ليست الفرشاة في يد الفنان التشكيلي عايد ميران أداةً صامتةً تنتظر الأمر كي تُنجز عملًا فنيًّا تقليديًّا، بل هي علامةٌ إنتاجيةٌ قلقة، تتجاوز الشكل إلى المعنى، وتتلمّس بقلقٍ رؤيويٍّ حدود اللوحة وفضاءاتها. فالقلق الذي يرافق فعل الرسم عند ميران ليس ارتباكًا، بل حالة من التوتّر الجمالي الواعي تنبع من رغبته في إنتاج لوحةٍ تُحاكي الأفكار التي يحملها، وتقترب من ذائقة المتلقي، لا عن طريق التكرار أو الامتثال، بل عبر المخاطرة الفنية وتوسيع أفق التجريب.
هذا القلق الفني، بصفته جوهرًا حيويًا في عمله، مرّ بتحوّلاتٍ عديدة، تبدأ من شكل اللوحة، وتنتهي بتوزيعات اللون، وما بينهما بوحٌ داخلي ينساب بدلالة الترتيب الإنتاجي للعناصر: من الخطّ إلى البقعة، ومن النبرة إلى الإيقاع، ومن المضمون إلى الروح التي تُشعل مسار التكوين.
الفنان عايد ميران لا يجعل اللوحة تقف عند عتبةٍ واحدة، بل يُسيّرها حيث تشاء المخيّلة، ويمنحها تلك "المغازلة الروحية" التي تهديه الفكرة الأولى، وتدفعه إلى التحوّل الدائم في الشكل، لا بوصفه مجرد تركيبة بصرية، بل كهويةٍ خاصة، وصفةٍ دالة، وطريقٍ تعبيريّ اختاره لنفسه. وربما تكمن قوة تجربته في هذا التفرّد، وهذا التجاوز المقصود لعباءة التقليد.
فهو لا ينتمي إلى مدرسةٍ واحدة، ولا يسعى إلى مهادنة المدارس التشكيلية الكبرى، بل يمارس فعل الرسم كفعل وجودي يتفاعل مع بيئته، ويتغذى من قلقها وأسئلتها وتحولاتها. وهكذا تصبح لوحته ساحةً لصراع التأويل، لا تُقدّم جوابًا جاهزًا، بل تفتح باب التأمل والارتياب والدهشة.
إنّ الفنّ التشكيلي عند ميران لا ينفصل عن أثر البيئة، ولا عن سؤال الهوية. البيئة هنا ليست مجرد خلفية لونية أو محتوى محلي، بل محرّك داخلي للرؤية، ومكنونٌ يستخرج منه رؤاه وتفاعلاته. فهو يرسم لا ليُرضي التقاليد البصرية، بل ليُعيد اكتشافها، وتحطيم نمطها إذا لزم الأمر، وفق نسق تعبيري يعكس صدقه الداخلي وهمّه الجمالي.
لهذا، فإنّ عايد ميران لا يكتفي بالإجابات الجاهزة، بل يُجيب على الأسئلة من أجل سبر غور الرؤية، ومن أجل دفع المتلقّي إلى التأمّل وإعادة القراءة، وكأن لوحاته ليست مجرّد تشكيلاتٍ على القماش، بل نصوصٌ بصرية مفتوحة، تتطلب قارئًا شريكًا في اكتشاف الدلالة.
هنا حوار معه:
(*) ما الذي جاء بك إلى الفن؟
هناك بدايات يشوبها التوجّس والتردّد في أغلب الأحيان، لكونها (بداية)، ولكن حينما تكون الرغبة حاضرة، وعندما تتلبّس الروح المكان بشكلٍ أو بآخر، يصبح السلوك الإنساني انعكاسًا لما يحيطك من أشياء ومؤثرات. المدينة، باعتبارها المكان الذي تتلبّسه الروح، والأزقّة الضيّقة، والأقواس، و"الأراسي" في منطقة (باب الطاق)، جعلت من كلّ هذه المفردات هاجسًا وهيمنةً كاملةً على مخيّلتي كطفل، وبدأتُ برسم كلّ هذه المفردات ببساطةٍ وعفويّة. ومن هنا، كانت البداية لدخول عالم الإبداع.
(*) هل هنالك تأثير للبيئة على المخيّلة وطريقة الرسم؟
البيئة هي انعكاسٌ ومرآةٌ للروح من دون أن نعي ذلك، لكونها تتداخل مع الفرد كهوية لا يمكن الانفصال عنها بشكلٍ أو بآخر. فنراها متجذّرة فينا، ونلحظ هذا في عفويّاتنا عند الشروع بأيّ عملٍ فني.
نجد ما يطفو على سطح اللوحة من تفاصيل وإرهاصات تُعرّف نفسها من دون جهد أو صعوبة، لكون كلّ من يشاهد أعمالي الفنية يجد فيها مدينتي، وأغنيتي المفضّلة، وصورة أمّي. لأنه لا يمكن للفنان الابتعاد عن مهده وبيئته حتى لو أراد، لكونها تشي به عند أيّ منعطفٍ أو تفصيلٍ في اللوحة أو العمل الفني.
(*) أيّ المدارس الفنية تراها الأقرب إليك؟
المدارس الفنية هي أساليب وطرق للتأثير، أوجدتها أسماءٌ مهمّة من الفنانين العالميين، رسمت خارطةً ومنهجًا لكلّ أسلوب، أو مدرسة. ولكون كلّ هذه الأطروحات تبعث الجمال والتأويل، فإن الفرق كبيرٌ بين هذه المدارس في الألوان المستخدمة، وحركة الخطوط، وطريقة الرسم.
أغلب الفنانين اشتغلوا على هذه المدارس، مع إضافة نكهةٍ خاصة ولمسةٍ متجدّدة. ولم يعد الأسلوب أو المدرسة الفنية مجالًا للاختلاف والتفرّد، فقد اجتهد كثير من الفنانين للتأثير في المتلقّي باستخدام تقنيات وآليات جديدة، مع الأسلوب أو المدرسة التي يُبدع فيها، فيكون هناك سطحٌ تصويري مستلهمٌ من الخزين الفكري للفنان، ومن إبداعه في استخدام الحيل والاجتهادات التي ترتقي بالعمل الفني إلى مستوى متقدّم. ومن الفنانين المعاصرين من أوجد له بصمةً خاصة منبثقة من هذه المدارس، وأبحر في تفاصيلها بشكلٍ جديدٍ وأخّاذ.
(*) أمام تعدّد المدارس التشكيلية في الفن العراقي، ترى هل هناك اختلافٌ أيضًا في تقبّلها؟ وكيف تنظر إلى هذا التعدّد؟
تعدّد المدارس الفنية ظاهرةٌ صحيّة، لكونها تجعلنا نقف أمام تجارب مختلفة في الشكل والأداء، حتى وإن كانت تحمل المضمون نفسه. فهنالك من يكتفي بالترميز والدلالات البسيطة لتجسيد أفكاره، وإظهار مضمونه بآلياتٍ مشفّرة تستند على الفهم العميق، والخوض في غمار الفلسفة والتكهّن. ونجد غيره من الفنانين من يدخل في جوف المتلقّي من خلال عملٍ فنيّ واقعي، يبوح بمكنوناته بكلّ يُسرٍ وبساطة، ويكون قريبًا من ذائقة المتلقّي البسيط، الذي لا يحتاج إلى فكّ الشيفرات وقراءة الطلاسم. فهذا يعتمد على ثقافة الفنان، وخزينه الفكري، ومدى تأثّره بالمدارس الغربية. ونحن نحتاج إلى هذا وذاك، لإثراء المشهد التشكيلي بكثير من الفوارق والاختلافات.
(*) يرى المتلقّي أن أفكار لوحاتك تنطلق من البيئة العراقية، ونقل ما يشبه الواقع. هل أخذتَ على عاتقك أرشفة الواقع فنيًّا؟
من أهمّ مسؤوليّات الفنان أن يكون نتاجه الفني انعكاسًا لهمومه، وتسجيلًا صوريًّا لكلّ ما يدور حوله من أحداثٍ ومستجدّات لواقعه المعاش. فالنتاج الفني أو المنجز هو فسحةٌ قادرة على رصد الغربة الوجودية التي تُغلّف الإنسان (الفنان)، على نحوٍ يُظهر الوجود المُبهْرَج، الضاجّ بالألوان، ممتدًّا كعرقٍ يسمح بالتوغّل نحو تأويلاتٍ متعدّدة، ومعالجة آنية لأغلب ما يُفرزه المجتمع من إرهاصات على كلّ الأصعدة... وإيجاد حوارٍ حقيقيّ بين المتلقّي والعمل الفني، ليصبح الحوار رسالةً مشعّة، تبعث كلّ ما يدور في زمن إنجاز العمل.
وهذه المسؤولية تكون على عاتق الفنان، فتُعدّ أعماله الفنية توثيقًا وتجسيدًا لكلّ ما يشعر به من ألمٍ وهمٍّ وفرحٍ وحزن، لالتصاقه بالواقع، وقربه من منافذ التأثير، لأنه يملك ملكاتٍ خاصّة تعمل كمجسّاتٍ لإظهار المشهد الواقعي بصورةٍ واقعيةٍ وأكثر تأثيرًا.
(*) في ألوانك ثمة روح... هل هنالك علاقة بين اللون والفكرة، أم بين اللون والطبيعة؟
اللون هو ثيمةٌ وتميّزٌ يستخدمها الفنان لتكون بصمةَ تفردٍ في أعماله الفنية. وعندما يستخرج الفنان ثيماته ومفرداته من ثنايا الروح، تجد صداها الواضح لدى المتلقّي. عملية التلقّي اليوم في كثير من الأحيان تتبع مدى ثقافة المتلقّي وخزينه الفكري، ومدى تفاعله مع ما مطروح على قماشة اللوحة، أو العمل الفني. ولا بدّ للفنان أن يُسقط كلّ ما تحمل روحه من وجعٍ وفرحٍ وأملٍ على مساحته البيضاء، لتُمارس كلّ هذه التناقضات تمرّدها، مع وجود فسحة كافية لأنين الروح، وهي تستحيل تحت وطأة المنجز الفكري والثقافي للفنان، ليكون المتلقّي مأزومًا بما مطروح أمامه من مشهدٍ بصري، لا كلحظة كشفٍ عابرة. ومهما كانت التقنيات مؤثّرةً على العمل الفني، فإنها لا تستطيع مواجهة ضربةِ فرشاةٍ تنبئُ بخزينٍ من المعاني والتفاصيل بيد الفنان، وهو يُحاور ألمًا ومعاناةً حقيقية. ويبقى للعمل الفني اليدويّ أهميّته واستحالة تكراره مهما كانت المحاولات بمستويات احترافية. فتبقى لذّة العمل الأكاديمي لا تُقارن بكلّ تكنولوجيا العالم. وإنّ الفكرة المراد قولبتها وإظهارها بشكلٍ مدروس توجب التعامل مع اللون باحترافية، ليكون للأفكار المبثوثة طريقٌ يسيرٌ وواضحٌ للوصول إلى مكنونات المتلقّي وإرضائه.
(*) بعضهم يرى أن الرسم الواقعي أو الانطباعي لم يعد ملائمًا لروح العصر، وأن المدارس الحديثة تربّعت على ذائقة أغلب الفنانين. هل أخذت على عاتقك إعادة الروح إلى جذور هذا الفن؟
لكلّ زمانٍ مقال، كما يُقال. وهذا الزمن يختلف عمّا سبقه، فالتسارع الحاصل في كلّ شيء، وتأثير التكنولوجيا الحديثة، والقفزات المذهلة في التطور، جعلت الذكاء الاصطناعي هو المتحكّم في كلّ شيء، وأثّر بشكلٍ كبير على الأفكار والتوجّهات. لم يعد المتلقّي يكتفي بمشهدٍ واقعيّ بسيط في الشارع، أو شجرةٍ تحتها طفلٌ صغير، فقد استُهلكت هذه المشاهد اليومية، واستُبدلت بمشاهد أكثر سخونة وتعقيدًا، أدّت إلى نتائج وتأويلات قد تُرهق المتلقّي البسيط.
حتى المتلقّي المثقّف لا يريد أن يدخل في متاهاتٍ قد تؤدّي به إلى أنفاقٍ سرّية تختبر ثقافته ومفهوميّته. وإنّ البون الشاسع والمساحة الكبيرة بين ما يدور في العالم وبين مجتمعاتنا البسيطة، هو ما يحدّد ما يُعرض من أسلوب. فالعالم الغربي وأدواته المختلفة يفرض آليةً جديدة في الطرح، باختزالٍ كبيرٍ للمفردات والثيمات، وابتكار أدواتٍ جديدة للرسم، تحمل من التأويل والضبابية ولغة الطلاسم المعقّدة الشيء الكثير.
(*) هل تعتقد أن المتلقّي أقرب إلى المدارس الجديدة في الفن التشكيلي أم إلى ما ترسمه أنت وبعض الأصدقاء؟
المتلقّي نوعان: الأول، المتلقّي البسيط، الذي لا يريد إرهاق نفسه في الدخول في عوالم التحليل والتأويل، ويكتفي بما تفهمه بصيرته من المشاهد والأشياء المتكرّرة في حياته، ولا يريد فكّ شيفرات العمل الفني، فتراه ينأى عن هذا الفعل، وتستحيل رغباته إلى شيءٍ من البساطة والمحدودية. أما المتلقّي الثاني (النخبة)، فهو الذي يفهم حوارات اللون والمساحات، ويستأنس بحرفنة الفنان، ومدى قوّة التأثيرات المضافة على سطح اللوحة من ملمسٍ وتقنيات، ناتجة عن سنوات من التجريب والابتكار، فتجده متناغمًا مع كلّ تفصيلٍ وثيمةٍ أوجدها الفنان على قماشته. وأنا أعتقد أن التجريب شأنه شأن كلّ التطوّرات الحاصلة اليوم، هو الفصل في إظهار إمكانيّة الفنان وتفرّد نتاجه.
(*) لماذا يتجه كثير من الفنانين إلى المدارس الحديثة؟
مدارس الفن الحديث هي المدخل إلى بوابات العالم، حيث إنّ أغلب المحترفين من الفنانين العالميين ابتعدوا عن كل الأدوات الكلاسيكية، كالفرشاة، والأصباغ التقليدية، والأقلام بأنواعها، واعتمدوا أشكالًا جديدة من التأثير، يكون لها وقعٌ أكبر في مخيّلة المتلقّي. ولم تقتصر هذه الأشياء على شيءٍ محدد، بل تجاوزت كلّ أشكال التأثير. فكلّ مادة تخطر على بالك يمكن استخدامها في الأعمال الفنية، فصار لزامًا استحداث فنٍّ جديدٍ اسمه "فن التركيب" (الإنستليشن)، وهو يعتمد على مزج موادّ مختلفة كـ: الأسلاك، الأشرطة الملونة، قطع الفلّين الكبيرة... لاستحداث مشهدٍ تصويريّ يأخذ حيّزًا من المكان، ويكون مُجسّمًا وبحجمٍ كبير. فما عادت المعارض الفنية تقتصر على اللوحات فقط، بل أصبح هذا الاستحداث حاجة ماسّة للتأثير بشكلٍ أقوى، وبموادّ مختلفة.
(*) كيف ترى إلى واقع الفن التشكيلي في العراق؟
الواقع الفني حاليًّا متشعّبٌ لأكثر من جهة، وأكثر من تجمّع. وكلّ ما نراه حاليًا محاولاتٌ لإيجاد مساحات فنية تتضمّنها سفرات ترفيهية، ولم يكن الهاجس هو الفن الحقيقي، لأنّ المجاملات أصبحت العامل المشترك لكلّ هذه الفعّاليات. وأضع نفسي بين الحين والآخر كمُشاهدٍ على حافة الصورة، لأراقب ما يدور في أروقة القاعات الفنية، وبين حنايا الملتقيات الثقافية، وبين تراكم الأساليب الفنية، لأجد لنفسي مكانًا لا يستطيع أحد الاقتراب منه، أو الإيغال في مكنوناته. لأجد لنفسي بصمة متفرّدة في المنجز، وتوقيعًا لا يستطيع أحدٌ تقليده، وعندها أكون قد أتممت رسالتي، وهي التفرد، والتجوال في عالم الجمال من دون المرور بعوائق الزمن القاسي، والتحليق من دون تأشيرة دخول، ليكون للتجريب مكانه الأكبر في عالمي، ويترك في أعمالي ثيماتٍ موحشة تارة، وندوب الفرح والتأمل تارةً أخرى. ليكون هاجسي الابتعاد عن الخضوع لأسلوبٍ واحد في أعمالي، والتنقّل بحرية بين محطّات الإبداع، لرسم الجمال بألوان العشق ورائحة التراب... ويبقى دور وزارة الثقافة هو الأهمّ، رغم بُعد المسافات بين المحطّات الفنية والمعارض التشكيلية، وأنّ لجمعية التشكيليين العراقيين وقفاتٍ متباعدة بين الحين والآخر لإظهار صورةٍ جميلة لواقع الفن التشكيلي العراقي. وأملُنا كبيرٌ في التغيير الجديد لرئاسة الجمعية، أن يكون لها أثرٌ مشرّف وواضح في المشهد التشكيلي العراقي.


تحميل المقال التالي...