}

هدى حمد: الكتابة تمرينٌ على التلصّص

عماد الدين موسى عماد الدين موسى 22 سبتمبر 2025
حوارات هدى حمد: الكتابة تمرينٌ على التلصّص
هدى حمد

 

تُعدّ الكاتبة والروائية العُمانية هدى حمد من الأصوات السرديّة البارزة في الخليج العربي اليوم. تعمل في الصحافة الثقافيّة منذ سنوات، وتشغل حاليًا منصب مديرة تحرير مجلة "نزوى" الثقافية.
صدرت لضيفتنا، الحاصلة على ليسانس في الأدب العربي من جامعة حلب في سورية، مجموعة من الروايات والمجموعات القصصيّة، من بينها: "نميمة مالحة" (2006)؛ "ليس بالضبط كما أريد" (2009)؛ "الإشارة برتقالية الآن" (2013)؛ "الأشياء ليست في أماكنها" (2009)؛ "التي تعدّ السلالم" (2014)؛ "سندريلات في مسقط" (2016)، و"أسامينا" (2019).
في إصدارها الجديد "سأقتل كل عصافير الدوري"، الصادر أخيرًا عن منشورات تكوين الكويتية، تعود هدى حمد إلى القصة القصيرة بتجربة مختلفة، تكتب من خلالها عن الطفولة، والمرأة، والذاكرة، والعلاقات الإنسانية، بلغة مشحونة بالتفاصيل والدلالات النفسية والاجتماعية. تطرح المجموعة أسئلة حول المرأة في مواجهة التقاليد، وعن البوح كفعلٍ للمقاومة.
في هذا الحوار، نتحدث مع الكاتبة عن تجربتها في كتابة هذه المجموعة، وعن رمزية العصافير، وعلاقتها بالشخصيات، وعن مفهومها للأدب النسوي، ولماذا اختارت أن تكون الحكاية وسيلتها لمواجهة الماضي، لا الهروب منه:



(*) لنبدأ من كتابك القصصي الجديد "سأقتل كل عصافير الدوري"؛ العنوان يدمج بين الرقّة والصرخة. كيف وُلد هذا العنوان؟ وهل شعرتِ يومًا أن الكلمات يمكن أن تصبح سكينًا ناعمة؟

"سأقتلُ كل عصافير الدوري"، متوالية قصصية تنهضُ على شجنٍ طفولي بدائي، تصوراتٌ ساذجة في وقتها، إلا أنّها السذاجة المدفوعة بدفق شعوري جامح تجاه الحياة والأشياء، دفقٌ لا تحده أدلجة مقيتة آنذاك. عندما نكبر نتخذُ موقفًا انفعاليًا من تلك المنطقة المُسيجة في أدمغتنا، وكما يقول رولان بارت: "لا يمكن لأحدنا أن يكتب من دون أن يتخذ موقفًا انفعاليًا، مهما بلغ تجرد الرسالة الظاهر مما يحدثُ في العالم".




كنتُ ألعبُ مع أقراني في مصنع مهجور. نحوّلُ كل ما فيه من نفايات إلى ألعاب بقوّة المُخيّلة: ألعابٌ ودمى وأراجيح. وكانت أمّي تقول: الغروب علامة كافية للعودة إلى البيت.
يُرافق الظلمة سربٌ من طيور الدوري العائدة إلى أعشاشها في الشجر الكثيف آنذاك، والذي يحدقُ بالمصنع. فيُهيأُ لي أنّ الطيور تجلبُ على رهافة أجنحتها الظلمة، فتحجبُ اللعب، وينقبض قلبي بضرورة العودة إلى البيت. منذ ذلك الوقت، ثمّة عِداء ضمني معها. عِداءٌ مع تفاصيل كثيرة مرتبطة بالقرية، ولا أدري ما الذي يحدث لنا عندما نكبر، فكل ذلك التنصل والرغبة الجامحة في الانفصال والانعتاق وقطع حبال السرة يتهاوى، فيُعيدنا السرد إلى أنهار الطفولة المتدفقة فينا: تلك الخصوبة اليانعة، والفوضى اللامحدودة لانثيالات الجسد والروح.

المكان نوستالجيا محمومة

(*) في هذا الكتاب، تتخذ القصة هيئة البوح، والبوح هيئة المحاكمة، والمحاكمة تُصبح اعترافًا علنيًا أمام من كان صامتًا طيلة العمر. هل كان هذا الكتاب وسيلتك الخاصة للتطهر من ماضٍ ما؟ أم لتسليط الضوء على آلام ظلت في الظل طويلًا؟

لا أعرف على وجه الدقة من الذي قال إنّ الأدب يستمدُ قوته من النقائص. في الحقيقة، النقائص تؤثثُ السرد، وتمنحه قوّة؛ لأننا نستطيعُ تقليب القصّة على أكثر من وجه، نستطيعُ دحض التفاصيل بالقوة ذاتها التي نثبتها به. إنّه ليس تطهرًا من ماض ما بالتأكيد، بل هو التلصص ومراقبة الأمور كيف تمضي عن كثب. فحتى عمر المراهقة كنتُ أظن أنّي محبوسة في لقطة سينمائية واسعة، وأنني البطلة الوحيدة التي ينبغي أن تكون حذرة مما يحدث وسيحدث في مجريات حياتها. تلك اللقطة الطويلة التي ينبغي أن أثبت جدارتي وأدائي الجيد فيها، لكوني مُراقَبة. وبقدر ما كنتُ مراقبة من قوى غامضة، كنتُ أنا أيضًا أراقب رؤوس الناس. كان مجرد تصور أنّ في رأس كل واحد منهم حكاية لا أعرفها يثيرُ امتعاضي وشراستي.
يقول الروائي الأميركي فيليب روث: الكاتب لِصّ دائمًا، فهو يسرق الواقع، إنّه متلصِّص ومُستَرِق لِلسَّمَع، إنه شَرِه.

(*) البطلة التي تواجه جلادها عبر الحكي لا تطلب تعاطفًا ولا ترفع صوتها، بل تحاصره بالحكاية. هل ترين أن القصّة قادرة على الثأر؟ وهل هذا الكتاب، في جوهره، انتصار صامت؟

هذا ما اختارته البطلة: الثأر عبر القصّ. فالحكاية التي لا يُصغى لها تعيش منبوذة ومتألمة ووحيدة. وبدلًا من أن تحكي البطلة تحت سلطة سياف شهريار، فهي تحكي تحت سلطة الحكي في حد ذاته، يتدفق نهر عذاباتها حرًا. كانت تدركُ أنّ انحباس القصّة في صدر صاحبها هو عذاب لا محدود، إذ تبقى القصص في مأتم ظلمتها إلى أن تُقرأ.

(*) يتبدّى المكان في نصوصك كعنصر شديد الحيوية: المصنع، البيت، الغرفة، الجدران، حتى التعريشة.. كيف تشكّلين العلاقة بين الجغرافيا والذاكرة؟ وما دلالة أن تكون أغلب الفضاءات هنا مغلقة وممتلئة بعصافير لا تعرف الطيران؟

المكان نوستالجيا محمومة، يُحرّضها جريان الزمن القاسي. فالجريان المتسارع للزمن هو ما يجعلنا راغبين في استعادته وتجميده، لتغدو تلك البُرهة خالدة على نحو ما، وأبدية. كأننا نثبتُ المكان بحبال السرد وأوتاده، نستعيده كأنّه لم يمضِ. نظن أننا في رحلة تتبع الأمكنة سرديًا بأننا ندفعُ الفن لتقليد الحياة، أو لمضاهاتها. ولكن عندما تصبحُ الأمكنة جزءًا من نسيج النصّ، مختلطة بتلويناتنا النفسية الصاخبة، نُدركُ بجلاء ما قاله أوسكار وايلد: "الحياة تقلدُ الفن".

(*) في إحدى القصص، تقول الراوية إنّ العصافير تعلنُ نهاية النهار من دون تفاوض. ما الذي جعل من العصافير ــ هذه الكائنات الرقيقة ــ رمزًا للخذلان والقيود في عالمك السردي؟



العصافير هي علامة رمزية. ظاهرها الرقة والعذوبة، لكن حياتها القصيرة، مواعيد هجرتها وتزاوجها، وبناء أعشاشها في مكيفات بيوتنا، كانت تحمل دلالة أنّ شيئًا ما يمضي ويعبر. توحي حياتها بالتبدّل والقصر في آن. لستُ على يقين من أنّ ذلك هو ما كان يزعجني على وجه الدقة، أقول ربما... وربما أيضًا كنا نريدُ شيئًا بالغ الرهافة كهذا لنلقي عليه اللوم. نريد شيئًا ضئيلًا كهذا غير قادر على الدفاع عن نفسه إلا بالزقزقة. ربما لأنّ أحدًا لن يحتمل ما قد تحتمله في عبورها الخافت. ربما لأنّها غير محسوس بها كفاية. لكنها من مسافتها الآمنة هي الشاهد الوحيد على مجريات القرية وتحولاتها. هي الراصد لـ"نقائص" القصّة.

(*) تعتمدين في هذه المجموعة تقنيّة "المتوالية القصصية"، لا كترفٍ شكلي، بل كحبلٍ سرّي يربط الاعتراف بالآخر. كيف تنظرين إلى هذا الشكل الفني؟ وهل هو محاولة لخلق رواية مُتشظية، أم هو أقرب إلى دفتر اعترافات مفتوح؟

لم أفكر بالأمر كثيرًا. في البداية، كتبتُ هذه القصص على مدى عشر سنوات، وقسّمتُ الكتاب إلى ثلاثة فصول، ينتمي كل منها لزمن كتابته. كابدتني مخاوف كثيرة من نشر هذه المجموعة، فخلال كتابتها توالى صدور ثلاث روايات: "سندريلات مسقط"؛ "أسامينا"، و"لا يذكرون في مجاز". كانت اللغة تتغير، وكذلك انحيازاتي تجاه الألاعيب السردية. ولذا كان مشروع العودة إليها كارثيا بعض الشيء!
لمزيد من الصدق عدتُ لهذه القصص في محاولة مني للتخلص من عوالم "لا يذكرون في مجاز"، التي كانت تلح عليّ بصورة مذهلة بعد دفعها إلى المطبعة، فلم أعرف كيف أنجو من صبغتها وشخصياتها... فكان العلاج كامنٌ في الذهاب إلى غابة القصّ... أخرجتُ كل القصص من مكامنها السرية، بعضها ذهب إلى سلة المهملات، وأغلبها تمّت معالجته بعين يقظة مقارنة بالعين التي كتبت أول مرّة. وكان ثمّة ما يجعلُ عوالمها تتشابك، وأرضيتها تتصلب بمرور الوقت. ولا أدري إن كانت هي مصادفة خلق خارجة عن إرادتنا، لكن "المصادفة إن وُجِدَت فهي بارعة جدًا"، كما يقول فيكتور هوغو.

نسيج من العلامات المُضمرة





(*) هل شعرتِ وأنتِ تكتبين هذه القصص أنك تمنحين صوتًا لكل النساء اللاتي لم تتح لهنّ فرصة الحكي؟ أم أن الكتابة كانت بالأحرى تمرينًا على النجاة الفرديّة؟

أفكرُ دائمًا بالأدب بتلك الطريقة التي تشرحها الروائية ليديا دافيس: "أريدُ أن أقبض على شيءٍ ما خارج نَفسي في قطعة كتابة أصلية"، أو ما تقوله آني إرنو وأحبُّ استعارته دائمًا في أحاديثي: "ليست وظيفة الكتابة طمس جرح، أو علاجه، وإنّما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية شيئًا لا يُنسى". حتى وإن تمّ زج كتبي وأعمالي دائمًا في شكل نقدي واحد يُدعى "النسوية" لمجرد أنّ بطلاتي نساء، فأنا أرغبُ حقًا في كتابة تلك "القطعة الأصيلة" من الأدب، وإعطاء المعنى الحيوي لحياة النساء اللاتي أختبرُ الحياة معهنّ كلّ يوم، أختبر التفاصيل شديدة السرية والإيذاء.

(*) ما بين "فستان الشيفون"، و"ورق جدران بيت زهرة"، تمرّ القصص عبر تفاصيل حميمة، عادية، لكنكِ تحوّلينها إلى رموز ذات دلالة عالية. هل هذه التفاصيل هي فعلًا ما يتشكّل منه المعاناة في حياة المرأة، تلك الأشياء الصغيرة التي لا يراها أحد؟

النصّ هو نسيجٌ من العلامات المُضمرة، وما أحاوله عبر نصوصي ـ بغض النظر عن النجاح في ذلك، أو الإخفاق ـ هو التشبثُ بالتفاصيل شديدة العادية، والتي أراهنُ أنّها في طياتها الأعمق تُضيء مناطق عمياء في كهوف منسيّة من حياتها. أو دعني أقلْ على الأقل: إنّ هذا هو النموذج القرائي المُفضل لديّ. لا تثيرني القضايا التي تفصحُ عن نفسها بجلاء وتوحش، ولكن ما يثيرني حقًا أولئك الكُتاب الذين يحولون اليومي العادي العابر إلى قشعريرة وذهول.

(*) هنالك طيفٌ شِعري في لغتك، كأن القصة عندك لا تكتمل إلا بقدرٍ من الشِعر. كيف توفّقين بين الرغبة في البوح السردي، والحاجة الجماليّة للتكثيف اللغوي والانزياح؟ وهل تكتبين القصة كمن يكتب مرثيةً، أو اعترافًا؟

في الحقيقة، يسعدني لو أنّي أفعل ذلك حقًا. فأنا، بصفتي كاتبة، أحبّ أن أقرأ ذلك الأدب الذي لا "يُشعرن" اللغة عمدًا، ولكن جمله العادية تحدثُ أثرًا مماثلًا لذلك الذي يحدثه الشِعر... فالقصص، شئنا أم أبينا، متاحة في هذه الحياة ومُشاعة. الجميع يملكُ القصص الجيّدة... لكن ما يجعلنا كُتابًا كامن في: كيف نكتبُ القصّة؟ ولذا لا أخفيك القول إنّ اللغة والتراكيب تشغل ذهني كثيرًا.

بطلاتي لا يطلبن تعاطفًا

(*) في هذا الكتاب، تتأرجحين بين الأنوثة الجريحة والتمرّد الراسخ. كيف تصفين علاقتك بمفهوم "الأدب النسوي"؟ وهل ترين أن ما تكتبينه يتجاوز هذا التصنيف، أم ينغرس فيه بوعيٍ تام؟

لا أميل كثيرًا لتصنيف نفسي. لنقل أرفض التصنيف. وأترك للقراء والنقاد أن يتناولوا العمل كيفما يشاؤون. أنا معنية بالكتابة وحسب. لا توجد خطة في هذا الشأن. وإن كانت بطلاتي نساء فهن كما أقول دائمًا أكثر من أعرف وأعي وأختبر في حياتي، كما أنّ حياتهن شديدة الثراء. لا أكتب عنهن من باب "المظلومية"، أريد أن تُضاء جراحهن، وأن تنكشف ندوبهن الغائرة. وبالعادة لا توجد قضايا كبيرة في كتاباتي. إنني أكثر ميلًا للعادي المُهمل في حياتهن. ذلك البعيد عن الرقابة والتلصص. العادي المضلل في آن.  يُعرّف روجر كايو الفانتاستيك بأنّه إدخال للعجيب في اليومي، باعتباره منطقة مُتقلبة ومتحركة، حيث يتواجه الواقعي واللاواقعي ويمتزجان.

(*) كيف كان أثر هذا الكتاب عليكِ ككاتبة؟ وهل شعرتِ أن شيئًا داخلكِ قد تغيّر بعد أن فرغتِ من كتابة القصّة الأخيرة؟

كما ذكرتُ سابقًا، امتد المشروع لعقد من الزمان. كنتُ أتغير، ومخزون اللغة يتغير، لكني كنتُ أريدُ أن أقول شيئًا عن قريتي، عن التحام خفيّ لطالما أردتُ تبديده، محاولة لفهم الحنين، الحنين المُعذب، تمامًا كما أرادت بطلة المتوالية أن تقصّ قصصها على شخص مجهول، أن تشير إلى ندبة صاخبة، وجرح لا يندمل.

(*) وسط طوفان الروايات، هل القصة القصيرة قادرة على ما تودّ قوله اليوم؟ وهل تؤمنين بأن هذا الشكل الأدبي لديه قدرة على النجاة؟

القصة العميقة أكثر ملائمة لعصرنا السريع، لكن الناس تفضلُ الروايات مهما امتدت أجزاؤها، وهذا الأمر مُحيّر للغاية حقًا! القراء ودور النشر والنقاد والجوائز يُغذون هذه النظرة القاصرة بصورة مبالغ فيها!
أميلُ كثيرًا للواقعية النفسية للشخصيات، ولا يمكن كتابة ذلك إلا كقصة، حدّة شعور ما، حول امرأة متروكة، أو مستبدلة، في علاقات مُرتبكة بالجسد والآخر والحقل. القصّة تحتفي بالمكثّف، بمعمارها الذي يُقدم إشارات ولا يفصح، بالإيماء بالحذر... ولا يمكن لهذه الجزيئات بالغة الرقّة أن تُهدر في عمل روائي!

(*) بعد هذه المجموعة، وبعد كل ما كتبتِ من قبل، ما الذي تغيّر في صوتكِ الداخلي؟ هل لا تزال الكتابة نافذة مفتوحة على العالم، أم أنها، في لحظات معينة، تتحوّل إلى جدار؟

على نحو ما، تبدو الكتابة حالة شديدة الرومانسية بالنسبة لي. ما زلتُ "أليس" التي تخوض رحلتها في "بلاد العجائب"، ولذا لا يمكن لهذا العالم أن يتضاءل. يمكن أن نفقد الشغف والمغامرة قليلًا، لكننا سرعان ما نعود مدفوعين بأملٍ ما، وإن لم يحدث ذلك سيتهاوى معنى هذه الحياة. هكذا أسقطُ في حفرة "أليس" اللانهائية، أدور في حلقاتها الفارغة، ثمّ أجد شيئًا جديرًا بالحكي.
أمّا صوتي الداخلي فلا أدري ما الذي تغيّر فيه، ما الذي يُنضجه، أو ينزعُ منه صلابته... لكن تلك الفوضى التي تعتملُ فيه... الصخب الذي لا يهدأ، والخفقان والأسئلة الجامحة... كلها مُحرضات تصقله. فكما يقول غوته: "الكائن الذي لا يتحول مصيره الزوال".

(*) لو استطعتِ اليوم أن تهمسي للطفلة التي كنتِها يومًا، تلك التي كانت تبكي تحت البطانيّة البُنية حين يعلو صوت الأم، ماذا كنتِ ستقولين لها الآن، بعد كل هذه العصافير التي سقطت من السماء؟

تُرعبني إماطة الستار العازل بين الكاتبة والساردة. وكأنّما كل واحدة منهما تغدو الأخرى في بُرهة زمنية مُحددة. كل منهما تغذي الأخرى. واحدة منا تملك القصّة، والأخرى تُعبئ الفراغات بمخيلة جامحة. الطفلة لم تكبر بعد، لا تزال تركض في حقول جدّها، قابضة أول جريدة نشرت فيها قصّة، أو راقصة تحت ظلال مُشبعة بكثافة الأغصان المثمرة، تلك التي تنوء بثقل أحمالها، لا تزال الطفلة تدَّخِرُ اللهو والتأمل. إن أردتُ أن أقول لها شيئَا الآن سأقول: إنّ تصوراتكِ كانت الأكثر عذوبة، وأنّك تقطنين في لوحة، أو لقطة سينمائية حقيقية، وإن كل ما كنتُ أكرهه فيكِ أرغبُ في استعادته الآن بحنين جارف، ولا يُعينني على شلال فيضه عدا الكتابة إليكِ.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.