ما يستوقف المتابع أن المنظمين، في مجال الغناء تحديدًا، يستعينون بمطربين ومطربات من الدول العربية الشقيقة، الأمر الذي يثير سؤالًا: أين المطرب/ المطربة الأردنية على وجه الخصوص؟ السؤال، بشكل أكثر دقة، لماذا لا توجد مطربة أردنية؟ يوجد أصوات جميلة، تظهر فجأة، وتختفي فجأة، من دون أن يعلم أحد مصير هذا الصوت، أو ذاك: أين ذهب؟ لماذا أخذه الغياب رغم أن فرصته في تحقيق حضوره كانت سانحة؟ وحتى الأصوات القليلة المتداولة، فهي إما يكون حضورها محصورًا جدًا في مجالات ضيقة، أي ليست شائعة بين الجمهور، وإما تختار ألوانًا محددة من الغناء، وهو ما يطلق عليه الغناء الملتزم، الذي يحاول صاحبه أن ينفي عن نفسه الغناء كما هو شائع، كأن الشائع "عيب"، لا يجوز الاقتران به.
من هذا المنطلق وجدتها ضرورة لأن أحاور الفنانة قمر بدوان، فهي تعد مطربة أردنية، خريجة المعهد الوطني للموسيقى، حيث تخصصت في الغناء الشرقي والغربي، وتخصص إضافي في البيانو. شاركت بالغناء لعامين متتاليين في الحفلات التي تُقام على هامش مؤتمر المجمع العربي للموسيقى في دار الأوبرا بالقاهرة، كما شاركت في الغناء مع أوركسترا المعهد الوطني للموسيقى في عدد من الحفلات في ألمانيا، واحتفالية الكويت عاصمة للثقافة العربية، ومهرجان القريب في البحرين، ومهرجان نيحا في البقاع بلبنان، بالإضافة إلى مشاركتها في مهرجان الفحيص، ومهرجان جرش في أكثر من دورة. حصلت على عدد من الجوائز، منها جائزة أحسن أغنية فيديو كليب في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عن أغنية "عدلي"، والمركز الثاني في مهرجان الأغنية الأردني الرابع "نحو أصوات أردنية شابة" عام 2004. هنا حوار معها:
(*) ما رأيك في الأغنية العربية الدارجة؟ وهل تتعاطى مع متطلبات العصر؟ السؤال، بصيغة أخرى، هل تشكو الأغنية العربية الآن من ركاكة وسطحية، أم أن الأمر له علاقة بأجيال، بمعنى جيل اليوم لا يرى ما تراه أجيال سابقة عاشت زمن الفن الجميل؟
الأغنية العربية حاليًا، في بعض منها، فيها تنوع كبير. هنالك أغنيات تركز على الكلمات العميقة والمعاني الإنسانية والعاطفية، وتعتمد على ألحان جميلة وموزعة بشكل مدروس. هذا النوع من الأغاني يمكنه إيصال رسائل مؤثرة، ويعكس تطور الفن في مجال الأغنية، ويعطي الجمهور فرصة للاستمتاع بالموسيقى والألحان بطريقة عصرية.
لكن المشكلة أن ليس كل ما يُنتج على المستوى، للأسف. فهنالك أعمال لا ترقى لمستوى الفن الراقي، سواء من حيث الكلمات، أو الألحان. وهذا يثير نقطة مهمة مفادها أن التطور لا يعني أن نضحي بجودة الفن، بل المفروض أن نبحث عن توازن بين الأصالة والتجديد، حتى نستطيع إيصال رسائل قيمة، ونحافظ على جوهر الفن في مجال الأغنية، ونراكم عليه.
(*) أرجو أن نسمع منك بأسلوب بسيط يفهمه القارىء من دون الدخول في التفاصيل التقنية: ما الفرق بين التأليف الموسيقي، والتوزيع، والتلحين؟
التلحين هو عملية تحويل الكلمات إلى لحن موسيقي. هنا يمكن للملحن أن يستخدم آلة واحدة، أو حتى يمكن أن يغني اللحن بصوته من دون آلة.
أما التوزيع الموسيقي، فهو يعتمد على استخدام مجموعة من الآلات لخلق تناغم موسيقي (Harmony) بين الأصوات.
بهذا المعنى، كل آلة تعزف لحنًا مختلفًا ضمن الإطار العام للحن الرئيس، وهكذا نستمع، ونستمتع، بالتوزيع الموسيقي.
أما التأليف الموسيقي، فهو عملية خلق مقطع موسيقي، إذ يستطيع المؤلف أن يعزف هذا اللحن على آلة واحدة أو أكثر.
بالنسبة لي، أكثر جزء ممتع هو التوزيع الموسيقي، إذ أشعر كأنني أمزج ألوانًا مع بعضها بعضًا لتخلق لوحة موسيقية جميلة.
(*) لماذا نشعر بحنين شديد إلى الأغنية في زمن مضى: فيروز، أم كلثوم، عبد الحليم؟
لأنها أغنيات تخاطب العقل لا الخصر. بمعنى كان ثمة اهتمام كبير بالمعنى، وباختيار الكلمة، حتى لو استمعت إلى الكلمات مكتوبة من دون موسيقى فإنها تترك فيك أثرًا ما. هذا الأثر هو ما تسميه الحنين إلى زمن مضى.
(*) لك كثير من المشاركات محليًا وعربيًا، أيها الأقرب إلى قلبك؟
بصراحة، كل مشاركاتي المحلية والعربية كانت مهمة جدًا بالنسبة لي، وكل واحدة منها أضافت لي خبرة جديدة وطورتني.
لكن، إذا شئت أن أختار محليًا، أتوقف أمام مشاركتي بالمناسبات الوطنية الأردنية، إذ يشعر الفنان بالاعتزاز كون الدولة تتذكره في مثل هذه المناسبات.
أما عربيًا، فلا أنسى حفلي في دار الأوبرا في القاهرة. كانت فرصة رائعة التقيت فيها بالفنان الكبير من العصر الذهبي كمال الطويل، ملحن عبد الحليم حافظ، وشادية، وغيرهما من الفنانين الكبار. كان كمال الطويل سعيدًا جدًا بصوتي، ولم يصدق أني أردنية، كأن الانطباع السائد لديهم أن الأردن يخلو من أصوات جميلة، أو كأن فكرة وجود مطربة أردنية ليست واردة لديهم.
(*) كثيرًا ما نسمع عن فن ملتزم وفن غير ملتزم. هل يوجد هذا التصنيف حقًا في عالم الموسيقى والأغنية؟
طبعًا، في العالم كله نسمع عن الفن الملتزم والفن غير الملتزم. باختصار، الفن الملتزم هو الذي يخاطب الإنسان بما فيه من خلق، وروح تلتقط اللمسات الإبداعية.
أما الفن غير الملتزم... دعني أسميه «الهشّك بشّك» فموجود ليقول للناس: ارقصوا وانسوا كل شيء. أي أنك لا تسمع أغنية، بل ترى رقصًا، وحركات استعراضية. كثير من هذه الأغنيات لا يهتم المتلقي للكلمات، بل ربما لا يفهمها، بل يأخذه الإيقاع الراقص، والديكورات المبهرة.
في رأيي، الفن، أو الأغنية، يمكن أن تكون بسيطة بكلماتها ولحنها أحيانًا. لكن، عندما يكون كل المعروض على نفس الشاكلة فهذا يمس ذوق وثقافة الجمهور.
(*) لك إسهامات موسيقية دعمًا لأهلنا في غزة. حدثينا عنها؟
أعترف أن ما قدمته لغزة ولفلسطين كانت محاولات بسيطة، من وجهة نظري. لكن حاولت أن أعبر عن حزني ودعمي بصوتي وكلمتي. لأن الفن يمكنه أن يحرك الوجع داخلنا، ويجعلنا نفكر بأهلنا هناك، ونشعر بهم، ولو من بعيد.
(*) رغم تمكنك من الموسيقى دراسيًا، وامتلاكك صوتًا جميلًا، إلا أنك تحرصين على الحضور المحدود. إلى ماذا تعيدين ذلك؟
بصراحة، عندما يكون لدي عمل جديد ومدروس وجاهز ومتقن أقدمه للناس. غير ذلك لا أرى ضرورة للظهور من دون أن يكون لدي جديد.
الظهور المتكرر للفنان ليس لصالحه، خاصة إذا كان قائمًا على قاعدة الانتشار، وليس الاختيار. الجمهور نفسه ينفر منه. وأنا أحب أن أترك نكهة خاصة في كل عمل أقدمه. الأمر لا علاقة له بكثرة الأعمال التي تقدمها، بل بالأثر الذي تتركه في كل عمل.
(*) يمكن القول إن كل الساحات الفنية العربية أنجبت أصواتًا لافتة في سماء الأغنية العربية، خاصة على صعيد الصوت النسائي إلا الساحة الفنية الأردنية، إذ بقيت قاصرة عن تحقيق ذلك. هل تشاركيني الرأي، ولماذا؟
كلامك صحيح.
أذكر أنني سألت أستاذي في المعهد الوطني للموسيقى هذا السؤال، وكان جوابه غريبًا، وربما منطقيًا. قال لي إن الموضوع مرتبط بالجغرافيا، وطبيعة الأرض، وطبيعة الحياة، والمعاناة التي عاشتها الشعوب والحضارات في كل منطقة.
بالمناسبة، لدينا أصوات جميلة كثيرة. لكن، للأسف، لا يحصل أصحاب هذه الأصوات على فرصتهم.
هنالك سبب آخر مهم: أن الفن في بلدنا ليس جزءًا من حياتنا اليومية مثل بعض الشعوب الأخرى. ولا تنسَ ثقافة العيب التي حالت دون وصول كثير من الأصوات التي تستحق الحضور. بمعنى أن السبب ليس فقط له علاقة بجغرافيا، أو تاريخ، بل يبدو أن هنالك ثقافة مجتمع، وأسلوب حياة، لهما دور في تغييب أصوات غنائية جميلة.


تحميل المقال التالي...