"ليس لدى مترجم الأدب ما يخشاه"، يذكر أحمد فاروق هذه العبارة في أحد مقالاته التي تناولت الرقابة على الترجمة والتدخل في تعديل النصوص أو حذفها. من هنا، يمكننا تلمّس معنى من معاني الترجمة ومصاعبها المعيقة لعمل شديد الأهمية في نقل المعرفة والفنون بين مختلف اللغات.
أحمد فاروق كاتب ومترجم مصري يعيش في ألمانيا منذ عام 1996. صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "صيف أصفر" (1996)، إضافة إلى قصة ضمن مجموعة قصصية بعنوان "خيوط على دوائر" مع خمسة كتّاب آخرين (1995). ترجم عن الألمانية لكتاب كبار من بينهم فالتر بنيامين وف. ج. زيفالد وبيتر هاندكه وغونتر غراس.
حول آخر ترجماته "الكراسات الثماني والشذرات" لكافكا (دار الجمل، 2023)، كان هذا الحوار:
(*) متى كانت بداية تعرّفك على أدب كافكا، وما الذي شدّك إليه؟
بداية تعرفي على كتابات كافكا كانت في عامي الأول من الجامعة (1988-1989). وقعت في يدي الأعمال القصصية الكاملة من دون الروايات، حصلت عليها من مكتبة القسم الألماني بكلية الآداب، وكنت في ذلك الوقت أستطيع قراءة نصوص أدبية بالألمانية. بهرتُ ببساطة بلغته وقدرتها على الإدهاش في الوقت ذاته خصوصًا في الأقاصيص. انشغلت كثيرًا بالقصص القصيرة وقرأت "المسخ" ولم أقرأ الروايات الثلاث إلا بعد ذلك بوقت طويل. ولأنني قدمت ورقة عن كافكا في إحدى دورات معهد غوته وحكيت ذلك لأحد زملائي في كلية الإعلام بجامعة القاهرة - وكانت آنذاك عبارة عن طابق واحد- أطلق عليّ اسم كافكا، ولم يفارقني الاسم منذ ذلك الحين، وانتقل معي إلى ألمانيا حيث أعيش منذ عام 1996. بعد تخرجي من الجامعة نشرت ترجمة مجموعة أقاصيص في جريدة "أخبار الأدب"، وكانت محاولات أولية.
(*) لماذا يغلب الطابع الديني على الشذرات، أقصد مواضيع مثل الجنة، الخير، والشر، رغم أن كافكا يتناولها من منطلق غير ديني؟
كافكا اهتم منذ شبابه بالميثولوجيا اليهودية حتى وإن كان يوظفها بشكل غير ديني، بحسب شروح راينر شتاخ لليوميات، وهو رغم حديثه عن الجنة والطرد منها والخير والشر والحيّة، يرغب في التأكيد على أن ما هو إنساني غير قابل للفناء. انشغل كافكا كثيرًا بقصص الأولياء اليهود في أوروبا الشرقية، ومعجزاتهم المشابهة لمعجزات الأولياء المسلمين، مثل القدرة على الانتقال من مكان لمكان آخر بعيد في لمح البصر أو ما شابه ذلك، ولكن الغاية هي توظيف ذلك في تأملاته وقصصه، وليس لطرح رؤية دينية كما حاول صديقه ماكس برود أن يروّج أحيانًا.
(*) يُلاحظ أن كافكا كان يولي اهتمامًا بالمسرح، وقد كتب ما يمكن أن نسميه بروفات مسرحية. إلى ماذا ترد هذا الاهتمام؟
هذه المحاولة لكتابة مسرحية في بداية الكراسات لم تكتمل، نجد أنه حاول كتابتها بصيغتين، لا أعرف إن كانت لديه محاولات أخرى. مسودة المسرحية هذه لها أصداء في نصوص الكراسات، فهي مسرحية عن أشباح الإمبراطورية النبلاء الذين يريدون الخروج من المقبرة ويدخلون كل ليلة في عراك مع حارس المقبرة. الإمبراطورية النمساوية المجرية المتداعية (1867- 1918) متعددة القوميات كانت على وشك الزوال، ونجد إشارات كثيرة لذلك في نصوص، مثل "سور الصين" أو "ورقة قديمة" مثلًا، صورة الإمبراطور الذي يرى مملكته تنهار وهو ينظر في غير اكتراث من الشرفة، أو الشعب الذي لا يعرف أي إمبراطور يحكمه حاليًا. عمومًا كان كافكا مهتمًا بالمسرح، خصوصًا المسرح اليهودي في تلك الفترة حيث تعرّف على الشاب إسحق لوفي الذي كان يقدم مسرحيات بلغة الييديش في براغ.
(*) كتابة كافكا دقيقة واقعية في ظاهرها، لكن تلك الدقة المفصلة تستهدف مغزى لا صلة له بالوقائع المذكورة. أي أنه يحولها إلى استعارة تتخطى بعدها الزمني الذي كتبت فيه؟
من الصعب وصف كتابة كافكا بالواقعية ولا حتى في ظاهرها، هي كتابة غرائبية كابوسية، هي نقل الواقع إلى أرض الحلم. لكن هي في الوقت ذاته تعكس الواقع الكابوسي الذي كان يعيش فيه العالم خصوصًا في فترة الحرب العالمية الأولى. هناك انصهار بين عالم الواقع وعالم الحلم.
(*) هل من أثر لكافكا على الأدب العربي، خاصة في أساليب كتابة القصة القصيرة؟
لكافكا تأثير واسع على الأدب العربي المعاصر، بداية من كتابات طه حسين عنه ومقارنته له بأبي العلاء المعري، وله بالتأكيد بصمته عند كثير من الكتّاب، رواية "اللجنة" لصنع الله إبراهيم مثلًا، قصص زكريا تامر، وكما يقول دولوز وغوتاري في كتابهما "كافكا، نحو أدب أقلي" فإن كافكا تنبأ بكل الأنظمة الشمولية الكابوسية التي جاءت من بعده. والأدب العربي المشتبك سياسيًا منذ الستينيات وجد نفسه في واقع غير بعيد عن كوابيس كافكا. أعتقد أن تأثير كافكا موجود لدى كثير من المبدعين العرب ويظهر لدى كل منهم بصورة مختلفة، أذكر مثلًا على سبيل المثال رواية "المسرات والأوجاع" لفؤاد التكرلي، أو "ثلاثة وجوه لبغداد" لغالب هلسا.
(*) ما نقاط الالتقاء والاختلاف بين "أحلام فترة النقاهة" لنجيب محفوظ و"شذرات كافكا"، من حيث أن كليهما كتب خلال الفترة الأخيرة من حياة الكاتبين.
أود التفرقة بين اليوميات والشذرات، اليوميات ظل كافكا يكتبها حتى عام 1923 (وهي مترجمة أيضًا إلى العربية) مع فترة توقف كتب فيها الكراسات الثماني، التي ترجمتها أنا في نسختها الأصلية، والشذرات مستخلصة من الكراستين الأخيرتين وهي عبارة عن تأملات وجودية في شكل مقولات قصيرة أحيانًا تصل إلى فقرة أو أطول كثيرًا. ليس بها طابع قصصي في معظمها، وقد قام بترقيمها لاحقًا. وهي كما ذكرت من قبل غامضة بعض الشيء وتقترب أحيانًا من التجريد، خصوصًا عندما يتحدث عن العلاقة بين الشرّ والخير والخلود والفناء. ربما يكون وجه الالتقاء بين "أحلام فترة النقاهة" و"شذرات كافكا" في الطابع الوجودي، لكنني أجد أن "أحلام فترة النقاهة"، بحسب ما أذكر من قراءتي الأخيرة قبل أعوام، من أكثر أعمال نجيب محفوظ اكتمالًا، أقاصيص مكتوبة بعناية وإحكام ومتعة. لدى كافكا أقاصيص مشابهة مثل "حقيقة سانشو بانزا"، و"بروميثيوس"، و"خرافة صغيرة"، و"عن الأمثولات". أظن فقط أن سخرية محفوظ قد تكون أقل قتامة.
(*) يرى بورخيس أن كافكا هو كاتب بلا أسلاف، بل هو يبتكر أسلافه. ماذا يقصد بورخيس بابتكار الأسلاف؟ ألا تجد مبالغة في انعدام صلة كافكا بكتاب سابقين عليه؟!
ربما يقصد بورخيس تأثير كافكا الهائل في الأدب المعاصر وفي الكتّاب الذين أتوا من بعده، ومن الصعب تصور الواقعية السحرية من دون تأثير كافكا. وربما تكمن هنا مبالغة بورخيس. لكن كافكا كان على المستوى الأدبي شخصًا نشطًا في الحياة الثقافية في براغ ومتابعًا لما يكتب من حوله. من المهم الإشارة إلى أن معظم معاصري كافكا من الكتّاب الكبار مثل توماس مان وريلكه وروبرت موزيل كانوا على معرفة بكتاباته، وكان هو يقرأ لهم ويتابع كتاباتهم. لكن نستطيع القول إن هاينريش فون كلايست ودوستويفسكي وغوغول وفلوبير وغريلبارتسر كانوا من أبرز الكتّاب الذين تأثر بهم، كما أنه تأثر أيضًا بأبي الأدب الألماني الحديث غوته.
(*) يجد إلياس كانيتي قدرة فريدة لدى كافكا على الكشف عن السلطة وتفكيكها أدبيًا، مدفوعًا برغبة التخفي والتخلص من الهيمنة. ما الذي جعل كافكا مهتمًا بهذا القدر بمسائل القانون والسلطة؟
هذا صحيح ونجده بشكل واضح في الثلاثية الروائية "المحاكمة" و"القصر" و"أميركا"، العالم الميتافيزيقي للسلطة التي تحكم العالم عن بُعد، وأحكامها القاسية ودهاليزها التي لا تنتهي وصعوبة التواصل المباشر معها. نحن هنا في هذه الأعمال أمام سلطة غاشمة تطلق أحكامًا لا رجعة فيها، ويكون مصير البطل فيها مجهولًا في أحسن الأحوال كما في نهاية رواية "أميركا". كما تتخذ صورة أخرى أكثر وضوحًا في "لدى بناء سور الصين"، إذ تحمل إسقاطًا سياسيًا على الإمبراطورية النمساوية الآخذة في الانهيار. هناك أيضًا سلطة الأب كما نراها في "المسخ" وفي قصة "الحكم"، "ورسالة إلى الأب". ونجد هذه الرغبة في التخفي والتخلص من الهيمنة في قصته غير المكتملة "الجُحر"، التي كتبها قبل ستة أشهر من وفاته.
ببساطة يرجع اهتمام كافكا بمسائل السلطة والقانون إلى كونه كان محاميًا كبيرًا في أكبر شركة تأمين حكومية في تشيكيا التي كانت تابعة آنذاك للإمبراطورية النمساوية المجرية. حصل كافكا على دكتوراه في القانون وكان ثالث أكبر موظف في هذه الشركة حتى إصابته بالسل وتقاعده المرضي. خلال فترة الحرب العالمية الأولى كان يبتّ في استحقاقات التأمين الصحي والتقاعد لمصابي الحرب. ولا ننسى هنا نصَّه الشهير من رواية المحاكمة "أمام القانون".
(*) ما هي اللحظات الصعبة التي مرت عليك أثناء ترجمتك "الكراسات الثماني والشذرات". أقصد أي المقاطع وجدتها معقدة أو صعبة الترجمة إلى العربية؟
ترجمة الشذرات كانت هي الأصعب، بسبب صعوبة فهم مغزاها، بشكل واضح. استفدت كثيرًا من شروح راينر شتاخ الذي قدّم هذه الشذرات في كتاب منفصل. الصعوبة الأخرى هي الطابع المتشظي والشذري لنصوص الكراسات، فهي ليست نصوصًا مكتملة دائمًا وإنما محاولات وتجارب على النص نفسه بطرق متعددة، ولكن ربما لا تكتمل، أعتقد أن هذا مرهق للقارئ أيضًا ولكن فكرتي كانت تقديم ورشة كتابة كافكا للقارئ.
ساعدتني قراءات مثل نص فالتر بنيامين عن كافكا، و"محاكمة كافكا" لإلياس كانيتي، وكتاب دولوز وغوتاري "كافكا ، نحو أدب أقلي" (بترجمة هيثم الورداني وكاميران حوج ومي التلمساني على التوالي)، وبالأساس وضعني الجزء الثاني من سيرة كافكا التي كتبها راينر شتاخ بعنوان "سنوات العرفان" في أجواء كتابة الكراسات والشذرات وكل المحيط السياسي والاجتماعي لهذه الفترة. أيضًا راسلت راينر شتاخ لسؤاله عن بعض الأسماء أو عن بعض الأسطر الغامضة.
(*) أخيرًا هل ترى أن نص فالتر بنيامين أقرب إلى روح أعمال كافكا وطريقة رؤيته العالم والحياة، أم أن من الصعب إيجاز الرأي حول كتابات كافكا بالغة الثراء الفكري والأسلوبي؟
نشر بنيامين مقاله عن كافكا بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاته، وهو نص مهم لإعادة اكتشاف عوالم كافكا بعد وفاته بأدوات بنيامين الرهيفة، إنه يدخل إلى عالم كافكا من خلال حكاية روسية طريفة عن بوتمكين، مستشار الإمبراطورة كاترينا الذي يصاب بالاكتئاب وتتعطل مصالح الدولة بسبب مرضه، وفي ظل حيرة المسؤولين لأنهم يحتاجون لتوقيعه، يدخل موظف صغير اسمه شوفالكين ويسألهم عن سبب حيرتهم ويأخذ منهم الأوراق ويذهب في غير اكتراث إلى مقر إقامة بوتمكين ويدخل عليه ويتركه يوقع كل الوثائق ويعود فرحًا إلى السادة، فيقلبون الأوراق باندهاش ويكتشفون أنها موقعة باسم شوفالكين. من هنا يأخذنا بنيامين في جولة في عوالم كافكا ويقدّم بعض المفاتيح لنصوص كافكا الغرائبية، من بينها عدد من نصوص الكراسات الثماني. هي قراءة مكثفة وذكية لنصوص كافكا ولكن مجال التأويل مفتوح دائمًا. ستصدر الترجمة العربية لهذا المقال (بتوقيع هيثم الورداني) ضمن سلسلة مختارات جديدة من نصوص ف. بنيامين عن دار الشروق قريبًا. بالمناسبة كان بنيامين مجايلًا لكافكا ويشتركان في علاقتهما الخاصة باليهودية رغم علمانيتهما.


تحميل المقال التالي...