سهيلة بورزق كاتبة وصحافية جزائرية مقيمة في الولايات المتحدة، تكتب في قضايا الأدب والثقافة والهوية، وأسهمت في الحقل الإعلامي بمواد تحليلية وتوثيقية تستند إلى خبرة طويلة في العمل الثقافي والميداني. تقول إنها تؤمن بأن الكلمة مسؤوليّة، وأن الصحافة الثقافية ليست ترفًا، بل ضرورة في زمن التحولات السريعة، وفقدان المرجعيات. إلى جانب الكتابة الصحافية، تمارس الكتابة الإبداعية، وتسعى من خلال مشاريعها في إعادة الاعتبار لصوت المرأة، وللسرد كأداة مقاومة واستعادة. تزاوج في تجربتها بين العمل الإعلامي والفني والثقافي، وتحرص على البقاء قريبة من نبض المجتمعات العربية، سواء في الداخل، أو في المهجر.
تدير، منذ سنوات، مؤسسة "بيت الثقافة والفنون/ واشنطن"، وهي مؤسسة ثقافية فنية مستقلة وغير ربحية تأسست في العاصمة الأميركية، وتسعى إلى تعزيز الحوار الثقافي والفني بين الشعوب، وتقديم الثقافة العربية بصفتها حيّة، متجددة، وذات قدرة على التفاعل مع السياقات العالمية المعاصرة، عبر تنظيم برامج وفعاليات نوعية تشمل: أمسيات شعرية وموسيقية، معارض تشكيلية، عروض أزياء تراثية، ورشات تعليمية في الخط العربي والفنون، بالإضافة إلى ندوات فكرية وحوارات عبر منصات إلكترونية. كما تولي المؤسسة اهتمامًا خاصًا بالأصوات النسوية والمبدعين الشباب، وتسعى لخلق فضاء يتيح للمجتمعات العربية المهاجرة أن تعبِّر عن هويتها في بيئة متعددة الثقافات، وبما يعيد الاعتبار للثقافة كقيمة إنسانية عالمية، ويسهم في تحويل الفن والأدب إلى أدوات فاعلة في بناء التفاهم والانتماء والتغيير. هنا، حوار معها:
(*) لنبدأ الحديث معك من بيت الثقافة والفنون في واشنطن. منذ التأسيس وحتى الآن، ما الذي تسهرون عليه، وكيف يمكن تلخيص منجزات البيت في أسطر قليلة. وهل من صعوبات وما أبرزها؟
منذ تأسيس "بيت الثقافة والفنون" في العاصمة الأميركية سعينا إلى ترسيخ فضاء ثقافي جامع يتجاوز الحدود اللغوية والجغرافية، ويحتفي بالتنوع الثقافي في أبعاده الإنسانية العميقة. عملنا الدؤوب يتركز على بناء جسور التواصل بين الجاليات العربية والأميركية ومختلف الثقافات الأخرى، من خلال فعاليات أدبية، موسيقية، ومعارض فنية، بالإضافة إلى ورشات عمل تعليمية. في أسطر قليلة، يمكن القول إن المنجز الأهم هو خلق منصة تفاعلية حرة تمكّن المثقف والفنان من التعبير والتلاقي. أما أبرز الصعوبات، فهي تلك المتعلقة بالدعم المادي واستمرارية العمل التطوعي، إلى جانب تحديات العمل في بيئة غير ناطقة بالعربية، وتفرض إيقاعها الاجتماعي والإعلامي الخاص.
(*) ماذا عن المكتبة التفاعلية الإلكترونية اليومية التي تنشرينها على فيسبوك، والمتضمنة توصيات بكتب مهمة في الأدب والفكر والفلسفة. كيف تشكلت الفكرة ومتى؟
تشكلت فكرة المكتبة التفاعلية الإلكترونية كاستجابة لحاجتي اليومية للقراءة ومشاركة النصوص التي تترك أثرًا معرفيًا عميقًا. بدأت التجربة بشكل عفوي مطلع عام 2021، ثم تحولت تدريجيًا إلى مشروع منتظم يقدم توصيات مدروسة لكتب في مجالات الأدب، الفلسفة، والتاريخ. وقد لاحظت تفاعلًا مشجعًا من أصدقاء الصفحة، حيث تتوالى الأسئلة والنقاشات حول الكتب المقترحة. مصادري متنوعة، أستعين بكتب ورقية، وأخرى إلكترونية، من قواعد بيانات عالمية، ومواقع معرفية موثوقة. شخصيًا، أخصص يوميًا وقتًا لا يقل عن ساعة ونصف ساعة للقراءة المركّزة، فالقراءة بالنسبة لي ليست ترفًا، بل شرطًا لليقظة الفكرية. أما عن ثقافة القراءة في المجتمع الأميركي، فهي حاضرة بقوة، لكن التفاوت واضح بين الطبقات والمجالات، إذ تهيمن الثقافة البصرية على الشرائح الأوسع، بينما تبقى القراءة نشاطًا نخبويًا إلى حدّ ما.
مبادرة "لماذا نقرأ؟"
(*) ماذا عن علاقة الإنسان العربي بالقراءة، ونشاط المؤسسة في هذا السياق؟
الإنسان العربي يواجه معوقات متشابكة، منها ما هو اجتماعي واقتصادي، ومنها ما هو مرتبط بالمنظومة التعليمية والسياسات الثقافية الرسمية. لذلك جاءت مبادرة "لماذا نقرأ؟" التي أطلقها البيت منذ أعوام، كمحاولة لإعادة طرح السؤال الجوهري حول جدوى القراءة.
وقد ترافقت الحملة مع توزيع كتب مجانية وتنظيم نقاشات جماعية. نؤمن بأن القراءة ليست فعلًا فرديًا فقط، بل تجربة جماعية تخلق وعيًا عامًا قادرًا على التغيير.
(*) ماذا يعني أن تتواصل أعمال منتدى ثقافي عربي في واشنطن؟
إن استمرارية النشاط الثقافي العربي في واشنطن ليست حدثًا عابرًا، بل فعلٌ دلالي يحمل أبعادًا معرفية. هو تأكيد على حضور الذات العربية في قلب المشهد العالمي، وتمكين لحوار حضاري نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى. المنتدى الثقافي يسهم في فضّ العزلة، في كسر الصور النمطية، وفي تثبيت صورة العربي كفاعل ثقافي ومشارك في إنتاج المعنى داخل مجتمع متعدّد.
(*) وماذا عن حاجز اللغة في فعالياتكم؟
نحن ندرك أن اللغة قد تكون حاجزًا، لكننا نحاول التعامل معها كجسر لا كعائق. نحرص على تقديم محتوى ثنائي اللغة كلما أمكن، وننشر ملصقاتنا غالبًا باللغة الإنكليزية للوصول إلى جمهور أوسع، بينما نحتفظ باللغة العربية في الأسماء والأنشطة التي تستدعي بُعدها الثقافي. هو توازن دقيق لكنه ضروري لضمان التفاعل من دون التفريط في الهوية.
(*) وما هو نصيب غزة وفلسطين وهموم الجاليات في اهتمامات البيت؟
القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في وجداننا، ليس كموضوع سياسي فقط، بل كمسؤولية ثقافية وأخلاقية. نظمنا فعالية لدعم غزة. كما نسعى دومًا لأن يكون البيت منبرًا مفتوحًا للتعبير عن قضايا الجاليات العربية وهمومها، من اللجوء إلى الاندماج، ومن الذاكرة إلى الهوية.
(*) حدثينا عن مهرجان "السوق الثقافي العربي" الذي نظمتموه قبل أيام؟
مهرجان "السوق الثقافي العربي" هو مشروع حيوي يجمع بين الفن والتراث والحِرف والمنتجات الثقافية في يوم واحد من التبادل والانفتاح. نهدف من خلاله إلى تقديم الثقافة العربية بوصفها حيّة ومتنوعة، خارج القوالب الجاهزة، ولإتاحة الفرصة لأفراد المجتمع للتفاعل المباشر مع ثقافة يرونها غالبًا من بعيد. المهرجان أيضًا دعم حقيقي للمشاريع الصغيرة والمواهب الجديدة.
(*) لكم حضور لافت عبر فعاليات تستفيد من التفاعل الإلكتروني...
كانت جائحة كوفيد ـ 19 دافعًا حقيقيًا لتحول استراتيجي نحو الفضاء الإلكتروني. استطاع البيت أن يستثمر منصات (زوم)، ووسائل التواصل، في إقامة ندوات فكرية راقية شارك فيها مفكرون من جهات متعددة، متجاوزين بذلك حدود المكان والتمويل. هذه النقلة النوعية سمحت لنا بالوصول إلى جمهور عربي وعالمي متعطّش للثقافة، وكان لها أثر كبير في توسيع شبكتنا المعرفية.
(*) حدثينا عن مشروعك الأدبي الخاص، في خضمّ انشغالاتك ببرامج بيت الثقافة والفنون؟
أعمل حاليًا على مشروع روائي طويل يحاول استكشاف العلاقة بين السلطة والسرد من خلال شخصية امرأة عربية تجد ذاتها في خضم تجارب قاسية تنتهي بها إلى السجن، حيث تكتشف أنها تملك صوتًا روائيًا قادرًا على فضح القمع. ورغم انشغالي ببيت الثقافة، فإن لحظة الكتابة لدي مقدسة، أعود إليها باستمرار، وكأنني أتنفس من خلالها.
(*) الطفولة، النص الأول، والكتاب الأول في ذاكرة سهيلة بورزق؟
طفولتي كانت غنية بالحكايات، ومفعمة بسحر الكلمة. نشأت في بيت يؤمن بقيمة المعرفة، ويصون مكانة الكتاب. كانت أولى محاولاتي في الكتابة على شكل مذكرات يومية، ومشهد مسرحي صغير حمل في طياته بذور الشغف الذي نما في داخلي لاحقًا.
اليوم، أنا كاتبة وصحافية، أصدرت مجموعة قصصية واحدة، وناشطة ثقافية أؤمن بدور الكلمة في بناء الجسور. كما أقوم بإدارة "بيت الثقافة والفنون"، الذي أعمل من خلاله على إيجاد فضاءات للقاء والتعبير والاحتفاء بالجمال الإنساني بكل لغاته.


تحميل المقال التالي...