}

فاضل حاتم: الشعر محاولة لترميم ما يتهالك داخل الروح

ميشلين مبارك ميشلين مبارك 31 يوليه 2025

 

فاضل حاتم هو أحد الأصوات الشعرية البارزة في المشهد العراقي المعاصر، يُطلق عليه البعض لقب "شاعر الإنسان"، وهو المتأثر بالشاعر بدر شاكر السياب، كما يُطلق عليه "شاعر المرأة" لما من تأثر قصائده بشعر نزار قباني. لكنه وفي كل الأحوال يتفرد بتجربة شعريّة غنيّة بعمق المعنى وانسيابية المبنى، يركز في شعره على الإنسان بكل مظاهره، في حزنه وسجنه، في عشقه ومرضه... حاملًا في شعره قيمًا إنسانية عالية. يكتب القصيدة الموزونة وقصيدة النثر، ويحرص على إصدار المجموعات الشعرية رغم ظروف صعبة عاشها، منها السجن والمرض ومراحل العلاج الطويلة بين بيروت وبغداد.

أصدر حاتم فاضل 14 ديوانًا شعريًا، منها، "الموتى يتسلّون بالذكريات" (2016)، "وحده يكتب وصاياه الأخيرة" (2016)، "ذاكرة الثلج" (2017)، "أوراق من ذاكرة جانبية" (2018)، "أغاني إلى مقهى الكوستا" (2019)، "أوراق مدينة" (2020)، "افردي يديك كالصليب" (2020)، "أغاني الرماد" (2021)، ولفاضل ديوان قيد الطبع يحمل عنوان "أحبك خارج النص".

تناول شعره العديد من النقاد، أبرزهم الدكتورة أمل سلمان في كتابها "القصيدة الومضة في شعر فاضل حاتم"، والدكتور بشير عريعر في كتابه "في حانة التوابين: عوالم فاضل حاتم الشعرية"، كما كتب العديد من الطلاب عن شعره في رسائلهم البحثية الجامعية.

تخاطب قصائد فاضل حاتم الأسئلة الكبرى مع ما تحمله من تكثيف لغوي واختزال في المفردات، يقول: "من هو الذي يكتب وصاياه الأخيرة؟... أين الطريق، أُسائل الموجب الكئيب فلا يجيب...". ويقول في الصفحة 132 من كتابه "للعشق امرأة واحدة": "هل للعزلة رئتان تشربان دخان الغربة/ وشيئًا من وجع النهار/ لم تعد تلك الغجرية الشريدة، تملأُ حقائب سفري/ هي مثلي... تتسكع على أرصفة شارع الحمراء هذه الساعة/ وتُزين أصابعها بخواتم الوهم والخديعة"... هنا تأخذ القصيدة منحى الصمت كلوحةِ رسام نسي أن يكملها.

ونقرأ له قصيدة "كيف أحاور" من ديوان "أوراق جانبية" (ص:60):

"كيف أحاور/ مَن تفهم أن الشِعر/ أقلّ قيمةٍ من الأساور/ كيف أحاور/ من تؤمن أن المالَ/ أفضل شاعر/ كيف أحاور/ من تقتل البسمة/ على شفاه مسافر/ كيف أحاور/ امرأةً من رمادٍ/ وأنا، ورقٌ ومحابر/ كيف أحاور/ مَنْ ذاكرتها ريحٌ/ وذاكرتي دفاتر".

يحمل شعر فاضل حاتم رموزًا ورؤى عميقة، فيكتب في قصيدة "أفواه جائعة" -ص 36 من ديوان "الموتى يتسلّون بالذكريات"- ما يذكّرنا بتجويع أطفال غزة:

"جائع أنا/ أمزق أوراقي وأمضغها/ أشعر بالكلمات تدبُّ كالسحالي والسطور/ صفعات كف كبير/ وحولي أطفالي يحلمون/ باللحم المقدد يحلمون.../ وأسمع الأفواه خلفي تستغيث/ ماذا جلبت من الطعام؟/ نعم... وجدتُ كل هذا/ بين أكوام القمام/ الناس تهفو للسواد/ أرض السواد/ وأنا من طين السواد، ولا مقام.../ أنا المعمّد كبرياء/ غدوت أجمع من الهواء/ شباك صيد خاوية/ وأعود أحلم بالنشور/ وبالقبور، يوم تبعث من جديد/ يوم تختلط الشواهد بالكواكب/ ويختفي النجم البعيد/ كالسراب/ وصراخ أطفالي يخنقه التراب".

للحديث عن تجربة فاضل حاتم الشعرية الغنيّة، كان لـ "ضفة ثالثة" هذا الحوار معه:



(*) كيف تشكّل المناخ الشعري للشاعر فاضل حاتم؟ وماذا عكست قصائدك في البدايات؟

تشكل المناخ الشعري لديّ انعكاسًا لقراءاتي لقصائد الحبّ والغزل، وبعد أن وجدتُ لدي ميلًا لكتابة هذا النوع من القصائد بالتحديد، فأنا لا أميل إلى القصيدة السياسية أو الاجتماعية، ولو تتبعنا قصائد الشعر العربي، لنجد أنّ القصيدة الغزلية تأخذ النسبة الأكبر عددًا، كتابة وقراءة. وأعتقد أنّ الشعر وُجد للحبّ قبل أن يوجد للحرب.

(*) هل لعبت سنوات السجن دورًا في تكوين ملامحك الشعرية، هل كان الألم محرضًا للإبداع أم قيدًا؟

أنا ما زلت داخل عملية التكوين الشعري، ولم أخرج بعد من هذه العملية حتى تبرز ملامحي الشعرية الخاصة، وربما لقراء شعري وجهة نظر أخرى. أمّا عن الألم في مرحلة السجن التي عشتها في القرن الماضي، فكان محاصرًا بقيود الخوف والعقوبات الجسدية لكل من يقول الشّعر. وأنا شخصيًا تعرّضت لعقوبة التعذيب بسبب قصيدة ألقيتها أمام السجناء. أمّا الألم خارج السجن فقد أخذ مساحة كبيرة من العمر وكان بلا شك عاملًا فعّالًا في إنضاج القصيدة.

(*) بالحديث عن الألم، خرجت من تجربة صحية قاسية، كيف أثرّ المرض على نتاجك الشعري؟

المرض هو ذلك الشبح المخيف الذي يهلك حامله قبل أوانه. رأيته وعرفته في العشرين من العمر أي منذ دخولي السجن في العراق حيث أصبت بمرض السّل. وبعد خروجي تعرضت لأمراض شديدة الفتك بصاحبها، وكان لبيروت الفضل في معالجتها. مما لا شك فيه أنّ المرض أثّر على شعري ولكن بوجه إيجابي، إذ كان دافعًا لاختزال الوقت وسببًا في دفعي لماراتون أسابق فيه الزمن المتاح لي في الحياة للكتابة والنضوج الشعري. وهكذا أصبح الشّعر مدار اهتمامي ولا يزاحمه أي اهتمام آخر، باستثناء القراءة التي تعطي الشاعر القوة للعطاء والإبداع.



(*) من يقتفي قصائدك، يرى بوضوح تأثرك ببيروت كمصدر للإلهام؟

بيروت هي الشّعر. فكبار الشعراء مروا في بيروت وعندما كتبوا فيها وعنها، ازدادت قصائدهم جمالًا وشفافية. وفي بيروت يتنزه الشّعر أكثر من أية مدينة عربية أخرى. شخصيًا بدأت أكتب الشّعر من عام 1975 إلى عام 2015. وكانت فترات يخمد فيها الشّعر، فأتركه لسنوات ثم أعود إليه على كسل، ثم أهجره مرة أخرى، لكنني عندما زرتُ بيروت عام 2015 وجدتني وجهًا لوجه أمام الشّعر فكانت عودتي الكبرى إليه. في الحقيقة ومنذ ذلك التاريخ، وأنا أواصل الكتابة الشعرية وأنشر مستلهمًا بيروت المدينة التي لا يغيب عنها الشّعر والجمال، وما زلتُ أرتدي عباءة حبّها وشعرها وأدبها.

 (*) هل ترى أن الشّعر وسيلة للنجاة من محن الحياة؟

الشّعر هو نتاج الحياة، وهو المرآة العاكسة لأفراحها وأتراحها. نعم، وهو وسيلة نجاة من هموم الحياة، هذه الهموم التي تخنق الإنسان، فكيف إذا كان شاعرًا صاحب إحساس مضاعف. يأتي الشّعر ليخفف وطأة هذه الهموم فيحوّل أشكالها المرعبة إلى أشياء صغيرة. والشّعر يولد الحكمة التي يتكئ عليها الشاعر في مواجهة عواصف التجارب. فكل قصيدة يكتبها الشاعر تتحول إلى دواء للقارئ. هو علاج نفسي، ولطالما شكّل وجوده قوة لعبور الأزمات التي واجهتها. 

(*) في القرن الماضي، انخرط الشعراء العراقيون والسوريون واللبنانيون في حركة الحداثة الشعرية، فهل برأيك استفاد الجيل الشعري اليوم من التجارب التي حققها الشعراء قبلهم، أم وقعوا في خطر الانكماشة الأدبية؟

ترك لنا الشعراء، الذين شكلوا جيل الرواد في الحداثة الشعرية، إرثًا شعريًا ناجحًا لاحتذائه. وفي الوقت نفسه، كانوا مؤثرين لجيلهم وللأجيال التي تلتهم. أمّا اليوم، فالشّعر انزوى عن التفاعل الجماهيري لأكثر من سبب: مثل غياب الشعراء الكبار المؤثرين، وتحوّل الشّعر إلى حركة جماعية لا تملك المقومات الشعرية. فالشّعر هو نتاج إبداعي فردي ولا يمكن أن يكون حركة جماعية تعتمد السطحية والمباشرة والتقريرية. فما يُسمى شعرًا اليوم هو عبارة عن كتابات ليس لها علاقة بالشّعر. بالطبع هناك القليل من الأسماء المبدعة لكنّها للأسف تبقى مغمورة تحت هذا الكمّ الهائل من النشر والمطبوعات.

(*) ما هي الحركة التي يبثها الشّعر في الحياة العربية في ظل نظام دائم التطوّر وفي ظل عالم دائم الاكتشاف؟

بادئ الأمر: الشّعر نشاط إنساني وإبداعي يمتص الانكسارات التي يمرّ بها الإنسان. وهو محاولة لترميم ما تهالك داخل الروح للنهوض بها من جديد. وهناك من استخدم الشّعر كسلاح معنوي في الحروب والنزاعات، لكنّ الشّعر ليس حركة تغيير داخل المجتمع وليس حركة إصلاحية، هو حاجة يُمكّن الإنسان من التنفس بحرية من خلال مواجهة القمع والديكتاتورية بالشّعر، وبالتالي يبقى حاجة إنسانية تعكس المشاعر في الحبّ والأمل والألم.

(*) يقول الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب إن أحد الأهداف الأساسية للشّعر يتمثل بفهم العالم بغية تغييره وتحسينه (مجلة "شعر"، العدد 3 ص: 112)، فهل ما زال الشّعر يجسد هذا الأمل في ظل عالم غير شعري؟

إنّ وجهة نظر الشاعر العظيم السيّاب تلك كانت منتشرة في عصره. لكنّ الشاعر اليوم لا يمكنه أن يقود حركة تغيير داخل المجتمع، فهو يؤرخ لأحداث مهمة في ضمير الأمة، لكنه يبقى الصوت الشرعي لمحنة الإنسان- الفرد. والشاعر المتمكن يستطيع أن يكتب القصيدة الخالدة التي يرسم بها مأساة الإنسان وقلقه الأسطوري، وبالتالي التعبير عن خلجات النفس وتحرير الذات من عبودية الجماعة. بذلك يشكّل الشاعر اليوم وعيًّا أعلى من وعي الجماعة، وتحديًا للمفاهيم القديمة التي تقيّد حريّة الإنسان.  

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.