}

خالد الجبر: عزمي بشارة أعاد تأطير المشهد ببُنية معرفيّة/فلسفيّة

أحمد طمليه 24 يوليه 2025
حوارات خالد الجبر: عزمي بشارة أعاد تأطير المشهد ببُنية معرفيّة/فلسفيّة
خالد الجبر
خالد الجبر أكاديمي وناقد وأديب أردني من مواليد قلقيلية في فلسطين عام 1964. حاصل على الدكتوراه في النقد والبلاغة من الجامعة الأردنية بمرتبة الشرف الأولى (2002)، وسبقتها درجتا الماجستير والبكالوريوس بامتياز في الأدب العربي. عمل أستاذًا في عدد من الجامعات في الأردن وفلسطين وقطر، وشغل مناصب أكاديمية، منها: عميد كلية الآداب، ورئيس قسم اللغة العربية، ورئيس تحرير مجلة علمية محكّمة، وهو حاليًّا خبير لغوي في "معجم الدوحة التاريخي للّغة العربيّة".

ينتمي الدكتور الجبر إلى الجيل الذي جمع بين النظرية والتطبيق، ففضلًا عن إشرافه على رسائل جامعية، ومشاركته في مؤتمرات دولية، وتدريسه مقرّرات النقد والبلاغة والكتابة الإبداعية في البكالوريوس والدراسات العليا، صدر له أكثر من عشرين كتابًا علميًّا وأدبيًّا محكّمًا، منها: عنقاء يوسف، جدل الإبداع والتلقي، أقانيم الوجود، شعرية الفقد، التلقي في التراث الفكري العربي، كما اشتغل في تحقيق النّصوص التراثية، ومنها: الشِّعر والسِّحر، وديوان الصّبابة، وبلبل الغرام، وشرح شعر الشّنفرى، وحرّر كتبًا ومقررات جامعية في مجالات اللغة والفكر.

كتب وأعدّ أكثر من عشرة برامج إذاعية وتلفزيونية، من أبرزها: فكر وحضارة، مجالس الأدب مع ناصر الدّين الأسد، صهيل القوافي، أدبنا الجميل، وجرير: شاعر تميم، الباحث عن النّور (سلمان الفارسيّ)، ونُشرت له مقالات فكرية ونقدية في: "العربي الجديد"، و"الرأي الثقافي"، و"مجلّة أفكار"، و"مجلّة تايكي".

يتّسم مشروعه الفكري بالسعي إلى عقلنة العلاقة بين اللغة والتراث والمعنى، وتوظيف أدوات العصر لخدمة اللغة العربية في التعليم والثقافة والإعلام.

لأن غزة لم تعد قضية سياسية، بل قضية إنسانية تمس الضمير الإنساني العالمي، كان هذا الحوار:

(*) يبدو أن غزة وما تتعرض له من حرب إبادة وحشية قد فرضت نفسها علينا، بحيث بات من المتعذر أن نفكر بشيء في معزل عنها. أنت أيضًا أستاذ بلاغة، ويكاد ما تكتبه أن ينحصر في غزة. وفي ضوء  ما كتبته مؤخرًا عن حديث د. عزمي بشارة حول مستقبل غزة في ظل حرب الإبادة ومفاوضات الهدنة والتطبيع مع الاحتلال، هل لك أن تلخص لنا أبرز ما جاء في حديث د. بشارة، وما هي أهم الخلاصات التي خرجت بها؟

بالنظر الفاحص إلى حديث الدكتور عزمي بشارة الأخير (عبر التلفزيون العربي)، يتّضح أنّه لا يقدّم تحليلًا سياسيًّا ظرفيًّا لما يجري في غزّة فحسب، بل يُعيد تأطير المشهد كلّه ضمن بنية معرفيّة وفلسفيّة تُحيلنا إلى صلب سؤال الأخلاق والعدالة، وإلى طبيعة الصراع كما هو لا كما يُراد له أن يُفهم في سرديات التبرير والتطبيع. حديثه يقوم على أربعة محاور متكاملة لا يمكن عزل بعضها عن بعض: الأول هو الجوهر الأخلاقي لضرورة وقف الحرب، والثاني هو الجهل العميق بطبيعة العدوّ الاستعماريّ الصهيونيّ، وهو جهل يؤدّي إلى الانزلاق في أوهام "السلام" المجّاني و"التطبيع" العقيم. والثّالث هو ضرورة التّمييز بين الدّولة والنّظام، والوعي بالمحافظة على الدّولة حين يمكنُنا تغيير النّظام. والرّابع هُو إمكانيّة خروج المنطقة كلّها من عباءة الحماية الأميركيّة (الّتي تريد إسرائيل الاستئثار بالنّصيب الأكبر منها) إلى ترتيبات أمنيّة عربيّة مع تركيا وإيران. ولعلّ في المقابلة قضايا أُخرى مهمّة جدًّا، مثل: مناقضة الشّعوب العربيّة لخيارات أنظمتِها، وهذا ما ظهر في رفض شعوب الأردنّ والمغرب ومصر للتّطبيع مع إسرائيل، والإقبال المحموم عليه الآن في سورية لأنّ النّظام كان يتبنّى ظاهريًّا شعارات تناصر القضيّة الفلسطينيّة. فضلًا عن ضرورة المراجعة التّاريخيّة لفكرة "اجتثاث النّظام" لدى الثّورات الّتي تنجح في إزالة النّظام، وتفكّك الأمّة الوطنيّة إلى طوائف وإثنيّات.

في المحور الأول، يؤكّد بشارة أن مطلب وقف الحرب لم يعد مجرّد خيارٍ سياسيّ مطروح للتفاوض، بل هو اختبار قيميّ لأخلاقيّة الفاعلين، أيًا كانت مواقعهم: حكومات، نخب، فصائل مقاومة، شعوب، مؤسّسات دوليّة. إنّ مطلب وقف الحرب يُستعاد من عمق الفلسفة الأخلاقيّة الحديثة، حيث لا يكون الضمير مفهومًا تجريديًّا بل هو فاعليّة سياسيّة حقيقيّة، تتكشّف في لحظة المحنة. وعليه، فإنّ كلّ تردّد أو صمت أو تنصّل، إنّما يُقاس بوصفه انهيارًا في مناعة الضمير، وخيانة صريحة لقيم العدالة والحرية. ومعه مطلب وقف إطلاق النّار، الّذي قد تستغلّه (إسرائيل) لتثبيت رؤيتِها القابلة للاستعارة ممّا تفعله في لبنان وسورية. من المهمّ منح أهل غزّة فرصة التّنفّس واستجماع عناصر البقاء.

بشارة لا يرى المعركة مع إسرائيل مجرّد مواجهة بين جيوش، بل صراعًا بين من يدافع عن المعنى، ومن يفرّط به في سوق المصالح الرخيصة


أمّا المحور الثاني، وهو الأخطر من حيث ما يكشفه من هشاشة إدراكيّة، فهو الانبهار الوظيفيّ بطبيعة "العدوّ"، حيث تُبنى سياسات بعض الأنظمة العربيّة على تصوّر ساذج للكيان الصهيونيّ بوصفه قوّة يمكن مهادنتها وتوظيفها لتحقيق "الاستقرار". وهنا، يفضح بشارة هذا الانحراف في الرؤية، إذ يعتبره تزييفًا للواقع الاستعماريّ الإحلاليّ، الذي لا يسعى إلى تسوية، بل إلى إزالة الفلسطينيّ من الجغرافيا والتاريخ والذاكرة.

في هذا السياق، لا يكون التطبيع خطأ سياسيًّا فحسب، بل خطيئة أخلاقيّة واستراتيجية، لأنّه يمثّل مكافأة للمجرم، تُمنح بلا مقابل، وتُوقّع على جثث الشهداء وخرائب المخيّمات. إنّ بشارة، في خطابه، لا يرى المعركة مع إسرائيل مجرّد مواجهة بين جيوش، بل صراعًا بين من يدافع عن المعنى، ومن يفرّط به في سوق المصالح الرخيصة. فالقضيّة، من منظور فكريّ، ليست في تقاطعات المصالح فحسب، بل في معنى أن تكون عربيًّا، إنسانيًّا، حرًّا. بهذا المعنى، يُعيد بشارة تذكيرنا بأنّ السياسة، إن انفصلت عن الأخلاق، تتحوّل إلى أداة في خدمة القوّة المجردة، وتُصبح قادرة على تبرير الجريمة بدلًا من ردعها. إنّ فكر بشارة، المتّصل بالفلسفة الأخلاقيّة والسياسيّة الحديثة، يُواجهنا كمرآة: من نكون إذا لم نطالب بوقف هذه الحرب؟ ومن نصبح إذا جعلنا من القاتل شريكًا سياسيًّا؟ إنها أسئلة وجوديّة، لا تعني فلسطين وحدها، بل تعني كلّ من تبقّى له ضميرٌ في هذا العالم.

ويذكّر بشارة العرب، مطبّعين ومقبلين عليه، بأنّ ثمّة مبادرة عربيّة (2002)، لم يكُن ينبغي لأحد أن يتجاوزَها بما هي تمثّل إجماعًا عربيًّا، ولا تتغاضى عن وجود أراض عربيّة محتلّة في لبنان وسورية وفلسطين. ويعودُ بالذّاكرة إلى زيارة السّادات الّتي بدأ فيها مسار مفاوضات واتّفاقيّة "كامب ديفيد"، مذكّرًا بالموقف الصّارم تجاهَها الذي بلغ وصمَها بأنّها خيانيّة، لكنّ السّادات أيضًا لم يتنازلْ عن شبرٍ واحدٍ من الأرض المصريّة، فلعلّ المُغرمين بالتّطبيع ومُكتشفي فضائله في عصرنا هذا أن يفهموا ذلك؛ فثمّة حربٌ نفسيّة تُخاضُ على السّوشيال ميديا تدعو إلى التّطبيع المجانيّ، وتبرّر هذا بأنّ التّطبيع سيكون حلًّا للمشكلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة لبعض الدّول، وهذا كلّه وهم، بل هو تجسيدٌ لدعاية رخيصة؛ فالإصرار على استرجاع الأراضي المحتلّة والحقوق لا يعني إطلاقًا الوقوع في مشكلات اقتصاديّة.

وفي المحور الثّالث تناول الدّكتور عزمي بشكل واضح مسألة التمييز بين الدولة والنظام السياسي، محذّرًا من تكرار الخطأ الاستراتيجي الذي ارتُكب في العراق بعد عام 2003، والذي لا يجوز تكراره في سورية أو غيرها من الدول العربية التي تمر بتحوّلات، ونصّه في هذا مهمّ جدًّا: "في العراق، سقط النظام وسقطت الدولة... أُزيل النظام، لكن تم حلّ الجيش، تم تفكيك مؤسسات الدولة، فحصل فراغ سيادي، وفراغ أمني، ودخلت ميليشيات وطوائف، وأُدخلت البلاد في صراع أهلي طويل". ثم تابع في سياق تحذيره من تكرار النموذج العراقي في سورية: "لا يجوز أن نُسقط النظام ونسقط معه الدولة. النظام يجب أن يتغيّر، لكن مؤسسات الدولة – من إدارة، وجيش، وقضاء – يجب أن تُحمى من الانهيار، لأنها ضمان بقاء الوطن".

بهذا التمييز الصارم، يَلفت بشارة إلى ضرورة الفهم العميق للفرق بين الكيان الذي يُمثّل استمرار المجتمع (الدولة)، وبين بنية السلطة التي قد تكون استبدادية وتستوجب التغيير (النظام). فحين يُخلط بينهما، تتحوّل الثورة إلى فوضى، ويصبح السعي إلى التحرر بوّابة لانهيار السيادة والهوية الوطنية.

هذا الفهم لا يتّصل فقط بتحليل سياسي، بل برؤية فلسفية ترى أن الدولة الحديثة ليست ملكًا للنظام، بل إطارًا ضروريًّا لحماية المجتمع وحقوقه. لذلك، فإن أي تحوّل لا يُحافظ على مؤسسات الدولة، هو تكرار لمأساة العراق، حيث أصبح الفراغ الذي خلّفه إسقاط الدولة أوسع من قدرة المجتمع على احتوائه.

أبرز ما يميّز كلام بشارة تلك العبارة الصادمة: "مراكز توزيع ما يُسمّى المساعدات هي مصائد موت، فعلًا مصائد موت" (© الأناضول)


أمّا المحور الرّابع، فهو التّرتيبات الأمنيّة العربيّة مع تركيا وإيران. قدّم الدكتور بشارة طرحًا استراتيجيًّا بالغ الأهمية، يتمثّل في الدعوة إلى تأسيس ترتيبات أمنية إقليمية مستقلة تضمّ العرب وتركيا وإيران، بما يتيح للعالم العربي التحرّر من الارتهان لفزّاعة الحماية الأميركية، التي لم تعد تُوفّر أمنًا بل صارت غطاءً لهيمنة إسرائيل المطلقة في المنطقة. وأوضح بشارة أن الولايات المتحدة، التي تمنح إسرائيل كل شيء – من الدعم السياسي والعسكري، إلى الحصانة المطلقة في حرب الإبادة ضد غزّة – لا يمكن اعتبارها شريكًا موثوقًا في أي معادلة أمنية عادلة. وعليه، فإن بناء منظومة أمنية بديلة، توازن إسرائيل وتكفّ يدها، وتستعيد المبادرة العربية الإقليمية، أصبح ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل. إن بشارة، في هذا الطرح، لا ينطلق من رغبة في التصعيد، بل من مصلحة عربية واضحة في حفظ الاستقرار والسيادة، عبر استعادة أدوات الردع الذاتي، وتجاوز منطق التبعيّة الأمنية للغرب. فالتاريخ القريب – في العراق وسورية ولبنان – يثبت أنّ الحماية الأميركية غالبًا ما كانت غطاءً لتمزيق الدولة الوطنية، وتمرير مشاريع التفكيك تحت لافتة الحماية. من هنا، فإن ما يطرحه بشارة ليس سفسطة ولا نزقًا تحليليًّا، بل رؤية نقدية عقلانية تنبع من منطق السيادة والمصلحة، وترتكز على واقعية استراتيجية تعيد إلى العرب قدرتهم على المبادرة، بدل أن يكونوا رهائن لمعادلات تفرضها القوة الخارجيّة وتحسمها لصالح إسرائيل دائمًا.

وأحبّ هنا التّنويه عمّا تضمّنته هذه المقابلة من اختلافٍ نوعيّ في الأسلوب الّذي وظّفه الدّكتور عزمي، إذ جاء مزيجًا فريدًا من الفصحى والدارجة، يستثمرُ في مقاطع من كلامه: السخرية السوداء، والتهكّم الموجّه اللّاذع، لا بوصفه أدبًا بل سلاحًا سياسيًّا وموقفًا أخلاقيًّا. فهو لا يكتفي بتشخيص الواقع، بل يهزّ بنيته، ويفكّك منطقه بالمفارقة، والاشمئزاز، والدهشة الساخرة.

أبرز ما يميّز كلامه تلك العبارة الصادمة: "مراكز توزيع ما يُسمّى المساعدات هي مصائد موت، فعلًا مصائد موت"؛ فهي ليست مجرّد توصيفٍ، بل تفكيكٌ لتقنيّات القتل المقنّع، حيث تنقلب "المساعدة" إلى "مصيدة"، والنجاة إلى فخّ. التكرار هنا ليس تأكيدًا لغويًّا، بل تأكيد على بشاعة العبث الإنسانيّ، وتعبيرًا نفسيًّا صارخًا عن حدّة الألم الّذي يخلّفه مشهد الاستهانة بحياة النّاس الأبرياء.

ثمّ تأتي العبارة: "مفارقات... مثل مفارقة جائزة نوبل، مفارقات عديدة في عصرنا، بل في هذا العام"، وهي تشتغل في مستوى البلاغة الساخرة، إذ تتكئ على التكرار التصاعديّ لتصوّر عالمًا مقلوبًا، وتستدعي "نوبل" لا بوصفها جائزة، بل كناية عن اختلال ميزان القيم في العالم المعاصر، حيث تتجوهر الجائزة في سياق المهزلة. ثمّ يصف مفارقة عبثيّة أخرى: "مجرم حرب يقترح أن يرشّح رئيس دولة لا علاقة له بالسلام ولا بالإنسانيّة ولا بحقوق الإنسان... يقترحه لنيل جائزة نوبل للسلام. مهزلة". هنا ينهار المنطق تمامًا: فمَن يُجرَّم يُكرَّم، ومن يُقصَف يُعاقَب. ويُعزِّز هذه المفارقة بإضافة: "وألبانيزي تُفرض عليها عقوبات كأنّها مُجرمة، ومحكمة الجنايات الدوليّة تُفرض عليها عقوبات وعلى قضاتها... عبث...". السلسلة اللغويّة هنا (مفارقة، مهزلة، عبث، ...) ليست توصيفًا فحسب، إنّما هي تعريةٌ لادّعاءات "النظام العالميّ"، ومواجهة لأخلاقيّته المصطنعة.

وفي تشخيصه لمنطق العدوّ، يقول: "هؤلاء الكائنات التي تقوم بالحرب على غزّة أدركت أنّ ما يمكن أن تحقّقه بالحرب قد تحقّق". اللافت هنا استعمال كلمة "الكائنات"، لا "الدول" ولا "الأنظمة"، في إشارة مزدوجة إلى نزع الإنسانيّة، وتعرية الوحشيّة. إنّه توصيف يُجرّد المعتدي من كلّ شبهة عقل أو قيم، ويُحيله إلى موجودٍ بيولوجيّ مجرّد.

وتبلغ السخرية التحليليّة ذروتها حين يقول: "المظاهر السيميائيّة في سلوك ترامب وكلامه: الكلمة الأخيرة، القصف الأخير"... وفي لغة الجسد والمضمون: "تركيبة نادرة في التاريخ من الجهل والنرجسيّة". لا يصف بشارة ترامب مباشرة، بل يرسم "سيمياء" وجوده، متمثّلة في خطاب القوة والبطش والمشهديّة. استخدام مصطلحات أكاديمية مثل "السيميائية" و"لغة الجسد" في تحليل شخصيّة سياسيّة يعبّر عن تداخل الرمز والسياسة، كما أن عبارة "تركيبة نادرة من الجهل والنرجسيّة" ليست مجرّد هجاء، بل تحليل نفسيّ- تاريخيّ.

ثمّ تأتي الإشارة الموجعة إلى واقع الداخل العربيّ: "في سورية ولبنان ثمّة قوى تفرح بالقصف الإسرائيليّ لسورية ولبنان". العبارة تقلب الصورة الوطنيّة رأسًا على عقب، وتكشف عن عطبٍ داخليّ في تعريف العدوّ، إذ لم يعُد معيار الموقف هو السّيادة، والأمن الوطنيّ، بل الشّهوة والغرائزيّة الطائفيّة والمصلحة الآنيّة.

ثمّ يتوجّه بنداء تقريعيّ مباشر: "الدّول العربيّة، هل تقبلون أن يكون هؤلاء الدّخلاء على المنطقة هم الذين سيقولون من هو العدوّ وما هو الخطأ والصّواب؟". هنا تتّخذ لغته هيئة خطاب بلاغيّ حجاجيّ، يُفجّر سؤالًا وجوديًّا في وجه أنظمةٍ فقدت بوصلتها، ويعيد تعريف الكرامة الوطنيّة عبر هذا الاستفهام الغاضب.

ولم يكتفِ بالفصحى، بل لجأ إلى العاميّة لإيصال نبرة السخرية المريرة والإدانة الشعبيّة:

  • "في ناس الله خلقهنّ هيك بحبّوا إسرائيل، مغرومين فيها"؛ وهي عبارة تفكّك التواطؤ النفسيّ، لا السياسيّ فقط، بلغة تُشبه لغة الناس، وتعبّر عن اختلال في الفطرة نفسها.
  • "بأيّ حقّ بدّك تتنازل عن حقوق الشّعب الفلسطيني؟ ثمّ كيف بدّك تتنازل عن أرضك المحتلّة؟"؛ تتضمّن نبرتها سؤالًا تقريعيًّا يُسائل منطق التنازل والخنوع، ويُعيد الأمور إلى مربّعها الأخلاقيّ.
  • "بطّل في شرش حيا كمان يعني؟"؛ عبارة جارحة، تستبطن القرف من السّقوط الأخلاقيّ، وتحيل إلى انهيار الضمير والحياء العام.
  • وتختتم بلطمة لغويّة أخيرة: "في شعب يُذبَح الآن وأنت بتناقش كيف تطبّع مع المجرم بدل ما توقّفه؟"، حيث يقابل بين الذبح والتطبيع في مشهدٍ فجّ يُعرّي خواء الخطاب العبثيّ الفارغ.

ويصف وسائل التواصل الاجتماعي بأنّها: "وسائل تنابذ"، ثمّ "مجمّع نفايات"؛ فبدل أن تكون منصّات للتواصل والحوار، تحوّلت – في رأيه – إلى ساحة للشتم والتحشيد والانحدار المعرفيّ، وهذه ثيمة تكرّرت في كتاباته وتحليلاته السابقة.

خلاصة: الخطاب الّذي وظّفه بشارة في هذه المقابلة ليس مجرّد تعليق سياسي، إنّما تشكيل لغويّ لمشهد تاريخيّ مختلّ. لغته تجمع بين بلاغة التهكّم، وتحليل البنية السيميائية، والتقريع الأخلاقي، فضلًا عن التّحليل الرّصين للمشهد، والتوصيف المعرفيّ للأحداث، ليعيد بناء الأسئلة الكبرى: من العدوّ؟ ما معنى العدالة؟ وأين يقف الإنسان ممّا تقترفُه (إسرائيل) من إبادة جماعيّة وجرائم ضدّ الإنسانيّة في غزّة والضّفّة؟



معنى أن تكتبَ عن الإنسانِ في غزّة
 

(*) يناشدنا أهلنا في غزة أن نواصل الكتابة عنهم. هل ترى أن الكلمة سلاح يُعوّل عليه في ظل وجود احتلال لا يسمع ولا يفهم؟

نعم، بل أؤكّد أنّ الكلمة، في لحظات الانهيار الأخلاقي الشامل، ليست أداة تعبير وحسب، بل ما تبقّى من أدوات العدالة حين يصمت العالم أو يتواطأ. قد لا يسمع الاحتلال، لأنّ بنيته قائمة على نفي الآخر وسحق وجوده، لكنه ليس المقصود بالكلام؛ المقصود هو الضمير الإنساني العالمي، الذي وإن خفت صوته، لا يموت بالكامل. المطلوب من اللغةِ أن تُحدّث هذا الضمير، تُوقظه، تُربكه، تُحرجه، تُذكّره بأنّ هناك من لا يزال يرفع الصوت، لا طمعًا في مكافأة، بل دفعًا لخزي الصمت.

أن تكتبَ عن الإنسانِ في غزّة؛ فذلك يعني أنّك تعيشُ معه، أو تعايش ألَمه وتتتبّع أوجاعه. أن تُهمل الإنسان في غزّة من كتاباتك يعني أنّك لا تكترث له، ولا تهتمّ بما يصيبه. ومؤدى ذلك أمران: الأوّل أنّك فقدت إنسانيّتك، وضمنيًّا وطنيّتك وعروبتك وقيمَك وأخلاقك وتديّنك؛ لأنّ الإطار الإنسانيّ هو الأوسع وهو يشتمل على هذه كلّها. والآخَر: أنّك أصبحت تهادنُ المُجرم وتواطئُه على جرائمه، وأنت تعرف تماما أنّ جرائمه ستشملك عمّا قريب. وفي الحالتين: أنت الخاسرُ إذا لم تكتُب كتابةً تليق بغزّة، وتكون بمستوى جرحها النّازف. وكأنّ غزّة حين تطالبُنا بالكتابة عنها، وعن أهلها، إنّما تطالبُنا بأن نُبقي على الإنسان فينا، والوطنيّ والعُروبيّ والنّبيل الإسلاميّ والمسيحيّ، هي تعلِّمُنا لنُعليَ من شأن الإنسان ونتمسّك بالعدالة والحرّيّة والمساواة، ونرفض بشاعة العنصريّة والتّمييز والاضطهاد والقمع والظّلم والاستعباد.

ليس الفعلُ الكلاميّ مقاومة مجازيّة ولا مجازًا للمقاومة، بل هو شكل من أشكال الفعل السياسيّ والفلسفيّ، حين تتحوّل اللغة من أداة تصوير إلى أداة اشتباك. نحن لا نكتب لأنّنا نملك رفاه القول، بل لأنّنا نرفض أن نكون شهود زور، أو شهود نسيان. الكتابة ليست فعل تأثير بقدر ما هي فعل تسجيل للموقف الأخلاقي، شهادة في وجه الزمن، لا لتأريخ ما جرى فقط، بل لتحديد من وقف ومن انحنى، من صاح ومن صمت، من انحاز للمعنى ومن باع دمه بلاغةً رخوة.

في زمن تُمحى فيه المدن ويُقتلع البشر من الأرض والذاكرة، تصبح الكتابةُ حفظًا لمعنى الإنسان نفسه. كل اسم يُكتب، كل بيت يُوصف قبل أن يُقصف، هو اعتراض على منطق الإبادة، وتثبيت لأنّنا كنّا هنا، وأنّنا عرفنا، وقلنا، ورفضنا. ليست الكتابة ترفًا لغويًّا، بل جبهة وعي تقف حين تنهار جبهات السياسة، وسلاح أخلاقي حين تتآكل لغة المصالح. كلماتُنا ليست تعزية ولا تجلِّيًا عاطفيًّا، بل مقاومة سرديّة وفكرية تُؤسّس للعدل في الزمن الطويل، حين يخون العدالة أهل القوة والقرار.

ومن هنا، فإنّنا اليوم لسنا بحاجة إلى شعرٍ يتجاوز الواقع استعارةً ومجازًا في محاولة للتخفيف من فظاعته أو تهويله حتى يتبدّد معناه. لسنا في لحظة ترميز بلاغيّ تُنتج غرابة لغويّة تُدهشنا ثم تتركنا في العراء. نحن في حاجة إلى كلمة تُعادل الحقيقة في مرارتها، وتواجه الألم لا تهرب منه، وترتقي ببلاغتها إلى مستوى جراح غزّة وكرامة ناسها. كل نصّ لا يوازي هذا السموّ العظيم، لا يستحق أن يُقال. كل كتابة لا تُقابل شجاعة الأمهات اللاتي ينتظرن أسماء أولادهنّ بين القوائم، لا حاجة لها. كل استعارة لا تستطيع أن تمشي في الركام بأقدامها، لا يجب أن تُطلق من فم شاعر.

في هذا السياق، تبرز مبادرات حيّة مثل مدوّنة "نحن الحكاية" التي خُصّصت لكتابات أهل غزة أنفسهم، من داخل الدمار، من داخل البيوت المقصوفة والمستشفيات المحاصرة، من بين الأطراف المبتورة والأنفاس المتقطّعة. هم الذين يكتبون، لا باعتبارهم موضوعًا للقصيدة، بل باعتبارهم ذات القصيدة الحيّة المقاومة. وهذا النموذج من الفعل الكلاميّ هو ما ينبغي أن يُحتذى، لأنه ينسجم مع هول الإبادة، وفجائع التدمير، والقتل المنهجي، ويعيد للّغة جدارتها بأن تكون صوتًا للنجاة، لا غبارًا على الركام.

(*) يقول الشاعر: "أخي جاوز الظالمون المدى"... ماذا تقول؟

أقول كما قال الشاعر، ثم أواصل: وإذا جاوز الظالمون المدى، وجب على الكلمة أن تتجاوز الخوف والصمت والتردّد، وأن تنهض من موضعها الطبيعي في النصّ، إلى موضعها الاستثنائي في الفعل. لقد كتب علي محمود طه قصيدته تلك في زمن النكبة الأولى، حين كانت فلسطين تُغتال على مرأى النّظام العربيّ ومسمعه، أما نحن اليوم فنكتب من قلب نكبة مستمرّة، ما تزال جرائمها تُرتكب على الهواء مباشرة، بدم بارد، وبعجز عربيٍّ مدوٍّ. أرجو أن ننتبه هنا، فأنا لا أتحدّث عن عجز النّظام الرّسميّ العربيّ، فقط، إنّما المُدهش هو عجز الشّعوب العربيّة عن إظهار تضامُنها الحقيقيّ مع الشّعب الفلسطينيّ في أخطر حرب إبادةٍ جماعيّة وجرائم واضحة تُرتَكب بحقّه. ومع أنّ المسيرات الاحتجاجيّة ليست كافية، لكنّها أصبحت كالغائبة عن الجماهير العربيّة في كلّ الأقطار تقريبًا... سوى اليمن الذي ظلّ على موقفه منذ البدايات. هذا مؤشّر خطير جدًّا على تبلُّد إحساس الإنسان العربيّ تجاه قضايا مصيريّة ظاهرة، فكيف حين تكون القضايا خفيّة ذوات أوجُه، ويمكن تحميلها تفسيرات متعدّدة؟

من المهمّ أن يعي المثقّفون والنُّخب في العالم العربيّ أنّ دور المثقّف (النّخبة) في الأزمات وأوان الانحدار أهمّ عشرات المرّات من دوره في لحظات الصّعود والامتداد والقوّة الحضاريّة. واستقالة المثقّف من النّهوض بدوره هي خيانةٌ مركَّبة، وينبغي أن يُحاسِب نفسَه عليها قبل حسابِ الآخرين له.

هذا البيت، بما فيه من استنهاض ونداء شقيق، يصلح لأن يُعلَّق اليوم على صدر كل مثقّف عربي، لا كشاهدٍ بل كموقفٍ لا بدّ من اتخاذه. لقد وُهبنا القلم لا لنصوغ الصمت، بل لنكسره، وإن لم يكن لنا من قدرةٍ على حمل السلاح، فلنكن في صفّ السلاح الأخلاقي: بالعبارة الواضحة، بالرفض القاطع، بالفضح الجريء، بالصوت الذي لا يساوم، ولا يهادن، ولا يستقيل.

المقاومة، في وجه هذا الظلم الفاجر، ليست فقط فعلًا عسكريًّا، بل هي إرادة أخلاقيّة جماعيّة تنبض في الجسد العربي الحيّ. إنّ من يقف في وجه المحتل، أعزل إلا من إيمانه، يكتب بدمه فصلًا من البلاغة لم تقدر عليه لغة الشعراء. فلتكن كلمتنا شاهدةً له، لا عليه؛ مرايا تضيء شجاعته، لا أقنعة تتوارى عن مأساته.

في زمن تتكالب فيه قوى الظلم، وتتواطأ فيه الوقاحات الرسمية، تصبح المقاومة مرادفًا للكرامة، ويصبح الموقف هو المعنى الأخير للحرية. ومن لا يقف في صفّها – ولو بالكلام– فليس له من الانتماء إلا شكل اللغة، ولا من الضمير إلا رجع التبرير.

كان مشهدًا رائعًا وجود بيضٍ وسود في الفريق القانونيّ لجنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدّوليّة، يترافعون لإثبات أنّ إسرائيل تمارس إبادةً جماعيّة (© فيسبوك South African Government)



(*) تتبنى رأيًا مؤداه أن المقاومة الفلسطينية ليست ترفًا وليست هي السبب في الاحتلال ووحشيته وإبادته. هل توضح؟

في الفيزياء النّظريّة لدينا مبدأ طبيعيّ صحيح: "لكلّ فِعْلٍ ردُّ فِعْلٍ"، ودعنا نغضّ الطّرفَ - مجازًا- عن تتمّة العبارة "يُساويهِ في المقدار، ويُناقضُه في الاتِّجاه"؛ ففي الأفعال البشريّة - أو الهمجيّة- ليس بالضّرورة أن يساوي ردُّ الفِعلِ الفِعْلَ في المقدار، أو يناقضَه في الاتّجاه، فالسّجينُ يعشقُ سجّانَه أحيانًا، أو يتماهى معه في مُراده (بالتّأكيد هذا لا يكون إلّا بعد أفعال ساديّةٍ لا يملكُ السّجينُ أيّ ردّ فعل لمقاومتها).

المقاومة إذًا ليست السبب، بل هي النتيجة. هي ليست الشرارة الأولى، بل الاستجابة الأخيرة التي يضطرّ إليها الإنسان حين تُسدّ أمامه كلّ سبل العدالة، وتُسلب منه الأرض، والحياة، والاسم، والحق في الوجود. إنّ الاحتلال هو الجريمة الأصلية، أما المقاومة فهي ردّ الفعل الأخلاقي الطبيعي والتاريخي على الجريمة. من يتّهم المقاومة بأنّها سبب الإبادة، كمن يلوم الضحية على صراخها تحت التعذيب، ويضع السكين والرقبة في كفّة واحدة باسم "الحياد". وكلّ من يتناسى ذلك، لا يمكن وصفُه إلّا بأحد وصفين: جاهل، أو مُغرِض... ويتّسعُ الوصف الأخير ليمتدّ بين: المتكسِّب والخائن العميل.

إنّ المادة (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنصّ صراحة على "حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وفي أن تسعى لهذا الحقّ دون تدخل خارجي"، وهذا ما أكّدته أيضًا قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا سيما القرار 37/43 في 3 ديسمبر/ كانون الأول عام 1982، الذي يعترف بـ"شرعية كفاح الشعوب من أجل التحرّر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي بجميع الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلَّح".

وفي قلب الفلسفة الحديثة، من روسّو إلى سيمون فايل، يُعتبر التّمرّد على الظلم شرطًا للحرية. كتب جون لوك في (رسالتَيه في الحكم المدني): "إذا سعت الحكومة إلى تدمير حياة الناس أو حريّاتهم أو ممتلكاتهم، فإنّها بذلك تضع نفسها في حالة حرب مع الشعب، ويكون الشعب حينها في حلّ من واجب الطاعة. وعندها، لا يكون من حقّهم فقط أن يرفضوا هذه الحكومة، بل يكون من واجبهم أن يفعلوا ذلك، دفاعًا عن حقوقهم الطبيعية التي تأسس الحكم من أجل حمايتها". فإذا كان هذا من حقّ الشّعوب في مواجهة حكوماتها، فكيف يكون الأمرُ في وجه مشروعٍ إحلاليّ لا يقوم على التفاوض بل على محو الوجود الآخر؟ تصبح المقاومة – بكل أشكالها – ليست حقًّا فقط، بل ضرورة وجوديّة.

المقاومة هي ما تبقّى من الكرامة في وجه عالمٍ اختار، لأسباب مصلحيّة أو أخلاقيّة مزيّفة، أن يساوي بين الجلاد والضحية، وأن يقدّم رواية المحتلّ بوصفها "شرعية" لمجرد امتلاكها فائض القوّة. والمقاومة، حين تكون نابعة من عدالة القضية ووضوح المظلومية، تُصبح صوت الإنسان حين يُراد له أن يصمت، وقوّته حين يُراد له أن يُسحق.

إنّ من يُطالب الفلسطيني بالتخلي عن المقاومة، يُطالبه فعليًّا بالتخلي عن إنسانيّته، وعن آخر أدوات الدفاع عن الحياة. ولهذا، فإن كلّ مقاومة – سواء بالأغنيةِ أو بالبندقية، بالسرد أو بالصمود- ليست تفريغًا لنشاط جسديّ زائد، ولا تعبيرًا عن تلذُّذ بالعَناء والألَم، بل هي متطلّبٌ إنسانيّ، وواجب أخلاقيّ، وحقّ طبيعيّ، وشرعيّ، وقانونيّ، لا يسقط بالتّقادم، ولا يُلغى بالعقوبات، ولا يُقيَّد باعتبارات المنتصر المؤقّت.

على أنّ هذه القضيّة لا يمكنُ تحقيق العدالة فيها عبر نمطٍ واحدٍ من المقاومة، نحنُ في حاجة إلى برنامج شامل، متعدّد الجوانب، يشمل الشّعب الفلسطينيّ كلّه في إطارٍ واحدٍ، يعيدُ تمثيله في إطاره النّضاليّ الّذي حقّق شرعيّة دوليّة "منظّمة التّحرير الفلسطينيّة" بعدَ استردادها من أيدٍ سطَت عليها، ومسخَت مؤسّساتِها فجعلتها ضمن مؤسسات السّلطة التي كان يجب أن تكون خاضعةً لها، وبناء برنامج نضاليّ تتعدّد فيه وجوه المقاومة من الفنّيّ والجماليّ والأدبيّ إلى القانونيّ والسياسيّ والكفاح المسلّح... من الأغنية إلى الرّصاصة.

النخبة اليوم تُختبر في ضميرها

(*) هل ترى أن النخب العربية من مثقفين ومفكرين أنصفوا غزة من حيث الدعم والمساندة، أم ثمة تقصير؟

بعضهم أنصف، وأكثرهم قصّر. نعم، لا يمكن إنكار أن في أوساط النخبة العربية من وقف إلى جانب غزّة، وكتب، وصرخ، وواجه ضغوطًا وحملات تشويه من أجل أن يقول كلمة حقّ في وجه آلة الباطل. لكن هؤلاء قِلّة، والاستثناء لا يصنع قاعدة. أما القاعدة العامّة، فهي صمتٌ، أو تردّدٌ، أو تبريرٌ متخفّف من كلّ عبء أخلاقي.

والإنصاف، في مثل هذه اللحظة الدامية، لا يكون بتغريدة انفعاليّة، ولا بنصّ أدبيّ موسميّ، بل باتّخاذ موقف علنيّ واضح ضد الاحتلال، وضد كلّ نظام يهادنه، أو يصمت عن جرائمه، أو - وهو الأسوأ- يشرعنه بتطبيع وقحٍ يُكافئ فيه القاتل ويُقصى فيه المقتول.

ثمة مثقفون – وبعضهم كان يُحسب على ضمير الأمة– اختاروا الصمت بذريعة التعقيد السياسي، أو الحرص على "التوازن". لكن في لحظة تُقصف فيها المدارس والمستشفيات، أي توازن هذا؟ وثمّة آخرون كتبوا بلغة مستعارة، لغتُها ناعمة، ورأسُها مدفون في رمال الدبلوماسيّة الثقافيّة، وكأنّ الدم الفلسطينيّ يصلح فقط لأن يكون استعارة فنيّة، لا حقيقة تستحقّ موقفًا.

وما هو أخطر من الصمت، هو التواطؤ المتلفّع بثياب العقلانيّة. حين يقدّم بعض الكتّاب والمفكّرين خطابًا يسوّغ فيه التطبيع، ويعتبره "خيارًا سياديًّا"، أو وسيلة "لحماية الداخل"، فإنّه لا يقدّم قراءة سياسية، بل يرتكب خيانة معرفيّة وأخلاقيّة مزدوجة. لأنه يزيّف وعي الناس، ويدفعهم للتصالح مع الجريمة، تحت لافتة "الواقعية".

النخبة اليوم لا تُختبر في بلاغتها، بل في ضميرها. والمثقّف، إذا لم يكن شاهدًا صادقًا على هذه الإبادة المتواصلة، فقد اختار أن يكون شاهد زور في محكمة التاريخ. فإمّا أن يكون المثقف صوتًا للناس، وامتدادًا لمعاناتهم، وواجهةً لكرامتهم، أو أن يصبح واجهة ناعمة للسلطة والخراب.

لقد كان جان بول سارتر يقول: "على المثقف ألا يكون موظفًا لدى أي سلطة؛ وظيفته هي أن يُقلقها، لا أن يبرّر لها القتل". وإذا كان زمن القلق قد مضى، فنحن الآن في زمن الفضيحة. ومثقّفٌ لا يُدين الاحتلال إبّان ارتكاب المجازر في وضح النّهار، لا يستحق أن يُسمّى كذلك، بل هو مجرّد شاهد زور على جنازة أخلاق وجثّة وطن.

(*) هل تأخذنا في رحلة عبر الزمان تستشهد فيها بمواقف بلاغية وشعر تظهر كيف انتصر الحق على الباطل عبر التاريخ؟

تاريخ الإنسانيّة حافلٌ بمواقف كبرى انتصر فيها الضعفاء بالفكرة والمعنى واللّغة، قبل أن ينتصروا بالسلاح أو بالميدان. لقد كانت الكلمة، حين تُقال في وقتها، وبالجرأة التي تستحقّها الحقيقة، شرارةَ التحوّل الأخلاقيّ والسياسيّ في مصائر الشعوب. من عبارة مارتن لوثر كينغ الخالدة "I Have a Dream"، التي قالها في قلب واشنطن أمام مئات الآلاف من أبناء جلدته المقهورين، إلى جملة نيلسون مانديلا أمام محكمة الفصل العنصري في بريتوريا "I am prepared to die"، حين قدّم حياته رهانًا على الحرية، لا دفاعًا عن ذاته. ومن صرخة أبي القاسم الشابي: "إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة..."، التي باتت بيانًا شعريًّا سابقًا لكلّ ربيع، إلى خطاب جيفارا في الأمم المتحدة، حين قال: "أينما وُجد الظلم، فثمّ موقعي".

كلّها لحظات بلاغيّة عظيمة، لم تكن مجرّد كلمات تُزيّن مشهدًا، بل صارت جزءًا من سيرورة النضال الإنسانيّ نفسه، أطلقت قوى التغيير، وهزّت جدران اللامبالاة، وأعادت تعريف مفردات الكرامة والسيادة والمقاومة.

من قصائد أبي القاسم سعد الله في الجزائر: "فخُذ الحقَّ اغتصابًا واكتساحْ "، وأشعار محمود درويش التي جعلت من اللغةِ وطنًا حين ضاق الوطن: "وحبوبُ سُنْبُلةٍ تموتُ، ستملأُ الوادي سَنَابِلْ". بل حتى في الجاهلية، كم من بيتٍ قاله شاعر حرّ، كان كافيًا لفضح ظلم، أو لنصرة ضعيف، أو لردع جبّار. لقد سقطت ممالك قبليّة حين صرخَ الشُّعراء مُخلصين في وجهها: "ولي دُونَكُم أَهْلُونَ" كما صاح الشّنفرى: "ولقدْ شَفى نَفْسي وأبرأَ سُقْمَها... قِيلُ الفَوارسِ: وَيْكَ عَنْتَرَ، أَقْدِمِ".

البلاغة، حين تكون صادقة، ليست قشورًا جماليّةً زائدة، بل لغة الحقّ حين تُصبح الفكرة سلاحًا. ليست زخرفة، بل مواجهة. ليست نصًّا منعزلًا، بل موقفًا مضيئًا في جبهة الوعي. ولهذا، فإننا في هذا الزمن الذي تتكالب فيه الأصوات لتبرير الصمت، وتلميع الجريمة، وتسويد المظلوم، نحن في أمسّ الحاجة إلى إعادة الاعتبار للكلمة، لا كشكل، بل كجوهر. اللغة الفاعلةُ التي لا تُقال من أجل المسايرة، بل من أجل الانتصار للحق.

إنّ اللغةَ اليوم، في سياق العدوان على غزة، ليست وسيلةً للتهوين ولا للتهويل، بل هي شهادة ضروريّة على ما يجري، ومساهمة في بناء ذاكرة أخلاقيّة جماعية، تمنع نسيان الجرائم، وتحفظ للدم معناه، وللمقاومة شرفها. العبارةُ التي تُقال من قلب الفجيعة، لا من خلف مكاتب اللغة، هي التي تكتب التاريخ حقًّا. وواجب الكُتّاب والمثقفين ليس أن يتكلموا فقط، بل أن يتكلَّموا من موضع الانحياز الكامل للعدل والمقاومة، لأنّ من يقف خلف غزّة بلاغيًّا، إنّما يخذلها معنويًّا. اللغةُ لا يجب أن يتبع الحقيقة، بل أن تتقدّمها، وتدفع العالم إلى مواجهتها.

والتّاريخ الحديث شاهدٌ على انتصارات عظيمة سجّلتها الشّعوب في نضالها من أجل استقلالها وحرّيّتها، وتحرّرها من الاستعمار والوصاية؛ هذا ما وجدناهُ في انتصار الثّورة الجزائريّة، والكوبيّة، والفيتناميّة، والصّمود الأسطوري في وجه النّازيّة في ستالينغراد. ولعلّ أقرب انتصار لحقّ واضحٍ على باطلٍ راسخٍ ماثلٌ في انتصار نضال الشّعب في جنوب أفريقيا على نظام التّمييز العنصريّ، بعد عقود طويلة من النّضال المتعدّد الوجوه والطّبقات. وكان مشهدًا رائعًا ذلك وجود بيضٍ وسود في الفريق القانونيّ لجنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدّوليّة في لاهاي، يترافعون لإثبات أنّ إسرائيل تمارس إبادةً جماعيّة، وتقترف جرائم ضدّ الإنسانيّة في حربها على غزّة.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.