}

رافائيل كورتويزي: الترجمة ما زالت أداة لتواصل حقيقي

ليندا نصار ليندا نصار 16 أغسطس 2025

وسط هذا الضجيج العالمي والسلوكيات الوحشية التي باتت تهيمن على المشهد الإنساني، بات الشعر بمثابة ملاذ أخير يحفظ للإنسان عمقه وصدقه في زمنٍ طغت عليه السطحية واتّسعت فيه مساحة الخوف من المحو. يعيش الشعر في منطقة جوهرها الصدق، ويصير وسيلة لمساءلة الزمن واستحضار الذاكرة وتحقيق الاتّزان الإنسانيّ. بهذا المعنى يرى الشاعر رافائيل كورتويزي (Rafael Courtoisie) أن الكتابة الشعرية ليست مجرد فعل لغوي، بل ممارسة تأملية وحوار داخلي مع الذات والوجود، قائلًا: "أكتب لأقترب من ذاتي الحقيقية، فالشعر هو ممارسة تأملية ووسيلتي في التعبير عن هذه الحقيقة العميقة، ومن خلاله أتحاور مع الزمن والوجود".

ورافائيل كورتويزي (مونتفيديو، الأوروغواي، 1958) هو شاعر وروائي وأحد أبرز الكتّاب في أميركا اللاتينية والعالم الإيبروأميركي. كاتب روائي وشاعر وكاتب مقالات وأستاذ جامعي. حاز على جوائز أدبية مرموقة ودرّس في جامعات في أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية.
نُشر كتابه الشعري "مختارات مخترعة" في إسبانيا والمكسيك وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة والبرازيل ودول أخرى.
أما كتابه الأخير في المقالة، "كتابة عن الطاعون"، فقد تم تقديمه مؤخرًا في مدريد.
وقد نشر سبع روايات تُرجمت إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والبرتغالية والرومانية.
من أبرز الجوائز التي حصل عليها: جائزة لوي (Premio Loewe)، جائزة بلاس دي أوتيرو (Premio Blas de Otero)، جائزة خيل دي بيديما (Premio Gil de Biedma)، جائزة بيت أميركا للشعر الأميركي (Premio Casa de América de Poesía Americana – إسبانيا)، جائزة بلورال (Premio Plural)، جائزة خايمي سابينيس (Premio Jaime Sabines – المكسيك)، الجائزة الدولية خوسيه ليزاما ليما (Premio Internacional José Lezama Lima – كوبا)، الجائزة الوطنية للشعر، الجائزة الوطنية للسرد، جائزة النقاد، وجائزة موروسولي (Premio Morosoli – الأوروغواي).
في هذا الحوار، نقترب أكثر من رؤية كورتويزي للشعر، والعلاقة بين الكلمة والحياة، وبين الكتابة والذاكرة:

(*) في نصوصك بُعد فلسفي وتأملي، حوار مع الوجود والزمن من خلال الاستعارات والصور التي تعزز جمال وعمق شعرك. من جهة أخرى، نلاحظ غياب هذا البُعد الفلسفي في أعمال بعض الشعراء. ما رأيك في هذا الموضوع؟ وأين تجد أهمية الشعر؟

أعتقد، مثل خورخي لويس بورخيس، أن الفلسفة فرع من فروع الأدب، وأن الشعر هو الروح، هو جوهر الأدب. في أعمالي، تُعد الاستعارات والصور أدوات للتعبير ليس فقط عن الأفكار العميقة، بل عن الواقع الإنساني الخالص. فالشعر هو ممارسة تأملية وهو وسيلتي في التعبير عن هذه الحقيقة العميقة، ومن خلاله أتحاور مع الزمن والوجود.

(*) هل ساعدك الشعر في التعبير عما تشعر به فعلًا، وعما يسكن أعماقك؟

بالتأكيد. الشعر كان وما زال وسيلة جوهرية للتعبير عمّا يختبئ في داخلي. إنه الاقتراب من ذاتي الحقيقيّة. كذلك الشعر هو شكل من أشكال البوح، ولكنه أيضًا أداة لفهم الذات والعالم.

(*) أي من قصائدك تعتبرها الأكثر تعبيرًا عن ذاتك الداخلية؟

غالبًا ما يكون الشعر تعبيرًا ليس فقط عن ذات الكاتب، بل عن الإنسان عمومًا، خلال فترة زمنية معينة أو عبر التاريخ. هناك قصيدة تُعتَبَر أيضًا قصة قصيرة بعنوان "إصرار الضعفاء"، وهي تعبر عن مشاعر وأفكار متعددة تكمن في داخلي. نشرتها في أحد كتبي القصصية، وفي الوقت ذاته، أدرجتها في عدة مختارات شعرية لي. ومن ناحية أخرى، يُعَد كتابي "الأنطولوجيا المُختَلَقَة" أحد أعمالي الشخصية المهمة، حيث تظهر فيه نصوص لشعراء حقيقيين ومتخيلين قمت بابتكارهم، وقد تُرجم إلى الإنكليزية، الفرنسية، الإيطالية، البرتغالية، وإلى لغات أخرى أيضًا.

(*) تعكس قصائدك تأملات في الحياة والطبيعة، وكذلك انغماسًا في الحياة اليومية وتصويرًا للجسد في ارتباطه بالكون وعناصره. ما هي الأبعاد التي كنت تهدف إلى نقلها من خلال هذا الأسلوب؟

درست الكيمياء، والرياضيات، والفيزياء الكوانتية، وعلم الأحياء. هذه العلوم، في عمقها، ليست بعيدة عن الشعر، بل يمكن القول إنها تقدم فهمًا شعريًا للواقع من خلال أرقامها وقوانينها. أحاول من خلال كتابتي أن أعبّر عن التعدّد والتعقيد في الوجود؛ أن أجعل من الجسد مرآة للكون، ومن التفاصيل اليومية أبوابًا لفهم الكلّيات الكبرى. فالإنسان والطبيعة، والعقل والعاطفة، الجسد والكون، ليست عناصر متفرقة في نظري، بل هي أوجه متعدّدة لحقيقة واحدة.

(*) غالبًا ما يرتبط الصمت بالتعبير الشعري في كتاباتك. ما الذي يكمن وراء هذا الصمت في الشعر؟

الشعر، في جوهره، ليس فقط كلمات تُقال، بل هو طريقة لإدارة الصمت. إنه فن الإصغاء لما لا يُقال. الصمت في القصيدة هو الحضور الغائب، هو المعنى الذي لا يمكن أن يُقال بالكلمات، لكنه يملأ الفراغ بينها. الشعر يمنح الصمت صوتًا، ويُحوّله إلى دلالة.

(*) إلى أي مدى أثرت شخصية المرأة في كتاباتك؟ وما هو دورها في أعمالك؟

شخصية المرأة هي جزء من سرّ الوجود. وهي من أهم المواضيع في الأدب. في نصوصي، تظهر المرأة كرمز للوجود. المرأة والرجل هما استعارة للبداية والنهاية. معًا، يشكلان تلك الثنائية التي تجسّد الحياة في أقصى تجلياتها الشعرية والرمزية.

(*) إلى أي مدى تعتقد أن الروايات تؤثر في الناس في هذا العصر الرقميّ، عصر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؟ وماذا عن أذواق الناس الأدبية اليوم؟

في الماضي، كانت روايات مثل "دون كيشوت" لسرفانتس أو "عوليس" لجيمس جويس ضرورية. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد أصبحت الروايات، في كثير من الحالات، منتجًا صناعيًا، منتجًا قياسيًا للقراءة السريعة، "وجبة سريعة" أدبية تُصنع في مصانع كبرى تُسمى "دور النشر". وهناك استثناءات بالطبع. مع ذلك فإن الشعر، والقصص القصيرة، وبعض المقالات والروايات القليلة، هي الإبداع الحقيقي في الأدب. الناس يستهلكون منتجات أدبية سريعة، لكنهم في الحقيقة يتوقون إلى أدب روحي ومغذٍّ.

(*) بين كتابة الشعر وكتابة الرواية، أيهما أقرب إليك؟ ولماذا؟

كلاهما. رواياتي كُتبت مثل قصائد سردية طويلة، وبعض قصائدي كُتبت مثل حكايات مستمدة من حالاتي الإنسانية في هذا العالم المجنون والمتناقض. يعتمد ذلك على الزمن، وعلى المرحلة التي أعيشها، وعلى إمكانيات العمل المتاحة. القصائد والقصص القصيرة قد تُكتب في جلسة أو اثنتين أو ثلاث... أما الرواية فهي وظيفة بدوام كامل تحتاج إلى انغماس تام وإلى حالة من التفرغ للعملية الإبداعية.

(*) ما هو دور اللغة، كأداة تعبير، في ممارستك للكتابة؟

اللغة هي الفكر، والشعور، وجسد المشروع، وجسد الحلم. فهي الأساس في العملية الإبداعية التي تعيد تشكيل العالم.

(*) بعد هذه التجربة الطويلة في كتابة الشعر والتفاعل مع الجمهور، كيف تُعرّف الشعر اليوم؟

الشعر هو الطريقة الوحيدة لفهم شيء ما، الطريقة الوحيدة للعيش، لتحمّل المصادفات. ربما هو الطريقة الوحيدة لنكون سعداء ولنحتمل كل هذه الفوضى والغرابة التي يعيشها العالم.

(*) هل يمكن للشعر أن يُغيّر العالم حقًا ويحوّل وجهات النظر من الحرب إلى السلام؟

لا أعلم. للأسف، لدي الكثير من الشكوك حول هذا الموضوع وأنا لا أملك اليقين... أتمنى أن أعبّر عن وهم، أتمنى أن أقول "نعم". لكن كلمة "نعم" في هذا العصر هي، في كثير من الأحيان، سحابة بلا مطر، سحابة بلا شكل، سحابة فارغة تمامًا.

(*) ما مدى أهمية الأدب اليوم؟

الأدب اليوم هو الوسيلة الأساسية للبقاء على قيد الحياة... وهو أيضًا عمل تجاري لفئة قليلة، وقناع لوجودنا الإنساني، ولكن من خلال هذا القناع يمكننا أن نرى الوجه الحقيقي للإنسان الذي يواجه نفسه بكل ما فيها من هشاشة وقوة.

كورتويزي: "شخصية المرأة جزء من سرّ الوجود"


(*) ما رأيك في الشعر العربي؟ وهل طلابك في الجامعات، خصوصًا وأنت أستاذ جامعي، على دراية به؟
لدي شعور بأن علينا أن نقرأ، وعلينا أن نعرف الكثير عن الأدب العربي اليوم. هناك عالم آخر غني في هذا الأدب، وبخاصة في الشعر العربيّ.

(*) ماذا يعني لك "مهرجان غرناطة الدولي للشعر" الذي شاركت فيه مؤخرًا، خصوصًا من حيث المشاركة في فعاليات تُقام في أماكن مفتوحة ورمزية مثل مقر إقامة فيديريكو غارثيا لوركا الصيفي؟ وماذا عن لقاء شعراء وفنانين من جنسيات وأجيال مختلفة؟

يمثّل "مهرجان غرناطة الدولي للشعر" لقاء ثقافيًّا إنسانيًّا هو لقاء العقول والثقافات التي تجمع مختلف الحساسيات الشعرية والفنية وهي فرصة للتعرف إلى الشعر الحقيقي. تحدثت فيه بالإنكليزية، والإيطالية، والفرنسية مع عدد من الكتّاب المهمين، وتمكنت من الاستماع إلى قصائد باللغة العربية وبلغات أخرى... واستمتعت بالشعر وكنت أصغي حتى إلى اللغات التي لم أكن أعرفها أراها تتسرب إليّ فتحرك حواسي وكان الجمهور متفاعلًا وفضوليًا. كانت تجربة مليئة بالتحدي فهذه التظاهرة الفنية الشعرية ساهمت في إعادة المعنى إلى الشعر والفن.

(*) حصلت على العديد من الجوائز المرموقة في الشعر والسرد، وتمت ترجمة أعمالك إلى عدة لغات، بما في ذلك سبع روايات إلى الإنكليزية، والفرنسية، والإيطالية. ما أهمية هذه الجوائز والترجمات بالنسبة إليك؟

لا يمكن لمن يعيش في عالمنا المعاصر إلا أن يرى نفسه من مبدعي لغات العالم. فقد اختلفت النظرة إلى برج بابل إذ أنه لم يعد يعتبر عائقًا بل صار النقطة التي تنطلق منها الشعوب. لا ننسى الترجمة وما لها من دور كأداة للتواصل الحقيقي والتي تمثل تجاوزًا للحدود والجغرافية إذ بوساطتها صارت اللغة متاحة للجميع. أما عن الجوائز بالنسبة إليّ فهي تقدير جميل واعتراف كبير لكنها ليست هدفًا. ما يهمني هو إيصال الإبداع بالكلمة إلى العالم.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.