لعادل ديوانا شعر أيضًا، لم ينشرا بعد؛ كتبهما "تحت النار"، رغم التجويع والاجتياح البري للحيّ الذي يقطنه، ورغم إصابته التي أقعدته طريح الفراش، بعد إجراء عمليتين جراحيتين، عقب إصابته في قدميه جراء مجزرة ارتكبتها قوّات الاحتلال بحقّ مدنيين كانوا ينتظرون المساعدات الغذائية. يومها نَقلت سيارة الإسعاف عادل وهو ينزف، وفي طريقه إلى المستشفى، خرجت من أعماقه صرخة شعرية، سجّلتها عدسات الكاميرات والهواتف المحمولة لتوثّق صرخة الشاعر وهو مضرج بدمائه، ويصرخ قائلًا: "يريدونني بلا لحمٍ... بلا شحمٍ... بلا عظمٍ به أقفُ، بلا كفٍ أمدّده على حجرٍ فأغترف، ومائي فوقه كفٌ، وهذا الفاهُ يرتشف، وصوتي فوقه صوتٌ، وظلّي فوقه ظلّ، وجسدي حوله نار، وخلفي البحر يا ربي، وكلُّ البرِّ مسمومٌ، فأين هناك أنصرف؟".
عن الكتابة "تحت النار"، وعن معنى الشعر وجدوى القصائد في زمن المحو والإبادة الجماعية المستمرّة في قطاع غزّة منذ أكثر من 700 يوم، وعن مشروعه الشعري، وعن الموت الذي لطالما كان قريبًا منه على حدِّ قوله، كان لنا مع عادل الرمادي الحوار التالي:
(*) حدّثنا عن ديوانك الشعري الأخير "ألف طاغية ومدينة"، وماذا يعني لك أن يصدر في ذروة الحرب الإبادية الجماعية المستمرّة والمتصاعدة، التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضدّ قطاع غزّة؟
هذا الديوان يشبه عنوانه، فهو يحاكي الحرب بكلِّ ما فيها من قتل وتجويع وإبادة ومعاناة، وقد كتبته في وقت يصعب فيه الكتابة، فقد كنت مصابًا بكلتا قدميّ، وكنت محاصرًا والدبابات حول بيتي، وفي تلك الفترة كانت هناك مجاعة شديدة أيضًا.
لقد كتبته على أصوات الصواريخ والقذائف والرصاص وأمعائي خاوية، ودقات قلبي متسارعة، اعتدت أن أكتب شعري على نغمات موسيقى هادئة، لكنّ موسيقى هذا الديوان كانت من نوع آخر، مع كلّ دوي انفجار كنت أخطّ بيت شعر إضافيًا للقصيدة، الديوان عبارة عن قصيدة واحدة فقط، كتبتها خلال شهر، كنت أشعر وأنا أكتبه أنّ القلم يحارب كالمدفع؛ هذا يلقي القذيفة والقلم يلقي الكلمات.
كنت على تحدّ مع عدوي وأنا أقول له: إنّ للقلم صوتًا كما للمدفع الذي يحاول إخماده. كنت أكتب عن الجريمة بينما الجريمة تحصل، وأكتب عن المقاومة بينما يحاولون الإجهاز عليها. وبعد أن انسحب العدو من حيّ الزيتون، تواصلت مع إحدى دور النشر لنشره، وقد نشروه بعد اختيارهم له من ضمن عشرين عملًا آخر قابلة للنشر، شعرت حينها بأنّ قلمي مدفع انتصر على المدفع الذي حاولوا قتلي وقتل قلمي به.
(*) كم المسافة التي وقف الموت أمامك فيها عند إصابتك جرّاء إطلاق النار عليك بشكلٍ مباشر وأنت تنتظر مع مجموعة من الناس توزيع المساعدات الغذائية؟
لطالما صافحني الموت لكن لا زلت أعانق الحياة، لطالما كان الموت قريبًا مني، وقد كان أقرب في ذلك اليوم الذي أصبت فيه، كانت المسافة لا تتجاوز الـ 200 متر، شعرت أنّني ذاهب إلى التهلكة، ولكن أليس أن أبيت مجوّعًا كلّ يوم هو تهلكة أيضًا؟ فما أجبرني على التهلكة إلّا تهلكة أخرى، لكن حمدت الله على إصابتي، فرغم العسر الذي به إلّا أنّ هناك يسرًا يلوح بالأفق، لقد أنتجت عملين خلال الإصابة، كانت أقدامي تمشي على الورق بينما هي مكبلة طوال الوقت في السرير.
(*) كيف رأيت الموت بعينيك؟ وما الذي فكرت به أوّل شيء؟ وهل كان بمقدور الشعر تصوير ما حدث لك؟
لقد رأيته بعينيّ حقًّا وليس مجازًا، الموت لطالما كان قريبًا مني، يمسح على روحي بكفه ولا يقبضها قبضًا، لقد نجوت منه حتّى اللحظة ثماني مرّات، كلّ مرّة أقول هذه هي المرّة التي سيقبض كفه على روحي بدون مسح. أذكر يوم قُصف بيتنا وكنّا فيه، اخترقت القذيفة السقف من دون أن تنفجر، وبقيت عالقة في السقف، لو أنّها انفجرت لما كنت أكتب لك الآن هذه الكلمات، كنت أشعر أنّني أنجو في كلّ مرّة لأسباب قدرية، ولعلّ أحد هذه الأسباب هو أنّ الله يكتب لي الحياة لأنّ في قلمي كلمات يريد الله أن يخرجها إلى النور، أخطّها شعرًا فتصل إلى الناس، إنّني أصوّر ما يحدث لي ولشعبي شعرًا، لذلك الشعر بالنسبة لي وسيلة نبيلة لإيصال المعاناة وهو قادر على إيصالها، صحيح أنّني أنزف روحي على الطاولة حين أكتب المعاناة شعرًا، ولكن أنزفها بحبٍّ وشغفٍ لأنّني أشعر بالإخلاص والواجب لفعل ذلك.
(*) كيف تستعيد الآن تلك المقتلة التي تعرّضت لها مع مجموعة من المدنيين وأنتم تنتظرون توزيع المساعدات الغذائية؟ وهل تملك القصائد، برأيك، قوّة الإدانة؟
كلّما تذكرتها، أشعر أنّني عشت يوم القيامة قبل أوانه، تلك الحادثة أصبحت كوشم في ذاكرتي، وكلون الجلد على جسدي، أبشع ما يمكن أن يراه إنسان رأيته بعيني التي تشبعت مجازر. في ذلك اليوم، رأيت بركة دماء، ورأيت رؤوسًا وأيادي وأقدامًا مقطّعة، رأيت أجسادًا تتفحّم أمامي مضرومة بالنار ويسيح جلدها وهي تصرخ بأعلى صوتها، ولهول المشهد صرخت أنا أيضًا، كان لا بدّ أن أصرخ، محاولًا تحويل الصلب المتحجّر بداخلي إلى سائل. وفي سيارة الإسعاف بينما صديقي الصحافي كان يصوّر الجثث التي ليس بداخلها جسد واحد به روح، سلّط صديقي الكاميرا عليّ وحينها قلت كلماتي تلك التي رتّبها القدر. إلى الآن لا أدري كيف خرجت هذه الكلمات! شعرت أنّ القصيدة هي التي ألقتني وليس أنا من ألقيتها، وهي التي كتبتني وليس أنا من كتبتها، ولم أتوقّع أن تنتشر صرختي بهذا الشكل، ربما لأنّها صادقة ومعبّرة ومختزلة لألم شعبي، وبعد أن انتشرت آمنت فوق إيماني بأنّ الشعر هو يد ثالثة أمدُّ بها يد العون للإنسان المظلوم، ولسان ثانٍ أعبّر به عمّا بداخله، وطريق وحيد بالنسبة لي أسيره لأوصل به رسالتي للإنسان، الشعر سلاحي وكلّ سلاح يحرّك مشاعر الناس لنصرتي هو سلاح لا يقلّ عن أيّ سلاح آخر.
(*) لنعد قليلًا إلى الوراء: ما العوامل التي وجّهت بوصلتك روحيًا وإبداعيًا نحو الشعر؟ وما هي المنابع الشخصيّة والعامّة الّتي ولّدت نصوصك الشعرية؟ وبمن تأثّرت في بداياتك؟
في طفولتي كنت أخربش على جدران البيت، كنت أرسم على كلّ جدار أبيض، كانت هناك رغبة داخلية بأنّني أريد التعبير بأيّ وسيلة عمّا بداخلي من مشاعر، وبعد أن كبرت وأصبحت يافعًا أحببت الشعر من خلال قصائد الكتب المدرسية، وأوليت اهتمامًا بحياة الشعراء، فبدأت أقرأ سيرهم الذاتية وأغوص في أشعارهم، كنت أحبّ القراءة بخاصّة قراءة الشعر، إلى أن قرّرت أن أجرب كتابة أوّل قصيدة لي، كانت بعنوان "من يستطيع إنكار وطني"، وبما أنّ أمي كانت تكتب في مجلّة "البيادر" للأسرى، عرضتها عليها فآمنت بكتابتي وشجعتني على مواصلة الكتابة، ومنذ ذلك اليوم وأنا أكتب، وأصبح الشعر يجري في دمي كما تجري الكريات البيضاء والحمراء فيه.
كنت أستمتع بكتابة الشعر، شعرت بروح الفنّ في الكتابة، اخترت طريقي وعزمت أن أكون شاعرًا كأولئك الشعراء الذين تأثّرت بهم كالمتنبي، وأبي تمام، وعبد الرحمن شكري، ونزار قباني، ومحمود درويش، وأحمد بخيت، ومحمد عبد الباري. وأيضًا نيرودا، ولوركا، ورامبو، وبوشكين، وبوكوفسكي، وبودلير، ومحمد إقبال.
لقد اكتشفت أنّني حين أكتب القصيدة لا أكتبها وحدي بل يكتبها الشعراء معي، فأنا نتاج ما أكتبه وأقرأه وليس ما أكتبه فقط.
(*) أنت في بدايات رحلتك مع الشعر، فهل لديك مشروع شعري تطمح إليه وتفكر فيه كهاجس؟
أنا أتعامل مع الشعر كرغيف خبز، وأتعامل معه كشيء مني خلق معي، كلون جلدي ونبرة صوتي ورائحة جسدي، إنّه الطريق والطريقة، وأتنفسه وأقلبه في شهيقي وزفيري.
بصدق أشعر بشيء ناقص في حياتي حين لا أكتب الشعر، إنّه هاجس، أتعامل معه كمهنة لا كهواية وموهبة، وأشعر بالخيانة إذا فارقته، لذلك حياتي عبارة عن مشروع شعري، وأطمح بأن أنسج لنفسي عباءة خاصّة بي.
(*) ما معنى الشعر في خضمّ هذه الإبادة المروّعة؟ وما جدوى القصائد حين يُسفَك الدم؟ وأيّ لغة تسعفنا على وصف الهمجية الإسرائيلية المُتمادية من فلسطين إلى اليمن مرورًا بسورية ولبنان؟
أذكر هنا شطر بيت من قصيدة لنزار قباني عنوانها "من مفكرة عاشق دمشقي":
"ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا"...
على الشاعر أن يكون مقاومًا، وأن ينزل ساحة المعركة ويقاتل ويكون جريئًا في حياته وعلى الورقة. حين أنقل معاناة شعبي شعرًا أكون كالمسعف والطبيب والصحافي والمقاوم الذي يحمي الأرض، لأنّني أجابه عدوي وأعرّف العالم على مجازره، وبالشعر أيضًا أحاول أن أصف للعرب أنّ جرحنا واحد.
ولو لم يكن للشعر تأثير لما قال الرسول ﷺ لحسان بن ثابت: "يا حسَّانُ، اهْجُ المُشركينَ؛ إنَّ رُوحَ القُدُسِ معك".
(*) ونحن نواجه الإبادة الجسدية والتصفية الحضارية في قطاع غزّة، نسألك: لمن يكتب الشاعر في أَتُون هذه الحرب الشرسة؟
أكتبُ للإنسان بشكلٍ عام. قضيتنا قضية إنسانية بحتة. شعري أوجهه إلى كلّ إنسان، ولو كنت إنسانًا خارج غزّة سأرى الغزّي بعين الإنسان الذي في داخلي، وإن لم أتعاطف معه بضميري فحينها سأشك في إنسانيتي.
(*) هل ترى أن الشعر قادر على تجاوز وظيفة التوثيق إلى فعل مقاومة؟
حين تحرّض الكلمة على المقاومة، وعلى حمل السلاح، والتجذّر في أرضنا، وتفضح إرهاب العدو، وتتحدّاه وتصرخ في وجهه، حينها تكون الكلمة مقاومة وهي توثّق ما جرى ويجري في بلادنا. الشعر رصاصة تخترق كيان المحتلّ كما تخترق الرصاصة الجسد. ولو كانت الكلمة لا تشكّل تهديدًا كبيرًا على وجود العدو لما اغتالوا قلم غسان كنفاني والمئات من الكتّاب والصحافيين الفلسطينيين في الوطن والشتات.
(*) إلى أيّ مدى أثّرت هذه الحرب الإبادية الجماعية على تجربتك الشعرية؟ وهل تغيّر قاموسك الشعري بعد قرابة العامين من هذه الحرب الوحشية؟
في الحقيقة لا أنكر أنّني تعبت من كتابة في فصل الخريف، وأريد أن أكتب في فصل الربيع. القتل، الجوع، الدمار، الفقد، المعاناة، كلّ هذه كتابة في فصل الخريف، لقد حرمت حقًّا من الكتابة عن الجمال، الطبيعة، الحبّ، الحياة، الأمل، كلّ هذه كتابة في فصل الربيع. لذلك غيّرت الحرب لوني الكتابي في العامين السابقين، كنت أكتب قصائد في الحبّ والفلسفة والجمال والحياة، الآن لا أكتب إلّا عن الحرب، لكثرة المعاناة التي أشاهدها ولا يمكنني الخلاص منها، أنا مخلص لشعبي في الكتابة عنه، لذلك لا زلت أكتب عن الحرب طالما أعاني ويعاني شعبي منها.
(*) حدّثنا عن طقوسك الشعرية "تحت النار"؟
قبل الحرب كانت لديّ غرفة كبيرة معلّقة على جدرانها صور العديد من الشعراء والفلاسفة والمفكّرين والرسّامين والفنّانين، وكان الهدوء يسود الغرفة، ورائحة القهوة تعجّ فيها. الآن لا يوجد أيّ طقس من طقوس الكتابة "تحت النار"، لا أكتب بمكان هادئ، ولا أكتب بمكان آخذ فيه حرّيتي في الكتابة، حتّى فنجان القهوة الذي يتعكز عقلي عليه لا أجده أحيانًا، وإن وجدته لا يكون ذا مذاق لذيذ.
الكتابة مخاض كمخاض الولادة، ولهذا في هذه الظروف الكثير من الشعراء والكتّاب تخلّوا عن طقوسهم.
(*) كشاعر، كيف ترى غزّة اليوم وهي تُباد؟
جميلة رغم كلّ الدمار الذي طاولها، وفيها حياة رغم كلّ الموت الذي يفوح منها، وفيها أمل رغم كلّ اليأس الذي يعتريها، وقوية رغم كلّ الضعف الذي دبّ في جسدها، وبارزة رغم كلّ محاولات طمسها، ومنيرة رغم كلّ محاولات تعتيمها، ومعروفة ومشهورة وبراقة بقدر ما في المحتلّ من بشاعة، غزّة ستبقى غزّة ولو أهلكوا كلّ حرثها ونسلها وحجارتها.
(*) كيف تتجلّى صورة المقاوم في قصائدك؟
ثابتٌ، راسخٌ، عزيزٌ، شامخٌ، لا يركع، ولديه عزيمة وإصرار وتحدّ حتّى آخر زفرة تخرج من فاهه، وآخر قطرة دم ينزفها، وآخر رمشة عين.
(*) وكيف تنظر إلى شعر المقاومة الآن؟ وهل ما زال الشعر الفلسطيني شعرًا مقاومًا فعلًا؟ وكيف ترى التوازن بين الالتزام وبين الجمالية والفنّية الشعرية؟
لم يندثر، لكن نحاول تجديده بغزارة على الساحة الشعرية، قدر الفلسطيني أن يكون شاعر مقاومة أكثر من أن يكتب عن لون آخر من الشعر، طالما أنّ هناك محتلًّا فمن اللزوم والواجب أن يكون هناك شعر مقاوم، لذلك أنظر له بأنّه شعر أساسي وليس ثانويًا، ولا زالت الأقلام تخطّه بقدر ما تحتاج البلاد إليه. كشاعر أحرص على أن أكتب الشعر بأسلوب فنّي وجمالي ومجازي وموسيقي داخل القصيدة.
(*) كيف تنظر إلى واقع المشهد الشعري في غزّة عمومًا، وهل لاقت دواوينك الحفاوة المرجوة من قبل النقّاد؟
أنظر له بعين الشفقة بسبب أنّ الكثير من الشعراء شغلتهم الحرب، لكنّني كشاعر أتعامل معه كقضية.
أما بالنسبة لأعمالي فقد لاقت الحفاوة والتشجيع من عامة الناس، وأتمنى أن تصل للنقّاد والمتذوقين والأدباء، كما أتمنى أن يصل شعري للناس أكثر؛ أنا بالكاد نشرت أعمالي ولم ألمسها بعد.
(*) ماذا يمكن أن تخبرنا عن نصوصك الجديدة؟
لقد كتبت ديوانين في الفترة الأخيرة، وأودّ نشرهما، ولكن هذه عملية شاقّة ومكلفة. حاليًا أبحث عن دار نشر جيدة لنشر العملين، ولا أرغب بنشرهما وأنا بعيد عنهما، بدون أن يحظى القرّاء بحفل توقيع.
لديّ كتابات أخرى تستحقّ أن ترى النور، لكن لا أرغب بأن أعيش الشعور ذاته، أن يحمل القارئ طفلي قبل أن أحمله أنا، فهذا ما حصل معي في أعمالي الأدبية السابقة، التي نشرتها في القاهرة، وأريد أن أشعر بنتاج ما كتبته، وهذا يكون حين أهدي بنفسي أعمالي إلى القرّاء، وألقي عليهم من شعري وأناقشهم فيه.


تحميل المقال التالي...