}

جواد العقّاد: كلّ شيء بغزة معلّق بين الحياة والموت

أوس يعقوب أوس يعقوب 9 أغسطس 2025
حوارات جواد العقّاد: كلّ شيء بغزة معلّق بين الحياة والموت
جواد العقّاد

نحاور اليوم الكاتب والشاعر الفلسطيني جواد العقّاد، المولود في مدينة خان يونس بقطاع غزّة، عام 1998.
العقّاد حاصل على ماجستير في النقد الحديث، من "جامعة القدس المفتوحة"، وشهادة بكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، من "جامعة الأزهر" في غزّة.
صدرت له الدواوين الشعرية التالية: "مقام البياض"، "دار عشتار"- الشارقة (2023)؛ و"على ذمّة عشتار"، طبعة أولى، "مكتبة الوسيم الحديثة"- غزّة (2017)، طبعة ثانية، "مكتبة سمير منصور"- غزّة (2018). بالإضافة إلى دراسة نقدية بعنوان: "تأمّلات في الصوفية الجمالية"، "دار تجوّال"- غزّة (2020).
وله تحت الطبع، ديوان بعنوان: "أقود الطيور من المذابح"، الذي سيصدر قريبًا عن "دار مختارات مقام"- لندن، باللغتين العربية والإنكليزية؛ وكتاب يضمّ مقالات ويوميات، بعنوان: "أكتب موتي واقفًا: هوامشُ الحرب والكتابة"، "دار الشروق"- عمّان. ويعمل حاليًا على إعداد كتابين هما: "قداسة الأنا: مقاربات في الفكر والأدب العربي"؛ وآخر بعنوان: "عذوبة الشقاء: قراءات في الشعر العربي".
كتب العقّاد في العديد من الصحف والمجلّات والمواقع الإلكترونية، مقالات في النقد الثقافي، إضافة إلى مقالات سياسية تتناول الشأن الفلسطيني عامّة، والغزّي على وجه التحديد. وهو أستاذ كتابة إبداعية ومهارات اللغة في العديد من المؤسّسات الأدبية، ومدير الأنشطة والفعاليات في "مؤسّسة معين بسيسو". وعمل مستشارًا ثقافيًا لمؤسّسة "هوب" الهولندية ضمن مشروعها لترجمة الأدب الفلسطيني 2023.
نال العقّاد عام 2018 عضوية "الاتّحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين"، وهو عضو "الاتّحاد الدولي للغة العربية" في بيروت. وفي رصيده العديد من الجوائز والتكريمات منها: "جائزة عبد الكريم الكرمي للشعر" من "ملتقى أدباء فلسطين" عام 2017، و"جائزة حسن الأسمر" من "ملتقى شواطئ الأدب" في غزّة عام 2017، وتكريم من كلّية الآداب في "جامعة الأزهر" عام 2018، وتكريم من وزارة الثقافة الفلسطينية و"الاتّحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين"، في يوم "الثقافة الوطنية" عام 2019، وتكريم من بلدية غزّة عام 2020.
عن تجربته مع الكتابة، وعن مشروعه الشعري، وديوانه - قيد الطباعة - "أقود الطيور من المذابح"؛ وعن نصوص البدايات، والكتابة من الخيام تحت النّار؛ والشاعر نازحٌ ومهجّرٌ ومجوّع، كان هذا الحوار معه:

(*) بداية؛ كيف تعرّف نفسك لقرّائنا؟
شاعرٌ فلسطيني يكتب من قلب العاصفة، ومن خيامٍ تطلّ على بحرٍ محاصرٍ بالنّار والذكريات. لا أُجيد تعريف نفسي كما يفعل الآخرون، فأنا من أولئك الذين يكتبون كي لا يتشظّوا من الداخل، ويمسكون باللغة كأنّها حبل نجاة في هذا السقوط الكبير.
أعيش في غزّة، حيث كلّ شيء معلّق بين الحياة والموت، بين قصيدة لم تكتمل، وبيت قد تهدم، وصوت حبيبتي في آخر الاتّصال يأتي كصفير القذائف.
في هذا الخراب الواسع، لا أملك سوى قصيدتي: جملة مرتعشة، وفكرة لا تموت، وإيمان بأنّ الشعر لا يغيّر العالم، لكنّه يفضح الظلام ويشهق في وجه الموت.
أكتب كي أحمي المعنى من الإبادة، واللغة من التلوث، والحبّ من الانكسار. لهذا أكتب، ولهذا أظلّ، حتّى وإن بقيت وحدي أصرخ بين الركام.

(*) ماذا يمكن أن تخبرنا عن ديوانك الأخير "أقود الطيور من المذابح"، الذي سيصدر قريبًا في لندن، باللغتين العربية والإنكليزية؟ ماذا يتضمّن تحديدًا؟
"أقود الطيور من المذابح" هو أثر الدم على الورق، ومحاولة لتدوين الوجع قبل أن يبتلعه النسيان أو يمحو تفاصيله الرماد. يضمّ هذا العمل نصوصًا كتبتها بين ضفّتي الحياة والموت: بعضها من داخل بيتي الذي دُمّر، وبعضها من الخيمة، وبعضها من تحت سماء تمطر نارًا، وبعضها من قلب مكتبتي الخاصّة قبل أن تُحوّل إلى ذكريات.
كتبت عن الجوع، عن الأرصفة التي ننام عليها، عن التهجير، عن وجوه الراحلين، عن صوت أمي في الظلمة، عن الذاكرة التي تئن كلّما مرّت قذيفة قرب طفولةٍ ما. في هذا الديوان، ستجد نصوصًا وُلدت من الرصيف؛ ومن حلم طفل يبحث عن مدرسته وأحلامه. هناك قصائد لا تتناول الحرب مباشرة، لكنّها تحمل وجع المدينة في تفاصيلها، تمامًا كما تحمل الوردة شذا التراب الذي خرجت منه.
من النصوص اللافتة فيه، نصٌّ طويل بعنوان "عروش الدم"، كتبته في أكتوبر/ تشرين الأوّل عام 2022، قبل عام من الحرب، وفي نهايته قلت: "الطوفان قادم... طوفانُ دمي... اقتل!" وكأنّني أكتب نبوءة، لا عن وعيٍ، بل عن حاسةٍ شاعريةٍ تتلمّس القادم. وقد جاء الطوفان فعلًا بدم شعبٍ كامل.
أمّا الإهداء، فكان إلى البلاد… قلت فيه: "اتّسعَ الشّوقُ كمقبرةٍ جماعيّةٍ، وهذه الكلماتُ عناقٌ أخيرٌ ودمعة!".
إهداءٌ يشبه حالي كمن يلوّح للوطن وهو يغرق.
الديوان حاليًا قيد الطباعة في لندن، وسيصدر باللغتين: العربية، وطبعة إنكليزية نعمل عليها بعناية مع المترجم حازم جمجوم، لنفتح جرحنا على العالم، لنؤكّد أنّ الشعر حين يولد من الألم يصبح هوية وجود.

(*) أعود معك لديوانك الشعري "مقام البياض"، الذي صدر في عام 2023، كيف تقيّم تجربتك مع هذا الديوان والإقبال عليه من قِبل النقّاد والقرّاء؟
ديوان "مقام البياض" هو محصّلة وعي شعري تراكمي، جاء بعد سنوات من الانغماس في دراسة الأدب العربي، في مرحلتي البكالوريوس والماجستير، ولذلك حمل نضجًا في الرؤية والتجربة. تنوّعت قصائده بين ثيمات الحب، والذات، والمكان، والتاريخ، والشخوص، وقد حاولت فيه أن أُسائل العالم من موقع الشاعر، وأن أكتب البياض ككثافةٍ روحية لا فراغًا.




صدر الديوان عن "دار عشتار" في الشارقة، ورغم أنّ توزيعه اقتصر على دولة الإمارات، إلّا أنّ صداه تجاوز الجغرافيا ووصل إلى عدد من النقّاد والشعراء الذين استقبلوه باهتمام لافت، فضلًا عن عدد من الأصدقاء القرّاء الذين وجدوا في النصوص مرآةً لقلقهم وأسئلتهم. هذه القراءة المتفاعلة من النقّاد والجمهور كانت شهادة على أنّ القصيدة حين تُكتب بصدق تصل، حتّى لو كُتبت في أقصى العزلة.

(*) كيف تتأمّل صوتك وصورتك مع الكتابة منذ بداياتك؟
في "على ذمّة عشتار" كانت البداية طفولية، بريئة، وشغفها الأساسي البحث عن الذات عبر لغة متوثّبة وحائرة. لم أكن أعرف بعدُ ما هو الشعر حقًا، بل كنت أهرب من اللغة العامّة، من الكلام السطحي، إلى عوالم البلاغة واللغة المتماهية مع الوجدان، هاربًا من وهم الحياة الكبير، ومن الفناء. هناك، اكتشفتُ أنّ دافعي الأعمق هو السعي وراء ما لا يُقال، ما لا يُفهم، تلك الأشياء الخفية التي تطاردنا لكنّها أبدًا لا تُدرك. في هذا الديوان، كان الشعر بالنسبة لي فلسفة الأشياء التي تتحدّى الحقيقة، وتمرّدًا على القوالب، وتمرّدًا على الذات والجماعة، محاولةٌ للانعتاق من قيود المنطق إلى لذة اللغة الخفية، وانحدار نحو اللاشيء، نحو غموض الوجود.
ثمّ جاء "مقام البياض" الذي مثّلَ محطّة نضج وتوسّع في التجربة، محاولة لصياغة حضورٍ جديد للصورة الشعرية، وتكثيف للهمّ الإنساني والوجداني في ظلّ متغيّرات ثقيلة تعصف بالوعي والهوية.



أمّا "أقود الطيور من المذابح"، فهو الصوت الذي خرج من أعماق الحرب، من الركام والدمار، حيث تحوّل الشعر إلى فعل وجودي مقاوم، قصيدة تجرّح الجسد والذاكرة، وتعانق الموت والخراب بلا خوف، لتصبح شهادة حيّة على هشاشة الحياة في زمن الإبادة.
بين هذا وذاك، وقفت مع "تأمّلات في الصوفية" التي كانت محاولة متواضعة لاستكشاف الأبعاد الجمالية للفكر الصوفي، وفتح آفاق روحية تزيد من عمق التجربة الشعرية، إذ رأيت في الصوفية زخمًا فكريًا يضيء دروب اللاوعي الإنساني، ويسمح للقصيدة أن تلتقط أبعادًا جديدة من المعرفة والوجدان.
إنّ تجربتي مع الكتابة كانت رحلة معقّدة بين الحيرة والتمرّد؛ بين الفرح والرعب؛ بين البحث عن الذات والانتماء، رحلة لم تتوقّف عند حدود النصّ، بل امتدّت إلى فضاءات وجودية أعمق، حيث لا صوت لي إلّا الصوت الذي لا يُسمع، ولا صورة إلّا الصورة التي لم تُرَ بعد.

(*) وأنت في مقتبل العمر؛ هل لديك مشروع شعري، تطمح إليه وتفكر فيه كهاجس؟
مشروعي كان وما زال هو انتزاع الشعر من أسر اللغة الرتيبة، ومن محاكم الجهل والسطحية، ليصبح صرخة حقيقية تمزّق سدود الصمت، وتعلن بقاء الذات في وجه الاندثار، وتثبت أنّ الشعر فعل وجودي يمسك بالوجع، ويرسم خارطة الجرح والرجاء.
هو مشروع يجرؤ على مواجهة اللامعقول؛ ويتحدّى قسوة الواقع؛ يستكشف المجهول؛ ويخوض في عمق الألم والحنين. إنّه مشروع البحث عن صوت لا يشبه أحدًا، صوت يعانق الهاوية بدون أن يسقط فيها، صوت يغني الموت من قلب الحياة، صوت يقود الطيور من المذابح، ويفتح نافذة نحو سماء أخرى، حيث يستمرّ الشعر رغم كلّ الخراب؛ رغم كلّ الغياب؛ رغم كلّ الموت.
هذا هو الحلم الأكبر، والهاجس الذي ما انفكّ يُشعل دمي؛ ويحرّك كلماتي؛ ويمنحني القوّة للكتابة وسط أتون الحرب والدمار.

(*) ما الذي جعلك تدخل عالم الكتابة؛ وهل تذكر أوّل نصّ كتبته؟
لم أعش ما يُسمى بطفولةٍ شعرية، ولم تتفتح القصائد على لساني منذ نعومة أظافري كما يحبّ بعض الأصدقاء أن يقدّموني. لم أكن "المعجزة الصغيرة" التي وُلدت وفي يدها دفتر شعر. على العكس، كنت صبيًا خجولًا، قليل الكلام، أعيش طفولةً هادئة وعادية، لكن في أعماقي كانت هناك يقظة مبكرة، حساسية حادّة تجاه ما يحدث حولي، وانشغال دائم بأسئلة الوجود والعدالة والهوية.
دخلت عالم الكتابة لا بالصدفة ولا بالوراثة، بل من باب التأمّل والحيرة، من الانشغال العاطفي والفكري والسياسي. كانت الكتابة وسيلتي الأولى لفهم العالم، ولصياغة صوتي الخاصّ وسط هذا الضجيج الكبير. أذكر جيدًا أنّني اكتشفت قدرتي على التعبير الكتابي في الصف التاسع، حين كتبت نصًّا وطنيًا يحاول أن يجيب عن سؤال الوطن: ماذا يعني أن تولد على أرضٍ تموت كلّ يوم؟ وماذا يعني أن تحبّ وطنًا لا يراك إلّا وأنت تقاوم أو تُدفن؟




لم يبدأ وعيي بالشعر من الإيقاع، بل من الجرح. لم أغرم بالعَروض في بداياتي، بل كنت أقرأ ما يُشبهني، ما يصرخ مثلي، ولهذا انجذبت مبكرًا إلى الشعر الحرّ، إلى النصّ المتحرّر شكلًا ومضمونًا. ورغم محاولات متفرقة لكتابة القصيدة العمودية، إلّا أنّني وجدت نفسي في النصّ المفتوح على الأسئلة، على اللغة أفقًا.
في موازاة ذلك، لعب النقد الأدبي دورًا أساسيًا في بناء نصّي الشعري، وكنت أقرأ بشغف ما كتبته نازك الملائكة وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهما عن تحولات القصيدة العربية. كنت مشغولًا دومًا بسؤال: كيف تُكتب القصيدة المغامرة؟ كيف تكون الكتابة فعلًا إنسانيًا لا استعراضًا لغويًا؟
هكذا ولدت نصوصي الأولى: وطنية، وجودية، تمشي على الحد الفاصل بين الدم والقصيدة، وتبحث منذ لحظتها الأولى عن معنى الوطن بوصفه هاجسًا وجرحًا مفتوحًا في الروح.

(*) لكلّ واحد منا أب في الكتابة، من هنا من كان أباك الشعري؟ ومن هم الشعراء الذين أثّروا بك وكانوا مصدر إلهامك؟
لكلّ شاعرٍ أبٌ بوصفه الكائن الذي يضيءُ عتمة الأسئلة في الكتابة، ويمنحك مفاتيح الجُرح، ويعلّمك كيف تَجرحُ الورقة؛ لتُخرج منها الحياة.
أبي في الشِّعر هو أنور الخطيب.
ليس لأنّني أردت أن أكون ظلّه، بل لأنّني رأيت فيه ما يمكن أن يكون مرآةً أرى بها لغتي في مراحل اكتمالها وانكسارها. أنور لم يعلّمني الشِّعر... بل علّمني أنّ الشِّعر لم يبدأ بعد، وأنّ اللغة لا تتوقّف عن الانفجار، وأنّ القصيدة ما يُحفر في الروح ويُعاد كتابته كلّ لحظة بفعل الحياة.
في كلّ مرّةٍ أتحدّث فيها مع أنور عن الشِّعر، أكتب قصيدة.
وفي كلّ قراءةٍ لواحدٍ من نصوصه، أشعر أنّي أُعيد ترتيب يقيني بالعالم وبنفسي. أمامي "نصف قرن" من الألم، من التجربة، من التأمّل، من الخسارات، ومن النُبل أيضًا.
أنا مدينٌ للشِّعر الذي دلّني على أنور، ومدينٌ لأنور الذي منحني مفاتيح الممالك العلوية للشِّعر.
مدينٌ له لأنّه لم يكن شاعرًا فقط، بل إنسانًا تماهى مع لغته، مع فكرته، مع قضيته بدون أن يساوم أو يهادن. أنور، كما عرفته، هو الثائر الذي يرتدي ربطة عنق أنيقة، لكنّه يكتب للكادحين والمشردين والمناضلين الصادقين والمهمشين. هو المنحاز للإنسان، للغائب في التاريخ.
وهو، وإن تجاوز الهمّ الوطني إلى آفاق إنسانية أوسع، لم يتخلّ عنه، بل أعاد تشكيله، قرأه، أعاده إلينا كوجعٍ نظيف... أنور الخطيب لا ينتمي لهذا الخراب.
وأن تقول إنّك تلميذ أنور الخطيب، لا يعني أنّك تكتفي، فإنّ رحلتي معه لم تبدأ بعد، لأنّ كلّ قراءة له تفتح بابًا جديدًا في الحكاية.
وأنا أقرأ أنور الخطيب لأطرح السؤال الأصعب: هل على الأدب أن يعيد قراءة التاريخ؟ أن يهدم الخرافة المقدّسة؟ أن يواجه العاطفة بعاطفة أعمق؟ أن يكون أداة وعي؟
لهذا وأكثر، هو أبي في الكتابة، لأنّه أيضًا أضاء لي ما لم أكن أراه، وأعانني على الوقوف في وجه هذا العالم… باللغة.

(*) كيف أثّرت في شعرك البيئة الغزّية التي نشأت في أحضانها؟
البيئة الغزّية، بما تحمله من اختناق المكان وانعدام الأفق، هي جزء متداخل من تكويني الشعري والوجداني. الحرب دفعتني إلى إعادة النظر بحدّة في علاقتي بالمكان بوصفه حالة شعورية تتخلل الذاكرة واللغة والقصيدة. لذلك، غزّة لم تكن في شعري مسقط قلب فقط، بل مسقط معنى.
في كتابي "أكتب موتي واقفًا" قلت: "هذه المدينة كبرت فيّ، ولم أدرك. فاكتشفت أنّني أحبّها، ليس لأنّها مسقط قلبي فحسب، بل لأنّها مدينة محبوبة لذاتها".
هذه العبارة خلاصة وعي تشكّل في خضمّ الهدم، حين تصير العلاقة بالمكان نوعًا من المصارحة المتأخرة، اعترافًا محمولًا على كتف القصيدة.
ولأنّ الفلسطيني يُولد في قلب سؤال المصير، فإنّ علاقتنا بالمكان ليست عادية. نحن نكتب عن "الوطن" بوصفه كيانًا وجوديًا: المكان والزمان والتاريخ مجتمعين في نسيج الألم والتشبث. من هنا، كانت قصيدتي دائمًا تبحث عن مكان لا يُقصف، عن شارع من ياسمين، عن رصيف يمكن أن يصير بيتًا. كتبت منذ الجملة الأولى وأنا أبحث عن الوطن كاختبار شعري للنجاة والكرامة.
غزّة، بحصارها وحرائقها وموتها المتكرّر، هي التي جعلتني شاعرًا يعرف كيف يضع اللغة على جرحه دون أن يصير نائحًا. ولهذا، جاء ديواني "مقام البياض" حاملًا قصيدة بعنوان "المدينة"، تتضمّن مواجهة بين الشاعر والمكان الذي يسكنه ويحاصره في آنٍ معًا.

(*) ما الذي يحدّد خيارات عناوين قصائدك ومجموعاتك الشعرية؟ وهل يُشكّلُ العنوان مدخلًا للقصيدة عندك؟
صراحة، الاستقرار على عنوانٍ مناسب هو أحد أكثر المراحل إرباكًا بالنسبة لي، تمامًا كحيرتي في اختيار الغلاف والشكل النهائي للكتاب. لا أكتب العنوان أوّلًا، ولا أتعامل معه كمدخل إجباري للنصّ، بل أترك القصيدة تُنهي نزفها، ثمّ أبحث عن عنوانٍ يليق بجوهرها ويختصر هديرها الداخلي.
مع ذلك، لا أغفل أنّ العنوان عتبة نصّية حاسمة، تُشبه الباب الأوّل للبيت، ولهذا أُحاذر أن يكون باهتًا.

(*) كيف تكتب يدُ الشاعر وهي عالقة تحت الركام، أو وهو نازحٌ ومهجّرٌ ومجوّع تحت وابل القصف الصهيوني الهمجي؟ وماذا يكتب؟ ولمن؟
الكتابةُ في لحظةِ الانهيار وقوفٌ عارٍ أمام المقصلة، اختيارٌ عنيفٌ للبقاء.
حين تكون اليدُ تحت الركام، يكتبُ الشاعرُ بجمرِ أنفاسه، لا بالحبر. يكتبُ كي لا يفقدَ إنسانيته، كي ينجو من الجنون، كي يُبقي الروحَ يقظة في ليلِ الإبادة.
يكتبُ موتَه اليومي، ليقاوم النسيان.
يكتبُ لذاته المدمّاة، للتاريخ الغادر، للمستقبلِ المنفي، للحلمِ المُحاصر. يكتبُ كي لا يموتَ مليون مرّة.

(*) هل صحيح أنّ "الحرب تجعلنا نخلق أدبنا الخاصّ، شكلنا الكتابي المختلف"؟
بالتأكيد، الحرب تُحدث في الكتابة زلزالًا لا يمكن التنبؤ بارتداداته، وتفتح في النصّ جرحًا مفتوحًا على الحياة والموت معًا. أنا لا أؤمن بأنّنا نكتب كما نريد في زمن الحرب، بل كما تفرض علينا التجربة أن نكتب؛ إذ إنّ القصيدة في هذا السياق تُستخرج من رماد البيوت المقصوفة وملامح الوجوه الغارقة في الغياب.
الحرب تفرض علينا شكلًا جديدًا للكتابة، متفلّتًا من القوالب، متمرّدًا على البلاغة التقليدية، منغمسًا في لُجّة الأسئلة الكبرى: عن المعنى؛ عن النجاة؛ عن جدوى الشعر أمام كلّ هذا الدمار. القصيدة التي تُكتب تحت القصف ليست قصيدة بالشكل المعتاد، إنّها أشبه بصرخة، أو بلغة تنحت وجودها بين أنقاض مدينة تحترق.
إنّ ما أكتبه الآن خاضع لشرط التجربة ذاته، لتلك النّار التي أخرج منها حيًّا بالكاد، لذلك، فإنّ الحرب، نعم، تخلق لنا أدبنا الخاصّ.

(*) ما السبيل لتجنّب أن تكون نصوص الشاعر وهو في أتون الحرب والشاهد الحيّ على أهوالها، مجرّد إنشاء انفعالي وكلام عاطفي يذهب مفعوله بمرور الوقت؟
الحرب تفرز مشاعر كثيرة، وتدفع كثيرين إلى التعبير عن معاناتهم اليومية. هذه الكتابات، في أبعادها الفنّية، غالبًا ما تكون انفعالات وخواطر لحظية، وهذا أمر طبيعي ومقبول، ما دام يُفهم في سياق التوثيق الشخصي والتجربة الذاتية.
لكنّ النصوص الحقيقية، التي تبقى وتؤثّر، لا تُكتب هكذا عبثًا أو انفعالًا عابرًا. هي نتاج شاعر راسخ في الشعر، متمرّس في المعاناة، موهوب يملك أدواته ويصوغ الألم بحرفية ووعي.
الحرب لا تخلق شاعرًا، لكنّها تربيه، تمنحه مادّة تشتعل بها لغة النصّ، لكنّها لا تغني عن الموهبة والضبط الفنّي.

(*) في تصوّرك، ما هي وظيفة الشعر في زمن الحروب والإبادة؟
الشعرُ، وخاصّة في زمنِ الحروبِ فعلُ وجودٍ ومواجهة، صوتٌ ينبثق من الحطام ليقول: "نحن هنا، رغم الموت".
أكتبُ لأنّ القصيدة وحدها تستطيع أن تلمس المعنى حين يسقط كلُّ شيءٍ في الفراغ... قصائد الشعراء الذين يعيشون تحت المقصلة ملحمة واحدة، قصيدة طويلة مكتوبة بالدم والنّار.

(*) أخيرًا؛ ماذا يمكن أن تخبرنا عن نصوصك الجديدة؟ وما الذي تحضر له في الوقت الحالي؟
الكتاب الأخير الذي أنجزته في قلب الحرب يحمل عنوان "أكتب موتي واقفًا: هوامش الكتابة والحرب"، وهو الآن في طريقه إلى النور عبر "دار الشروق" في الأردن وفلسطين.
في غزّة، حيث يتداخل الرماد مع نبضي، لم يعد للشعر المتزين موطئ قدم، إذ اختنقت اللغة بالمأساة، وصار الغضب هو القاموس الوحيد القادر على التعبير. لذلك، كتبتني كما أنا: حافيًا من المجاز، عاريًا من الزخرفة، أواجه الحرب بوضوحٍ فجّ، لكنّه شريف. ورغم ذلك، لم أتخلّ عن لمسةٍ شاعرية تسكنني منذ البدء، وتظلّ تطلّ برأسها من بين الركام والرماد والأسى.
ما زلت أكتب، أتنفس القصائد، وكذلك أسجّل مواقفي في مقالاتٍ وآراء سياسية لا تهادن. لديّ رؤوس أقلام لمشاريع أدبية وشعرية قادمة، لكنّها في طور الانتظار. كلّ ما أحتاجه الآن، بصراحة، هو هدنة مع الحرب، مع العالم، ومع نفسي. هدنة أعود فيها إلى الإنسان وإلى فطرته الأولى.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.