غادة خليل شاعرةٌ أردنية من أصل فلسطيني، تنسج من عتمة الوجدان وألوان الوجود قصائدَ تفتح فيها أبواب العشق كرمز للكشف عن سرّ الحياة، حيث تتداخل الذات والعالم في رقصة حيّة من حسٍّ وذوق، تنبع من تجربة صادقة لا تقيّدها قوالب الموسيقى التقليدية، بل تُبدع إيقاعها الخاص الذي يحاكي نبض الكون. هي ليست فقط شاعرة، بل ناقدة تُمعن النظر في سردية المرأة العربية، تعبر عن همومَها وانكساراتها برؤية جمالية، تحمل في طياتها رمزية عميقة تفيض بأصداء إنسانية معرفية.
في شعرها، الغربة ليست مكانًا فحسب، بل حالة وجودية؛ والوطن له شكل القلب، هو تلك المساحة الحيّة التي ترفض التنازل عن الحياة رغم الإبادة والجرح، فتكتب غادة إلى حسام أبو صفية قصيدتها "عصفور أخضر يغرّد"، لتضيء ظلمات المأساة برقّة أملٍ ثابتٍ حيّ. تنظر إلى الشعر والنقد كمسارات وجودٍ وحياة، وأسئلة أزلية لا تنطفئ. وبين ضوضاء العصر وصخب المعرفة، يحتفظ الشعر عندها بهويته الصادقة، صرخةً تبحث عن ماءٍ في صحارى الواقع والكلام.
نستكشف معها في هذا الحوار أعماقَ بحثها الإبداعي بين طبقات الوطن والعشق والشعر والنقد.
(*) في ديوانك "دليل العاشقين"، تتخذ العاطفة هيئة مجاز كوني، يتجاوز الفردي إلى الكوني، والوجد إلى الوجود. هل ترين أن العشق في شعرك هو نسك رمزيّ؟ أم أنه جسر خفيّ بين الذات والعالم؟
حالة العشق، كما تعبّر عنها القصائد، هي طريقةٌ لمقاربة الوجود وفهمه؛ أسلوبُ استكشاف، محاولةٌ للسير في طرق غير مطروقة، والتعبير عن ذلك بلغة طازجة، عمادها الحسّ والحدس، بعيدًا عن القوالب المألوفة والجاهزة. هي دعوةٌ للذات للاختبار والدخول في التجربة من دون توقعات مسبّقة. هنا ينصهر الماضي والمستقبل، تتألق التجربة الإنسانية على مرّ العصور والثقافات، كمحاولات للفهم، أو الإحساس، حين يتعذّر الفهم. حالة العشق في القصيدة هي فتحُ البوابات أمام أصواتنا المحبوسة، لتحكي ذاتَها في رقصة منسجمة مع كل ما يحيط بها:
"قضمةٌ من رغيف الكونِ نحن...
ونلخّص مذاقه كله!".
وفي هذا السياق، تندغم الرموز والأساطير من شتى الثقافات وآخر كشوف فيزياء الكمّ، عبر خفّة اللغة، وبهجة الحضور، وجماليات الأنوثة والذكورة، لتغدو لا جسرًا فحسب، بل شبكة كونية تتشكل وتعيد تشكيل ذاتها محاوِلةً فهم سرّ الوجود:
"قوسان جسدانا...
ومعًا يصنعان دائرة كاملة...
تأخذ مدارها في
فسيفساء الكون البديع".
(*) في شعرِك، هنالك ميل واضح لكسر الموسيقى التقليدية، نحو إيقاع حرّ ينهل من التجربة أكثر من الأنماط التقليدية. هل هذا الانفلات الإيقاعي هو تمرد جماليّ، أم ضرورة داخلية؟ وهل في تفكيك الموسيقى بحث عن موسيقى أعمق غير مسموعة؟
في تصوري، التجربة الشعرية ذاتها تخلق موسيقاها الخاصة. لست أميل إلى مصطلحات مثل "كسر"، أو "تمرّد"، فالشعر صيرورة، واللغة كائن حسّاس وجميل، تتفتح إمكاناته وروحه مع التجربة. وما يتدفّق من صور وإيقاعات رهنٌ بصدق التجربة. وهذا كل ما يلزم في رأيي. الشعر الحي لا تقيّده قوالب ولا هياكل، كما زخّة المطر، أو موجة البحر، أو اندفاعة البركان. من ينشغل بالشكل والقالب يفقد الشعر. لذا، وبغض النظر عن الشكل الذي قد يتنوع، فالشعر الحي يعلن عن نفسه، وينبثق كعشب نديّ، متخذًا الشكل اللغوي الموسيقي الذي يناسبه. في قصائدي، تأخذ التجربة مسارها الموسيقي الموائم لها من دون تخطيط مسبق، وتندغم مع الروح والمعنى:
" أصابعك في أصابعي...
قصيدة مالحة على البحر الوافر".
تتخاصر الكلمات في الجناس والطباق، وتلتف المقاطع لتشكّل دائرة تنتهي من حيث بدأت، أو تتصاعد لتسقط سقوطًا مدويًا، أو تنحني لتلتمّ في حرف وحيد كالنون، إنها موسيقى الكون ذاتها. وإذا كانت القصيدة تقول: "نبدأ من العماء... ننزعُ عنا كل معرفة"، فكيف لها أن تقيّد نفسَها بأيّ قيد؟
(*) في كتابك "المرأة في مراياها"، كتبتِ عن المرأة في الرواية العربية، لكنكِ لا تؤرّخين لها بعيون النقد وحده، بل بعين مزدوجة ترى البُنى الجمالية والسردية كما ترى اختناقات الصوت. هل منحك الشعر حدسًا لا يصل إليه النقد؟ وفي المقابل، هل منحك النقد فرصة لبوحٍ لازم لا تسعه مساحة الشعر، لتكتمل رؤيتك للمشهد الأدبي العربي؟ وما هي هذه الرؤية، لأدب المرأة بخاصة؟
التعبير الفني على اختلاف أشكاله، رواية، أو شعرًا، أو رسمًا، أو موسيقى... إلخ، هو ملاذات للأنا للتجريب، للمسِ أبعادها الأعمق غورًا وتجاربها الأكثر حميمية. من هنا، كتابتي للشعر أضافت بالتأكيد حساسيةً نفسيةً وجماليةً لتلقّي سردية المرأة في روايتها، وذلك بالمزاوجة مع أدوات التحليل النقدي. وكما أن الشعر يوحي أكثر مما يقول، فإن النقد يفتح الباب على مصراعيه للتحليل والتأويل.
في كتابي "المرأة في مراياها"، تم رصد تغير وتطور صورة المرأة وخطابِها لذاتها وللعالم، كما رسمتها في رواياتها عبر خمسين سنة؛ ليكشف البحث أن الرواية مثّلت انعكاسًا شفيفًا لهذا التطور: ما بين خطاب يعيد بثّ منظومة القيم الاجتماعية من دون هزّها، أو مساءلتها ــ وذلك في بدايات مساهمة المرأة الروائية، إلى خطاب نسوي يعرِض صورة المظالم والإقصاءات بصوت الضحية، أو بصوت غاضب متمرّد يكسر تابوهات الخطاب السائد ــ كبطلة رواية "أنا أحيا" لليلى بعلبكي، وبطلة "مذكرات امرأة غير واقعية" لسحر خليفة، وصولًا إلى خطاب متحرّرٍ من وطأة الواقع الاجتماعي الخاص بالمرأة، منفتحٍ على نقد المجتمع بمنظوماته المختلفة، والذي غالبًا ما ينتج بشرًا مشوّهين، رجالًا ونساء. وبدأنا نجد روائيات عربيات يكتبن بواقعية نقدية بصيرة، وجماليات رمزية، وحساسية ثقافية حررت الروايةَ التي كتبتها المرأة العربية مؤخرًا من أسْرِ التصنيفات الجاهزة، وجعلتها في مصاف الإبداع الإنساني الذي لا يحدّه جنس، وإن امتلك جماليات خاصة تُعدّ بصمةً أنثوية، كما في نماذج المرأة البدئية الحاضرة في رواياتها، كنموذج "المرأة المحاربة"، أو "الإلهة الأنثى"، أو، وعلى سبيل المثال، في إعادة النظر في رمزية فضاء البيت، أو المطبخ، أو الروائح، أو القبر، أو الموت، أو ثنائية القبح والجمال، أو تصوير الضعف البشري، كما نجد في روايات هدى بركات، ونجوى بركات، وحنان الشيخ، وسحر خليفة، وغيرهن.
(*) في تجربتك، لا يبدو الشعر والنقد نقيضين، بل توأمين أحدهما يسبح في المعنى، والآخر يغوص في تأويله. هل ترين أن النقد في حاجة إلى استعادة صلته بالخيال؟ وهل كانت دراستك عن رواية المرأة، ودراساتك النقدية بعامة، ضربًا من النقد المُعاش، حيث تكون الذات قارئة ومقروءة في آن؟
بالتأكيد، إذ ليس النقد بعيدًا عن فعالية الإبداع من وجهة نظري، ويمكن توظيف تقنيات القراءة الفنية ومناهجها جميعًا في قراءات تحليلية لا تقل إبداعًا وإشراقًا عن الأعمال الفنية نفسها. بل أزعم أن القراءة العميقة تستوجب معايشةً للنص وللعمل الفني، وصداقةً حميمة تفضي بالنص إلى إهداء مفاتيحه، والكشف عن جمالياته لمتذوّقه، أو متذوّقته. وربما كانت هذه الرفقة الحميمة للنصوص، ولموضوع النقد، أو القراءة، هي التي تقف أمام استكشاف واستكناه نظريات جديدة تمامًا في مقاربة الأعمال الفنية، والكشف عن البنى العميقة التي تنطوي عليها النصوص، واستخلاص أنماطها وطرائقها وثيماتها.
هذه الرفقة للنص والصداقة معه تبقى بعيدة عن أي استعلاء، بل تعني تمازجًا معه وتأمّلًا وإصغاء واعيًا، وتفكيرًا وخيالًا واسعًا، وذكاءً يستشفّ البنية والخطاب والإحالات الثقافية والرمزية والنفسية والنماذجَ القارّة، أو المتكررة، وراء تنوع النصوص، محاولًا فكّ أسرارها.
من هنا، أرى أن الكتابة عن الأدب ليست مجرد صنعة، أو تقنية جامدة، بل موقف وجودي وفعل تأويلٍ للحياة نفسها.
(*) تبدو قصيدتكِ المهداة إلى الطبيب الأسير حسام أبو صفية لقطةً شعرية مشبعة بالضوء في عتمة المأساة... كيف كتبت غادة هذه القصيدة؟ هل تتحول القضايا الكبرى ــ كقضية فلسطين التي تواجه اليوم أشكالًا من الإبادة الجسدية والرمزية ــ إلى مسألة شخصية حميمية في لحظة الكتابة الشعرية؟
المؤلم أننا نكتب الآن والإبادة مستمرة، والوجع والجوع يتسع، ما يضع كل قيمنا وأخلاقنا كسلالة بشرية على المحك، مَن القوي هنا، ومن الضعيف؟ من المنتصر ومن المهزوم؟ وأي تاريخ سنكتب؟! يمكن أن نعدّ قصيدة "عصفور أخضر يغرد" ــ التي كتبتُها في وصف الصورة التي انتشرت للدكتور حسام، لحظةَ أسره خارجًا من المستشفى بردائه الطبي الأبيض، وأمامه دبابة على أرض محروقة مدمّرة غُيِّبت معالمها ــ قراءةً تسجيليةً واضحةً وجامعةً لسردية أصحاب الحق أمام سردية الاحتلال الوحشي، تلخّص تاريخًا ممتدًا من الإبادة المتتالية المتصاعدة. ثمّة ما تقوله الصورة وتعلن عنه القصيدة: حتى في زمن الوحش، سيطلُّ عصفورٌ أخضر برأسه ليغني:
"لا موتَ هنا
سوى
موتِ الضمير...
لا خوفَ في القلبِ المُحبِّ...
وأقربُ فعلٍ لخَلقِ الحياة...
إنقاذُ حياة".
القصيدة تقرأ العلامات وما وراء الظاهر، ما وراء الخيبة وهزيمة "الحضارة"، ما وراء الألم النازف والصمت، ما وراء الذات المصلوبة والصليب. كل مشهد في ملحمة البطولة هذه يوثق الماضي والحاضر والمستقبل، والمستقبل بخاصة. وبين ثنائيات: البناء والهدم، الزرع والاقتلاع، الحياة ونزع الحياة، الخفّة والثقل، الإنسان والآلة، ستقول الحياة كلمتها ولو بعد حين. أما الظلم (أينما وجد) فحين لا يغدو مسألة شخصية حميمة لكل البشر فنحن في خطر، وأيّ خطر!
(*) ثمة حضور كثيف لفكرة الغربة في شعرك، لا بوصفها بعدًا مكانيًا بل حالًا وجودية. في ظل هذا الحضور، كيف تصوغين الوطن؟ أهو مكانٌ أم حالة؟ هل تحضر القصيدة وطنًا بديلًا؟
نحن في رحلة اكتشاف وبحث، هذا ما أراه في مسيرنا البشري، كيف ضاقت بنا الدنيا على وسعها؟! واقتصرت حياة معظمنا على محاولة النجاة! هذا لأن الجشع وضيق الأفق يحجبان كل سماء، فما بالك باستكشاف الآفاق، وسبر أغوار عتمنا الداخلي؟ هذا أصل الغربة، وما الاقتلاع من أرض الوطن، وكل أصناف الفساد السائدة، إلا مظهرًا وتجليًّا لهذا الفصام. الكون بيتنا وكتابنا، وعجائبه صفحات لم نقرأها ولم نفكّ طلاسمها، فأين نحن حقًا؟ القصائد تحاول جعل الكون ملعبها ومساحتها للسؤال والتذوق والفهم، تتسع الذات فيها وتمتد من زمن الكهوف لاكتشافات فيزياء الكم، تؤسس "حبًا عابرًا للهويات"، تبني عالمها الافتراضي، وتقلِب المعنى لتصدم السائد والراكد:
"ليس لنا وطن سوى...
الضحك
ليس لنا بيت سوى...
الصمت".
المكان يغدو غربة دائمة إذا غاب العدل، ولا يعود كافيًا لذاتٍ في رحلة بحث، لكنها مع ذلك تحتفي بكل مَنْ يجعل مكانَه مكانةً، ويرى أن "الوطن له شكلُ قلب".
(*) في زمن التهشيم الرمزي، والتضخم البلاغي، ما الذي تبقّى للشعر؟ هل ما زال قادرًا على أن يكون سؤالًا مقلقًا في قلب اللغة، أم أن انفعالات السوق الثقافية كثيرًا ما تطغى على الصوت الداخلي وحرية الصوت؟
الشعر الحق لديه دومًا ما يقول، وسيجد أذنًا صاغية وعينًا رائية، إنه يؤشّر إلى الحقيقة، يعيد ما غاب، ينقّب في صحرائنا عن الماء، إنه أحد أشكال تعبيرنا الأسمى عن حضورنا هنا، صرختنا الأبدية:
"اعزف اعزف
يا نايَ الأبد...
احكِ بدمعتك
ما رأيت".
كما في كل زمان... بين الضوضاء... سنجد من يصغي للصمت، ويعيد إطلاق أسئلتنا الأولى. ربما نحن في سباقات محمومة الآن، وسط تدفّقات معرفية وتكنولوجية تغيّر شكل العالم، لكن نداءنا الأزلي سيظل واضحًا، وسيجد طريقه ليزيح الزبد والغبار، ويستدلّ على واحته. من نحن؟ وماذا نريد؟ وإلى أين؟ أسئلة تنتظرنا عند كل منعطف، فلا مفرّ، ولعل الشعر والفنون بعامة هي وسائلنا الأصدق للتعبير عنها، وفتح الأفق للإجابات والاحتمالات.
(*) ديوانان لك قيد النشر. هل ثمة تحوّل جديد في اللغة، في الثيمة، في الرؤية؟ أم أن الكتابة لديك هي استمرار لاختبار الهوية الأولى والجرح الأول؟
يشكل الديوان القادم "حدائق مُعلّقة" امتدادًا "للروح" الشعرية الحاضرة في "دليل العاشقين"، وسنجد فيه احتفاءً ببهجة الحضور والتفاصيل:
"أَنا وأنَتَ
ننضَجُ
كثمارِ المشْمش
دفعةً واحدة، ونسقطُ
في عسلنا!".
أما الاندغام مع الكون والكائنات فيتضح فيه أكثر فأكثر:
"نمیلُ...
یمیلُ الطیرُ والشجرُ والماء
الأطفالُ
والعشاقُ
نعتدلُ...
یعتدلون!"
"خفیفانِ أَزرقانِ...
خفیفانِ ونحلقُّ...
لا ندوسُ عشبًا...
ولا نزعجُ حجرًا".
كما سيكون الحوار حاضرًا بشكل ملحوظ في بنية القصيدة، مفسحًا مساحة إضافية لصوت الآخر ليعبّر عن نفسه.
وفي ديوان "سحر أسود"، تغدو الأسئلة الوجودية الجذرية محورًا أساسيًّا، والقصيدة اختبارًا ومغامرة. يتسع مدى الحب، وتغدو الطفولة حالة فلسفية ناضجة، تُناسب طبيعة الكون، ويتم تبنّيها بوعي:
"سلّمتكَ القيادة
منذ وقت
أنا أثق...
بطفولتك!
لا نتعلّم
صحيح!
بل
نكون".
في هذا الديوان، يُعاد النظر في كل شيء، إنها ذات تؤسس نفسها من جديد، وتهدم لتبني:
"لا هوية لي
قدماي في
رمالٍ متحركة
ويعجبني الأمر!
أنشئُ هوية
وأنقضها لأوسعَها
وأوسعها بلا نهاية!
أنتمي لذرّة الغبار
ورعشة الريح".
اختلفت الرحلة في "سحر أسود"، وبدأت الذات بتعلّم درسها، وفهم حكمة جراحها. تبدو الذات أكثر تواضعًا، وأكثر دهشة، أمام سحر كون لا يكشف الضوء سوى النزر اليسير منه، وتغري عتمته المستترة برحلة تحتاج فيها لأكثر من الحواس، في رؤية صوفية تبحث عن اتحاد لا ينفكّ، ولقاء لا ينتهي.


تحميل المقال التالي...