة، منها أن الطقوس كانت تثير لديّ الكثير من التساؤلات التي اكتشفت أن التخلّص منها يكمن بالقراءة، فقرأت كلّ ما وقع تحت يدي من كتب العقائد والتاريخ والسير والتراجم، وكذلك مكتبة المدرسة، إذ كان المعلّمون يحفّزوننا على القراءة بزيادة الدرجات لمن يقرأ كتابًا، وكان أوّل كتاب قرأته من تلك المكتبة "أيام العرب". وكان هنالك تأثير كبير للشروع بالقراءة – في وقت مبكر من حياتي – وهو محاولة التميّز عن الأقران والشغف بالأدب. ووجدت ضالّتي بالمكتبة الصغيرة في بيتنا، وكان أوّل كتاب قرأته رواية "الأم" لمكسيم غوركي.

(*) صرّحتَ مرّة أن الشاعر الراحل عريان السيّد خلف كان مثلك، وتحاول ساعيًا الوصول إلى مستواه الإبداعي، ولم يتحقّق لك ذلك كما ذكرت، لذلك انتقلتَ من عالم الشعر إلى عالم الرواية. من هو مثلك روائيًا وتحاول الوصول إلى مستواه الإبداعي؟

ليس هنالك مثل واحد روائيًا، لكن أوّل رواية قرأتها، وتمنّيت حينها أن أكتب رواية، هي رواية "المزحة" لميلان كونديرا. على الرغم من أنّي كنت قد قرأت قبلها كثيرًا من الروايات، لكن من لهم التأثير الأكبر: كافكا، وماركيز، وهيرمان هِسّه، فضلًا عن كونديرا.

(*) ما هي الكتب التي تجمعها أكثر؟ وما هي الكتب التي تقرأها أكثر؟

أعتقد أن كلّ كتاب نافع بدرجة ما، لذا تجد مكتبتي الشخصية متنوّعة، وقراءاتي متعدّدة، ولكن في العقد الأخير انقطعت تقريبًا عن قراءة السرد والنقد الأدبي.

(*) لنتخيّل هذا المشهد: لو طُلب منك في موقف مصيري أن تتخلّى عن كتبك وتُبقي على كتاب واحد، ماذا تفعل؟ وهل تفكّر أن الأديب لديه عمل واحد، والبقيّة ظلال لهذا العمل؟

هذا الكلام صحيح إلى حدّ ما، على الرغم من أنّ كلّ كتبي عزيزة عليّ، ولكن لو حصل ما افترضتَ في سؤالك فسأحتفظ بروايتي "أصوات من هناك" لأنّي أشعر أنّها قطعة من روحي، وأنّها عمل لم يكتمل بعد، لذا شرعتُ بكتابة عمل آخر مكمّل لها.




(*)
القارئ الأوّل للنص هو الكاتب نفسه، هل هناك قارئ ثانٍ محدّد تهرع إليه وتنتظر ملاحظاته؟ ويأتي بالأولوية بعدك؟

بالتأكيد القارئ الضمني هو الناقد والمقيّم الأوّل للنص. وبالنسبة لي، من يلي هذا القارئ أصدقائي المقرّبون من أدباء الشطرة، ومنهم: أمجد نجم الزيدي، وحسين طالب عذيب، وأحمد الشطري، ومظفّر لامي، وحيدر عبد الله، وأمير ناصر.

(*) هل ثمّة عمل أتعبك أكثر على مستوى الإبداع والصناعة وأخذ من راحتك الكثير؟ ولماذا؟ وهل كان صداه بحجم التعب؟

حصل هذا في عملي الأوّل (رواية "كوثاريا")، لأنّي كنت قد كتبت قبلها في الشعر والقصة والمسرح، ولأن التجربة الروائية بدأت على أعتاب الأربعين من العمر، واكتشفتُ فيما بعد أن الصعوبة كانت تكمن في التخلّص من هيمنة تلك الأجناس الأدبية أثناء كتابة الرواية، والتي تكون ضاغطة كثيرًا في العمل الأوّل. كما أنّ هذه الرواية حقّقت نجاحًا لم أكن أتوقّعه، فقد فازت بجائزتين، وكتب عنها كثيرون، ودُرست كثيرًا في دراسات أكاديمية، وما زالت مطلوبة حتى الآن.

(*) هل تكتب محاولًا كسب قرّاء أو إرضاء الآخرين، أم تعمل من أجل مشروعك الكتابي واضعًا بنظر الاعتبار اختلاف الذوق والاختيار؟

هذا السؤال تساءلتُه مع نفسي كثيرًا، وفي كلّ مرحلة كانت له إجابة مختلفة، وربّما هي كلّها إجابات صحيحة له. في البداية كان لأجل الشعور بالتميّز، وبعدها محاولة قول ما أريد أن أوصله للآخرين، ومن ثمّ لذّة الاكتشاف والتجريب والكشف، أمّا الآن فأكتب الفكرة التي تلحّ عليّ كثيرًا حتى تؤرّقني، فأتخلّص منها بالكتابة.



(*) هل وصلكَ من قارئ ما تعليق أو ملاحظة غريبة إيجابًا أو سلبًا؟ وكيف حصل الأمر؟

أهتمّ كثيرًا بملاحظات القرّاء لأنها عفوية وصادقة، وأراجعها وأحاول تحليلها: لماذا أحبّوا هذه الشخصية دون غيرها؟ لماذا تمنّوا أن يكون حدثٌ ما بشكل آخر غير الذي كتبته، أو نهاية معيّنة؟ ولكن أغرب التعليقات من إحدى القارئات، بعد أن قرأتْ رواية "أصوات من هناك"، قالت إنّها ترى شخصية يحيى الحساوي في الرؤيا وبنفس أمكنة الرواية. ومرّة شاهدتُ صفحة على الإنستغرام باسم تماضر، تقول صاحبة الصفحة في بروفايلها إنّها تماضر، إحدى شخصيات رواية "لحياة غير مكتوبة".

(*) هل ندمتَ على عمل ما ووددتَ لو يُحذف؟

لم أندم على أيّ عمل كتبته، ولكن لطالما تمنّيت بعد طباعة أيّ كتاب لو أنّي تأنيتُ أكثر قبل طباعته، ولو أنّي راجعته أكثر، على الرغم من أنّي فعلت هذا مع كلّ أعمالي. مثلًا، في رواية "لحياة غير مكتوبة" انتظرتُ سنة كاملة وهي جاهزة للطبع من أجل أن أجد لها عنوانًا أقتنع به.

(*) بما أنّك من بيئة دينية محافظة تُكرّس الاهتمام بالواقع أكثر من الخيال، وربّما تنظر إلى الأدب بوصفه لسان العشيرة وسندًا للدين، كيف قدّمتَ لهم نفسك روائيًا بما تعنيه الرواية من خيال وحداثة وربّما فئة خاصّة من القرّاء؟

في مجتمعنا يكون الشاعر عادة هو لسان العشيرة والمدافع عن الدين، وأنا غادرتُ منطقة الشعر منذ أكثر من عقد من الزمن، على الرغم من أنّي وقتها كنت لسانها فقط، ودافعتُ عن الدين والعشيرة بطرق أخرى غير كتابة الشعر. أشعر أنّي متصالح مع نفسي ولديّ فهم خاص للعشيرة والدين ومفاهيم أخرى، لذا أكتب ما أنا مقتنع به، وبالتالي هو يصبّ في كلّ ما ذكرت، ولو بصورة غير مباشرة.

(*) قبل الانفجار الروائي العراقي الواضح للعيان الذي حصل في بداية الألفية، من كان سابقًا يثير اهتمامك من الأدباء والروائيين العراقيين؟

أكثر من كان يثيرني الروائي هشام توفيق الركابي، الذي أعتقد أنّ نصوصه لم تأخذ حقّها في تسليط الأضواء عليها أو وصولها إلى القرّاء، فضلًا عن روائيين عراقيين آخرين مثل غائب طعمة فرمان، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، وعزيز السيّد جاسم، ومهدي عيسى الصقر، وعبد الله الأحمد، وآخرين.

(*) في زمن النظام البائد، كيف تجنّبتَ أن تُصنَّف كمشروع سجين أو معارض أو مشاكس؟

خدمني كثيرًا في ذلك الزمن أنّ بيتي كان في الكوت وبيت والدي في الشطرة، وهذا التنقّل بين المدينتين أو السكن فيهما في آن واحد كان يموّه كثيرًا على الأجهزة القمعية. كما أنّني لم أنتمِ لأيّ تنظيم سياسي لتجد السلطة ذريعة لاعتقالي، وكان لمكانة والدي الاجتماعية دور في حمايتي، كما أنّ نشاطي كان حينها مقتصرًا على المجال الثقافي والاجتماعي، وهو لا يلفت انتباه السلطة كثيرًا مثل المجال السياسي، فضلًا عن أنّ الله خير حافظ وهو أرحم الراحمين.

(*) هل لديك طقوس خاصّة في كتابة العمل الأدبي؟

كتبتُ في مختلف الأجناس الأدبية، وأرى أنّ لكلّ جنس أدبي طقسًا خاصًّا للكتابة. أفكّر دائمًا بالنصّ الذي أنوي كتابته، وفي الشعر قد يخطر لي النصّ أثناء قيادة السيارة، فأتوقّف كي أدوّنه أو أسجّله صوتيًا، أو قبيل النوم، وهكذا. أمّا في السرد فلا أكتب إلّا إذا جلستُ إلى الورقة أو الحاسوب، شريطة أن أخمّن أنّ لديّ متّسعًا من الوقت، والعامل المشترك في كلّ تلك الطقوس هو العزلة التامّة.
على سبيل المثال، أثناء كتابة رواية "أصوات من هناك"، كان هنالك حدث مفصلي فيها لا بدّ من أن أجد له مبرّرًا سرديًا ليكون الحدث مُقنِعًا لي أو للقارئ، وفكّرت كثيرًا فلم أجد حلًّا، حتى استيقظتُ ذات ليلة مفزوعًا من كابوس مزعج، وبعد أن هدأتْ خطرت لي فكرة الحلّ، ففتحتُ الحاسوب وشرعتُ بالكتابة حتى الصباح.

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.