}

أحميدة عياشي: التزام المثقفين الأخلاقي يستلزم إدانة الإبادة بغزة

بوعلام رمضاني 28 يوليه 2025
حوارات أحميدة عياشي: التزام المثقفين الأخلاقي يستلزم إدانة الإبادة بغزة
أحميدة عياشي

بعض الأشخاص لا تكفيهم حياة واحدة، ولا ينكر خصوصيتهم الوجودية إلا جاحد، أو منتقم غليظ القلب. يتجاوزون الأيديولوجية والخلافات والأمزجة الشخصية بفرضهم التقدير الناتج عن حضور يثير الإعجاب والنفور في الوقت نفسه انطلاقًا من مواقف متضاربة تنبع من معطيات أراها شخصيًا إيجابية، وأخرى ذاتية لا تمت بصلة لموضوعية وجود قوي يحمل دلالات تفرد لافت.هنا، حوار أجريته مع الكاتب والإعلامي أحميدة عياشي، صاحب العقل الوقاد والجسم الرياضي والبصمة الثقافية والواقعية السياسية والبراغماتية:


(*) أنت موزع مهنيًا وإبداعيًا بين الأدب (الرواية تحديدًا) والإعلام والمسرح والكتابة النقدية والبحثية، وأسست مؤخرًا تظاهرة "الماراثون الثقافي" في سيدي بلعباس مسقط رأسك. كيف تفعل لتوفق بين كل هذه المجالات؟ ألا تخشى الارتجال الذي يمكن أن يبعدك عن النوعية التي تتوخاها بحكم جديتك التي أعرفها فيك؟
نعم، أؤمن بالتعدد داخل الوحدة، وأراه شرطًا حيويًا للغنى الفكري. كثير من المثقفين الذين أحبهم وأقتدي بتجاربهم جسدوا هذا التعدد في حياتهم موفقين بين الأكاديمية والإبداع، بين الفن والفكر، وبين الكتابة والممارسة. أنا أيضًا صاحب خلفية أكاديمية في العلوم السياسية، لكنني انخرطت في الصحافة مبكرًا، وعملت في المسرح، وترجمت، وكتبت الرواية والقصة. حصلت على ميدالية وطنية في نصف الماراثون في سن العشرين، وفي الوقت ذاته، قمت بتمثيل أعمال كاتب ياسين على الخشبة. كل هذا، لم يكن تناقضًا، بل انسجامًا داخليًا مع قناعتي بأن الثقافة هي الفضاء الوحيد الذي يتاح فيه للإنسان أن يكون نفسه كاملًا.

(*) عرفتك متيمًا بالمسرح، ومسرحية "قدور البلاندي" (المصفح) دليل على صحة ما أقول. هل أخطئ إذا قلت إن تخليك عن الممارسة الفعلية في مجال المسرح كان أقرب إلى التضحية بشغفك الأول نتيجة تفرده الذي أكسبك هوية ثقافية أوسع لا تترك حيزًا كافيًا لحياتك الخاصة، ولنشاطات تتطلب وقتًا لضمان نوعية مرجوة؟
مارست المسرح كهواية، ولم أسع لاحترافه ضمن المؤسسة الرسمية. كنت أنشد تجربة مسرح نقدي، وقد أسست فرقة جامعية سميت على اسم طالب اغتيل على يد متطرفين عام 1982، ثم أطلقت تجربة المونودراما بمسرحية "قدور البلاندي (المصفح)" التي استلهمت فيها غروتوفسكي وأرتو. استمرت عروض المسرحية قرابة عشر سنوات. لاحقًا، قدمت أعمالًا داخل المسرح المحترف مثل "نون"، و"ليالي الموت"، و"خط أصفر". كما أسست فرقة "تين هينان"، التي قدمت عروضًا في الجزائر وخارجها في التسعينيات، حيث كان المسرح فعل مقاومة.

(*) وماذا تقول عن تجربتك الإعلامية في سياق تشكل هويتك المتعددة الجوانب تاريخيًا؟
الإعلام كان امتدادًا لاهتماماتي الفكرية والسياسية. ومن هذا المنطلق، أسست صحيفة "المسار المغاربي"، التي لعبت دورًا نقديًا مهمًا في مرحلة بداية التعددية، واحتضنت أصواتًا شابة، مثل الراحل بختي بن عودة. أما في التلفزيون، فقد بدأت عام 1989، وحاورت شخصيات سياسية بارزة. مقابلتي الشهيرة مع الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عام 1999 كانت أكثر اللحظات رمزية، وأحدثت وقتها صدى واسعًا بسبب أسلوبي غير التقليدي. علاقتي مع الإعلام لم تكن سهلة، ومنعت السلطات مؤسستي الإعلامية، وصودرت المساحة الحرة التي كنت أراهن عليها.

(*) شخصيًا، أعرف كتبك الهامة، وهي لم تصل حتمًا إلى قراء عرب بسبب الانغلاق الثقافي الذي تعيشه الجزائر، وحتى إلى قراء جزائريين نتيجة غياب الإعلام الثقافي الجاد، والتوزيع المدروس للكتاب، وعدم وصوله إلى مناطق الجزائر العميقة والمترامية الأطراف. هل من فكرة مقتضبة عن عناوين كتبك؟
صدرت لي عن دار "لافوميك" الخاصة عام 1985 ثلاثية روائية تتكون من "ذاكرة الجنون والانتحار"، و"هوس"، و"متاهات ليل الفتنة". الرواية قطيعة جريئة مع المتن الجزائري المكتوب باللغتين الفرنسية والعربية. أشادت بها بعض الصحف والمجلات الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية، مثل "الجزائر الأحداث"، و"الثورة الأفريقية"، في حين تجاهلتها الصحف المعربة بسبب تناولها تابوهات صادمة مثل عالم المهمشين والدين واللغة. مزجت فيها بين الفصحى والعامية، واستلهمت أغنية "الراي"، التي كانت منبوذة وقتها. "هوس" رواية ما بعد حداثية طبعت في الجزائر ولبنان عن الدار العربية للعلوم. "متاهات" تناولت المأساة الجزائرية من خلال أنماط سردية متعددة (وثائقية ونفسية ورمزية) تحت وطأة تأثير أرنستو ساباتو، ودوس باسوس. رأت فيها حصة إذاعية خاصة بثتها قناة "فرانس كلتور" (فرنسا الثقافة) حدثًا روائيًا بارزًا في الكتابة المغاربية. في مجال المسرح لدي أعمال "شمس الطوفان"، و"نون"، و"الخط الأصفر"، و"هابيل وقابيل"، و"ثرثرة في ليلة جزائرية"، و"قرين"، و"ليالي الموت". في مجال الكتابة السياسية، لدي كتب "الحركات الإسلامية في الجزائر والمغرب"، و"مقالات في الإسلام السري... صراع الدين والسياسة"، و"مقالات نقدية وفكرية"، و"أدب الجري والسيرة"، و"ماراثون الجري الطويل"، و"شير" (سيرة ذاتية)، و"سنوات الشاذلي بن جديد"، و"علي بن حاج" (كتابان قيد النشر: سيرة، وكتاب حواري مطول).

(*) تاريخيًا، برزت يساريًا إلى جانب الراحل كاتب ياسين، الذي عاش مناهضًا للسلطة التي تتعايش معها اليوم. ما تفسيرك لهذه "البراغماتية"؟
كاتب ياسين كان يمتلك رؤية نقدية جمع فيها بين تعايشه مع النظام، وموقفه النقدي منه في آن واحد. في الوقت ذاته، كان يسعى للمساهمة في تغيير عملية اضمحلال النظام بغية تجنب انهيار شامل قد يقود إلى حرب أهلية قد تعصف بالدولة الوطنية. من هنا، كان مساري مع كاتب ياسين كمعلم ورفيق درب في طرح مسائل الحريات الديمقراطية والهوية الوطنية، ومنها المسألة الأمازيغية.




ياسين، كان يدعو إلى استخدام هذه القضايا كأدوات لضمان رحيل النظام بطريقة سلسة من دون إراقة الدماء، أو السقوط في الفوضى. هذا ما أسميه "التعايش مع النظام ونقده في الوقت ذاته"، وأرى نفسي ابن الدولة الوطنية التي يجب إصلاحها بروح تقدمية وديمقراطية. لذلك، أرى أن بناء جمهورية ثانية ليس ممكنًا إلا من خلال قطيعة مع النظام الحالي، وهي قطيعة تحتاج إلى مسار نقدي طويل يتجاوز ما هو تقليدي، ويؤسس لجمهورية جديدة قائمة على الحوار والتغيير السلمي. جيل جديد ضرورة حتمية لاستكمال المسار الإصلاحي والنقدي، وبناء الدولة الديمقراطية في إطار متجدد، وهكذا يمكن لهذا الجيل أن يهيئ لحظة القطيعة الكبرى التي ستنقل الجزائر إلى مرحلة جديدة من البناء السياسي والاجتماعي.

(*) يبدو لي أن كاتب ياسين ما زال مثلك الأعلى، ولا تتجرأ على مؤاخذته ولو مرة واحدة، رغم أنه كان متطرفًا عند الحديث عن الهوية والإسلام تحديدًا، خلافًا لك. ما تعليقك؟
صورة كاتب ياسين المتطرف نمطية غذتها النزاعات الأيديولوجية العقيمة، وهناك من دافع عنه من دون أن يقرأ نصوصه الأصلية. إنه كاتب استثنائي، وشاعر ومثقف ذو مواقف جريئة قد تكون أزعجت كثيرين ممن يتاجرون بالتعريب والعروبة، ويتعاملون مع الهوية بروح اختزالية.

(*) أنا حاورته وقرأت له، وسمعت منه كلامًا متطرفًا عن الإسلام بتعبير ساخر ولا يؤمن باللغة العربية.
أنا عايشته. هل تعلم أنه من قراء ابن عربي، وضد من شوهوا مسرحيته "محمد خذ حقيبتك"؟ العربية التي كان يرفضها هي اللغة التي كانت تستعمل في الخطابات الرسمية.

(*) كيف تعيش إبادة غزة التي لم تعد تتحمل أي تشكيك بعد أن أضحى قتل الفلسطينيين بالتجويع أمرًا غير مسبوق؟
أعود لكاتب ياسين لأقول إنه كان مع المدافعين عن القضية الفلسطينية بجرأة، وكتب عنها مسرحية "فلسطين المخدوعة"، وانتقد بشدة الخيانات العربية. موقفي منها هو نفسه موقف كاتب ياسين. أعيش بمرارة خذلان تنويريين وإسلامويين وجهاديين طالما زعموا تبني القضية، وعلينا كمثقفين تجديد الالتزام الأخلاقي والفكري والسياسي لإدانة هذه الإبادة الموصوفة، وعدم السماح بأن يتحول الصمت أو الحياد إلى تواطؤ.

(*) كنت من مناصري الحراك الشعبي قبل التحاقك بالوزيرة بن دودة لتعمل مستشارًا لها. حاورتك في إطار تحضيري لكتاب "المثقفون الجزائريون والحراك الشعبي" لأسألك عن التحاقك بالسلطة، مثل الوزيرة التي كانت مناصرة للحراك. هل تؤكد للقراء ما قاله كثير من المثقفين عن حراك انطلق أصيلًا قبل أن يخترق بالشكل الذي كان من شأنه أن يدمر الوطن؟ وكيف ترفض اتهامك بالخائن للقضية مثلك مثل الذين يؤمنون باختراق الحراك الشعبي، الأمر الذي يتطابق مع خطاب السلطة حسب تفسير آخرين، وليس كذلك بالضرورة عند آخرين؟
سؤالك يلمح إلى أنني خنت الحراك الشعبي، وأن وجودي في أي حوار، أو مبادرة إصلاحية، هو خيانة.

(*) أنا لم ألمح. أنا سألتك بشكل مباشر وواضح.
نعم، نعم، أنا أجيبك بشكل مباشر وصريح أيضًا. أنا أرفض منطق التخوين الذي تبناه بعض الجزائريين لمجرد اختلاف الآراء، أو التوجهات. الحراك الشعبي الذي أنتمي إليه بروحي وفكري كان في جوهره دعوة إلى حل سياسي تفاوضي وسلمي، لا إلى صدام مدمر. السلطة خصم سياسي، لكنها ليست "عدوًا" وجوديًا. التفاوض معها كان ولا يزال أحد السبل لتحقيق حل واقعي، وتجنيب الجزائر سيناريوهات كارثية. الذين رفعوا شعار "لا حوار"، و"شيطنوا" كل من خالفهم الرأي، أسهموا من حيث يعلمون أو لا يعلمون في إضعاف الحراك وتشتيته، وكان خطابهم أداة في يد من أراد ضرب الحراك من الداخل. أسأل هؤلاء: ماذا قدموا للحراك عمليًا؟ وهل الشتائم والتخوين والرفض المطلق لأي حل أو أي مبادرة هي بديل سياسي مسؤول؟

(*) ماذا عن تعاونك مع وزيرة الثقافة، والذي لم تره تناقضًا مع التزامك بأهداف الحراك الشعبي؟
هل تقديم مشروع لإصلاح المسرح الوطني خيانة؟ هل نترك الثقافة في حالة موت سريري فقط حتى لا نتهم بالتطبيع مع السلطة؟ ثم هل من المنطقي أن نصف الجيش الوطني بالإرهابي، ونتمنى له سقوطًا داميًا؟ هل هذه هي الوطنية؟ من يعيش رفاه باريس، أو كندا، ويحرض على سيناريوهات مدمرة... ألا ينبغي أن يتذكر ليبيا، وسورية، أو ما حدث لنا نحن الجزائريين في التسعينيات؟

(*) لماذا اهتمامك بالحركة الإسلامية، وكيف تم ذلك؟
اهتمامي بالحركات الإسلامية لم يكن وليد أزمة التسعينيات، بل جزءًا من تكويني الأول كناشط يهتم بالهوية والثقافة. رغم انحداري من منطقة معربة، كنت دائمًا أدافع عن الأمازيغية، وأرى فيها جزءًا أساسيًا من الهوية الوطنية الجامعة. انطلاقًا من ذلك، قمت بدراسة ظاهرة الإسلام السياسي بعيدًا عن التنميط، من خلال مقابلات ميدانية وتحقيقات معمقة. كتابي "الإسلاميون في العالم العربي" كان من أوائل الكتب التي تناولت الظاهرة ضمن منظور نقدي. من المنطلق نفسه، أنجزت مؤخرًا عملًا توثيقيًا حول علي بن حاج بعد أكثر من ثلاثين جلسة حوار.

(*) هل من تحليل أعمق لتبنيك الجريء كمفهوم أدبي وفكري، الأمر الذي أعطى لوجودك الثقافي زخمًا في تقديري؟
بعد معارضتي العهدة الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة عام 2014، تم إغلاق مؤسستي، فقررت الرد من خلال ابتكار مسار بديل عبر التقاء الأدب بالجسد بعد أن لاحظت أن كثيرًا من المثقفين العرب يعيشون قطيعة مع الجسد، بينما الجري يعد شكلًا من أشكال التحرر والتعبير. هكذا أطلقت أول تظاهرة ماراثونية ثقافية في الجزائر جمعت 2000 عداء، وشخصيات ثقافية عدة، لتتحول إلى عيد شعبي. التظاهرة تعد مقاومة بأدوات جديدة، عبر الجسد، والحذاء الرياضي، والفعل الثقافي الميداني.

أحميدة عياشي  مشاركًا في سباق نصف الماراثون الذي بادر لإنشائه عام 2000




(*) كما تعرف، ولأنني لا أجامل حتى عند محاورة زملاء مبدعين، أسألك (عملًا باتفاقنا المهني والأخلاقي) عن إيماني بفشل الدورة الأولى للماراثون الثقافي بحكم طغيان رياضة الجري على الثقافة. هل تعترف أنها كانت فاشلة نسبيًا بحكم البداية التي يكتنفها النقص الطبيعي، أم تصر على أنها لم تكن فاشلة، وأنا شخصيًا كنت ضيف الدورة، ووجدت نفسي وحيدًا حاملًا حقيبة كتبي في إطار فقرة بيع الكتب بالتوقيع؟
وصفك للدورة الأولى للماراثون الثقافي مجحف وغير دقيق. النسخة الأولى جمعت أكثر من ألفي عداء في مدينة لم يسبق أن نظمت حدثًا بهذا الحجم، وهو في حد ذاته إنجاز رياضي وتنظيمي أول من نوعه في الولاية، بل على مستوى الجزائر. هذه التظاهرة لم تكن مجرد سباق جري، بل رافقتها عروض ثقافية وشعبية محلية في يومها الأول، وشاركت فيها أكثر من عشر فرق مسرحية وموسيقية وكوريغرافية، إلى جانب معارض فنية وسط المدينة وضواحيها. كانت التغطية الإعلامية واسعة محليًا ووطنيًا وعربيًا. صحيح، كانت هناك نقائص وثغرات في الدورة الأولى، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة أولى، لكننا استخلصنا الدروس، وطورنا التظاهرة في النسخة الثانية التي أضفنا إليها محور "سينما المقاومة"، واستضفنا أسماء كبيرة من المخرجين والفنانين والمثقفين الجزائريين. لذا، فإن وصف "فشل" هو حكم قيمة متسرع وغير مبني على متابعة موضوعية لكل تفاصيل التظاهرة، وكان عليك القيام بتحقيق ميداني للتأكد من فشل التظاهرة كما وصفتها.

(*) كنت ضيف الدورة، ولا عيب في تقديري إذا فشلت الدورة الأولى ما دمت قد تداركت النقائص، ووظفت الماراثون بذكاء باعتباره وسيلة شعبية لتكريس الفعل الثقافي غير النخبوي.
هذا رأيك، وبهذا الحوار السجالي المتقدم، نكون قد ساهمنا في ممارسة النقد البناء والخلاق بحرية مسؤولة بعيدًا عن المنتقدين بتفكير متواضع في المقاهي الشعبية نتيجة الكسل العقلي.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.