للعلم أقول إن الجمهور الكبير الذي يَتَرْدَّدُ على المكتبة البديعة بكل المواصفات ليس حتمًا من رهط "لا تشيتشي"، بغض النظر عن تحفظ معظم الناطقين باللغة العربية عن توجهها الفرنكفوني غير العفوي، خلافًا لما يَظُنُّ مسؤولها الفرنكفوني الذي يَتَنَفَّسُ الكتب، ويُصَلِّي باللغة العربية، مُعَانِقًا الحداثة التي يَفْرَضُها العصر من دون عقدة، أو تردد.
في المكتبة التي قد يَحْسُدُها أصحاب مكتبات الحي اللاتيني في باريس، والتي لا يَتَرْدَّدُ عليها معظم المثقفين الذين أعرفهم من مِلَّةِ التوجه العروبي في الجزائر، بل كثير منهم لا يَعْرِفُها، كان لـ"ضفة ثالثة" هذا الحديث الذي رَدَّ فيه مديرها محمد إسكندر عن أسئلتنا الضرورية مهنيًا بصدر رحب رغم ما فيها من إحراج يمكن أن يَتَسَبَّب في رفضِ أيِّ فرنكفوني فرنكوفيلي الرد عليها.
(*) من أنتم، وكيف تَفْسِرُونَ علاقتكم بالكتاب؟
اسمي بوشارف محمد إسكندر، وشغفي التاريخي بالقراءة هو الذي يُفْسِرُ علاقتي بالكتب منذ نعومة أظافري وسط عائلة مولعة بكل أنواع الكتب. تسييري مكتبة رمزية تَحْمِلُ اسم عمل محمد ديب، أحد أهم كتابنا، شرف لي، ومسؤولية تَنْسَجِمُ مع قناعاتي وافتتاني بالكتب، كما أسْلَفْتُ الذكر. تَرْبَيْتُ في أحضان الثقافة والروحانية والفلسفة، وقُمْتُ بتربصات في إدارة المكتبات، وسَعِدْتُ جدًا باقتراح إدارتي لمكتبة "شجرة الأقوال".
(*) لماذا تَأَسَّسَتِ المكتبة عام 2017، وليس قبل ذلك، وما الذي تَمْثِّلُهُ من خصوصية مقارنة بمكتبات مَوْجُودَة في العاصمة الجزائرية؟
تاريخ التأسيس خَضَعَ لاعتبارات شخصية ومهنية تَطَلَّبَتْ تحضيرًا مُكثفًا، والهدف من تأسيسها تَزْوِيدُ القراء بكتب أدبية نوعية في المقام الأول، إلى جانب كتبٍ أُخرى أعْتَقِدُ أنها تَرْعَى كل الأذواق والحاجات التي تسدُّ طلبات كثير من الناس. وفي إمكانكم التأكد من ذلك من خلال جولة عبر أرجاء المكتبة المُكونة من طابقين. وكما تلاحظون هنالك فضاء خاصًا بكتب الأطفال الذين يَأْتُونَ للقراءة في عين المكان باللغتين الفرنسية والعربية.
(*) من هو مالك المكتبة، وما علاقة مالكها بالكتاب تاريخيًا؟
المكتبة مِلْكُ عائلة حجاج، وهي عائلة مثقفين أبًا عن جد، والكتاب مَا زَالَ حاجة حيوية في حياة أفرادها. عائلة حجاج مَعْرُوفَة في مدينة "المنيعة" الواحة الشهيرة في جنوب الصحراء الجزائرية، وهي عائلة تَقْرَأُ باللغتين، رغم أن الجد كان فرنكفونيًا.
(*) لماذا حي "سيدي يحيى" المعروف بمحلاته التجارية، وبمطاعمه التي يُقَلِّدُ أصحابها مالكي المطاعم الباريسية، كموقع لبناء مكتبة "شجرة الأقوال"، وليس موقعًا غيره؟
سؤال وجيه بالنظر للسمعة التي اتَّخَذَها حي "سيدي يحيى"، وهي السمعة المرادفة للاستهلاك، بوجه عام، وبالأكل الفاخر بوجه خاص. لكن، ولأن العائلة تُؤْمِنُ بالثقافة، لم تَنْهَجْ أسلوب التجار الذين يَسِيطِرُونَ على الحي، وتَحَدَّى أفرادها المصاعب، وغامروا بتشييد مكتبة في محيط عدائي من حيث المبدأ، علمًا أن أي مشروع تجاري يَدِرُّ مالًا أكبر بكثير من الذي تَدِرُّهُ مكتبة، لكن صاحب المكتبة يَعْوِضُ عن ذلك بمطعم فاخر يَمُرُّ زبائنه أمامه حتمًا، والتصميم يُؤَكِّدُ ذلك، ناهيك عن صالون الشاي الفاخر. الهدف يَتَمَثَّلُ في تَرْسِيخِ القيم الثقافية والتاريخية والحضارية الجزائرية أساسًا، وهذا ما يَنْعَكِسُ عبر عناوين الكتب، وما يُجْسِّدُ محلية لا تَتَنَاقَضُ مع العالمية.
(*) بالمناسبة، هل هناك علاقة بين عائلة المكتبة ومحمد ديب، الذي وُلِدَ في مدينة تلمسان التاريخية، والذي جَسَّدَ فعلًا الجزائر في مؤلفاته بوجهيها المحلي الثوري والعالمي الإنساني؟
بالضبط، وإذا سَمَحْتُمْ أؤكد أن ربطكم المكتبة بتلمسان من منطلق ولادة صاحب "شجرة الأقوال" بها تَفْسِيرٌ ضيق للتسمية، وديب جزائري قبل كل شيء.
(*) من أطْلَقَ تسمية "شجرة الأقوال" على المكتبة، وكيف تَبْرِّرُونَ علاقتها بها؟
الكتاب لا يَنْتَمِي لنوع أدبي معين، ويَتَضَمَّنُ شتى أشكال السرد والقضايا، ومنها الهوية، وهذا ما تَلْحُّ وتُؤَكِّدُ عليه المكتبة. الشجرة هي الرمز الذي يُعْبّرُ عن محلية الهوية، والفروع هي الانفتاح على العالم أدبيًا.
(*) لماذا المكتبة فرنكفونية عبر معظم كتبها، علمًا أن الجزائر كَوَّنَتْ جيلًا يَدْرُسُ ويَقْرَأُ باللغة العربية، وأن هناك قراء كثرًا يَقْبَلُونَ على القراءة باللغة الفرنسية في الوقت نفسه. ما تعليقكم؟
شخصيًا، أرى أن هنالك نوعًا من التوازن بين العناوين المكتوبة باللغة الفرنسية، والأخرى المكتوبة باللغة العربية.
(*) لكن الطابع الفرنكفوني يَطْغَى على المكتبة، وهذا واضح بعد أول جولة داخلها، وربما يَعُودُ السبب إلى هوية الزبائن اللغوية؟
هذا صحيح... لكن عندنا أيضًا نسبة من الكتب الصادرة باللغة العربية، وأنت شخصيًا أعْجَبْتَ بالجناح الخاص بالأطفال الذين يَأْتُونَ مع أوليائهم للقراءة باللغتين العربية والفرنسية. التوازن مَوْجُودٌ اعتمادًا على تمثيل متوازن لدور النشر الجزائرية.
(*) كيف تَردُّونَ على الذين يَعْتَقِدُونَ أن توجهكم ليس محايدًا بحكم طغيان اللغة الفرنسية على معظم عناوينها، وهل تبرِّرُونَ ذلك بالهوية اللغوية للزبائن كما أعتقد؟
نحن لا نُمَارِسُ السياسة، والمكتبة جزائرية كما أسْلَفْتُ الذكر. نعم، معظم زبائننا فرنكفونيون، ومن الطبيعي والمنطقي أن نُلبِيَ طلبات الجمهور الطاغي، وسنتكيف مع الوضع الجديد إذا تَغَيَّرَتِ المعطيات.
خلافًا لما يمكن أن يَعْتَقِدَ بعضهم نحن لا نَحْتَقِرُ اللغة العربية، ورغم الطلب الكبير على الكتب الصادرة باللغة الفرنسية نَعْرِضُ للبيع الكتب الصادرة باللغة العربية.
نحن نَتَكَلَّمُ اللغة العربية، وتَرَبَّيْنَا في أحضانها. أصارحك وأصارح قراء منبركم "ضفة ثالثة" بالقول "لو لَبَّيْنَا طلب الزبائن الفرنكفونيين لاضطررنا إلى الاستغناء عن الكتب الصادرة باللغة العربية". نحن قَمْنَا بتكريم اللغة العربية، ونَتَمَاشَى مع التطور، ولا أدل على ذلك من تَرْكِيزُنا في المدة الأخيرة على الكتب الصادرة باللغة الإنكليزية، بعد أن تَأَكَّدْنَا من إقبال القراء المعّربين عليها.
(*) حتى تَصَارَحَنِي أكثر، هل تَعْتَقِدُ أن المقروئية هي أقوى عند الفرنكفونيين مقارنة بالمعّربين، كما يَعْتَقِدُ معظم الفرنكفونيين، ولهذا تُوَاكِبُونَ الطلب؟
بِصَرَاحَة، ليس لدي الأدلة التي تُثْبِتُ ذلك، وبَرَّرْتُ لكم السبب الذي يَتَرْكُنَا نُرَكِّزُ أكثر على الكتاب الصادر باللغة الفرنسية بعيدًا عن كل تحيز أيديولوجي، في غياب دراسات وتحقيقات علمية وصحافية جادة لا يمكن التعميم، والقراء يَخْتَلِفُونَ من منطقة لأخرى، والجزائر العاصمة ليست هي الجزائر العميقة والشاسعة والمترامية الأطراف.


تحميل المقال التالي...