تعد الفنانة الفلسطينية ملك مطر (مواليد غزة، 1999) من أبرز الوجوه الشابة في المشهد الثقافي الفلسطيني المعاصر؛ إذ نجحت في تحويل تجربة الحصار والحروب إلى لغة بصرية عالمية، تصدرت أغلفة مجلات وكتب دولية ودور عرض كبرى. بدأت رحلتها مع الرسم قبل أن تتم الخامسة عشرة كأداة للتفريغ النفسي خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة عام 2014، لتصبح اليوم صوتًا مؤثرًا يوثق الهوية الفلسطينية في أكثر من 80 مدينة حول العالم.
درست مطر العلوم السياسية والعلاقات الدولية في تركيا، وواصلت مسيرتها الأكاديمية في لندن، حيث نالت درجة الماجستير في الفنون الجميلة، مدمجةً بين الوعي السياسي والقدرة التعبيرية في رصد قضايا الاستعمار والشعور الإنساني الأشمل.
تتأرجح أعمال ملك بين الوجوه النسائية القوية المفعمة بالألوان، وبين التوثيق أحادي اللون لأهوال حرب الإبادة الأخيرة. كما أنها كاتبة ورسامة للأطفال، حيث أصدرت كتابها الشهير "طائر ستي" (Sitti’s Bird) الذي يروي قصتها مع الفن والحرب.
في هذا الحوار نتعرف إلى ملك، الشابة العشرينية التي تحمل في جعبتها إرثًا من التجارب يفوق عمرها الزمني، ابنة غزة التي صاغت هويتها الفنية والإنسانية تحت الاحتلال الإسرائيلي والحصار والإبادة، لتقدم نموذجًا لنضج استثنائي.
(*) بالعودة إلى بداياتك، ما هي "الشرارة" الأولى التي جعلتكِ تدركين أن موهبتكِ مختلفة عن بقية الأطفال؟ وكيف أثرت العائلة في تشكيل هويتك الفنية؟
كنت منذ طفولتي شديدة الانجذاب لأي صورة أو رسمة، حتى أغلفة الكتب المدرسية كانت تثير فضولي بشكل كبير. نشأت في عائلة تُقدّر الفن، فخالي هو الفنان التشكيلي محمد مسلم، الذي درس في جامعة النجاح في مدينة نابلس، وسافر كثيرًا إلى أوروبا وأميركا، فكان يحضر معه مجلات وكتبًا فنية مكنتني من الاطلاع على الفن الفلسطيني والعالمي. وكذلك خال والدتي، الفنان نمر أبو المعزة، أحد الفنانين الرواد في فلسطين وكان مختصًا بالخط العربي وكتب لافتات الأمم المتحدة يدويًا قبل ظهور آلات الطباعة. بالإضافة إلى ذلك، وبحكم عمل خالي كمحاضر جامعي، كنت أطلع على مشاريع الطلبة ومواد فنية متنوعة أدخلتني إلى هذا العالم. أما انطلاقتي الفعلية في اتخاذ الفن كمسار للتعبير فكانت في سن الرابعة عشرة، خلال حرب 2014، حيث شعرت أن الفن هو لغتي الوحيدة للتعبير عما نراه.
(*) هجّر الاحتلال الإسرائيلي عائلتك خلال نكبة عام 1948 فلجأوا إلى مدينة غزّة، كيف أثر هذا التهجير المتوارث في شخصيتك وفنك؟
هناك غصة وحزن يصيبانك منذ الصغر، تساؤلات حول "هل أنا من هنا أم من هناك؟". حكايات أجدادي عن التهجير وبيوتهم القديمة، عائلة والدي تهجّرت من قرية "الجورة" في عسقلان، وعائلة والدتي تهجّرت من قرية "البطاني الشرقي"، لقد ولدت لدي شعورًا بالقهر وعدم العدالة. بالنسبة لي، رغم أن جزءًا مني لاجئ، إلا أن جزءًا مني يرى غزة خياري وانتمائي، لأنها منحتني الكثير، منحتني صوتًا ودعمًا، فالجميع في عائلتي وخارجها دعموني لأستمر في مشوار الفن، من صحافيين وكتاب وأدباء ونقاد.
(*) من يشكل المرجعية الأولى لك في تقييم إنتاجك الفني قبل نشره؟
مرجعيتي هي والدتي، رنا مسلم، فلديها عين فنية وبصيرة لم أرَ مثلها، وحين تقول إن هنالك خطأ ما أعرف أن اللوحة قد فشلت. والدتي كانت الناقدة الأولى، وخالي أرشدني من خلال النصائح التقنية.
(*) هناك صورة نمطية عن الفنانين بأنهم "متمردون" على الأكاديميا، لكنكِ كنتِ متفوقة، كيف توفقين بين الأمرين؟ ولماذا لم تدرسي الفنون في درجة البكالوريوس؟
كان تفوقي وسيلة لتحقيق غاية، فقد كان هناك وعد بيني وبين أهلي: "إذا حصلت على المركز الأول سأتمكن من السفر". لم أحب الدراسة لأجل الدراسة ذاتها، بل كانت مفتاحي للخروج للعالم والحمد لله تحقق هذا. بعد ذلك، حصلت على منحة في جامعة لم يتوفر فيها تخصص الفنون، فدرست العلوم السياسية. وقد استفدت من هذه التجربة كثيرًا، فعندما تنشأ في منطقة حروب وحصار مثل غزة، قد تعتقد أنك الوحيد الذي يعاني، لكن دراسة السياسة وقضايا الشعوب الأصلية والاستعمار وسّعت مداركي. هذا جعل فني يتجاوز السياسي المباشر ليركز على الشعور الإنساني الأشمل.
(*) ركّزت في بداية مسيرتك الفنية على الشخصيات النسائية، مثل السياسية والرائدة النسوية يسرى البربري والأسيرة أنهار الديك، ما السبب من وراء هذا التوجه؟
نشأت في بيئة يسودها نوع من الفصل بين الجنسين، فدرست في مدارس وكالة الغوث للبنات وكانت أغلب جلساتي نسائية. رأيت نساءً بشخصيات قوية جدًا، بل أقوى من الرجال في أحيان كثيرة، وقراراتهن هي التي كانت تحكم مصير العائلة. هذا الحضور النسائي القوي انعكس على عملي. لكن بعد دراستي للماجستير في الفنون، أصبح تفكيري أشمل، حيث صرت أركز على الشعور الإنساني الصرف بغض النظر عن النوع الاجتماعي. هويتي فلسطينية، ونشأتي والمكان الذي قضيت فيه أغلب حياتي سيظلان دائمًا المسيطرين على أعمالي والقضايا التي أختارها. لكن في الوقت نفسه، من الضروري أن يمتلك الفنان الحرية لاكتشاف أمور أخرى ورؤية الجمال في كل مكان بالعالم. من الجميل أن يكون الإنسان متنوعًا في أفكاره وعمله، والأهم من ذلك كفنانة أسعى للتوسع في تجاربي، لأن كل أعمالي الحالية هي أعمال تجريبية أحاول أن أجد فيها صوتي الذي اختفى خلال حرب الإبادة. في وقت الإبادة، كنتُ أشعر أن دور الفن هو التوثيق فقط، توثيق ما يحدث بكل جوانبه. والآن أحاول العودة لصوتي ومعرفة الرسالة التي أود إيصالها.
(*) هل لاحظتِ مؤخرًا اهتمامًا فلسطينيًا متزايدًا بمجال الفن والرسم كطرق للتعبير تختلف عن الأساليب التقليدية؟ ما هو تأثير الإبادة على هذا المنظور برأيك؟
بالتأكيد، يبدو أنه مع حرب الإبادة صار هناك وعي أكبر بأهمية القطاعات الثقافية المختلفة، لا سيما الفن التشكيلي. لطالما كان هناك تركيز على الأصوات الثقافية الفلسطينية في الحروب السابقة، لكنه تضاعف الآن، خاصة وأن الاحتلال يستهدف هذه القطاعات بشكل مباشر. عملتُ مؤخرًا على مهرجان "معًا من أجل فلسطين" في ويمبلي ببريطانيا، وكانت الفكرة التركيز على الفن في جوهره والتركيز على الرواية الفلسطينية. ما هزّ العالم حقًا هو استهداف الاحتلال للفنانين والأكاديميين والشعراء، فبالنهاية، الثقافة هي ما يشكلنا كمجتمعات.
(*) كيف تقيّمين اهتمام الجمهور الفلسطيني نفسه بأعمالك الفنية؟
ألمس اهتمامًا كبيرًا، خاصة بين طلبة الجامعات، عدّة طلبة من جامعة بير زيت مثلًا اهتموا بتجربتي الفنية كجزء من دراساتهم العليا، أو استخدموا أعمالي كأغلفة للكتب. لطالما كان الفن وسيلة تواصل بين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والشتات، فهو يجمعنا حين تمنعنا الجغرافيا التي فرضها علينا الاحتلال.
(*) أثّرت حرب الإبادة الحالية على أسلوبك الفني، لماذا انتقلتِ من الألوان الزاهية إلى الأبيض والأسود؟
خلال الإبادة، لم أستطع التعامل مع الألوان رغم أنني قمت باقتناء العديد منها. كان الشعور بالذنب والقهر مسيطرًا، فآلاف الشهداء يرتقون، والأماكن التي نحبها ونحلم بإقامة معارض فيها دمرها الاحتلال، مثل مركز رشاد الشوا وقرية الفنون والحرف وبيت الصحافة. كان لدي دافع قوي لتوثيق هذا الدمار في لوحة واحدة بالأبيض والأسود تخلد الزمن وتجمع استهداف الصحافة والفنانين والشعراء. كما أنني شعرت بالوحدة في لندن، فبينما كانت حياتي متوقفة بسبب ما يحدث في بلدي، كانت الحياة حولنا في بريطانيا تسير بشكل طبيعي، وحتى في جامعتي كان هناك تجاهل مقصود للقضية الفلسطينية وقمع للأصوات المناصرة لفلسطين، مما دفعني للمقاومة من خلال فني.
(*) مررتِ بفترة عجز عن الرسم، كيف تجاوزتها؟
في بداية الحرب ولمدة شهرين لم أستطع الرسم على الإطلاق. خرجتُ من غزة قبل الحرب بيوم واحد، وحتى شهر كانون الأول/ ديسمبر 2023 لم أستطع إمساك القلم. كنتُ أحاول رسم رسومات صغيرة لأكسر العجز. أتذكر اتصالًا مع والدي، كنتُ أسمع صوت الطائرات "الزنانة" وقصفًا قريبًا وبعيدًا، سألني: "ماذا ترسمين؟". استغربتُ سؤاله وقلت له: "عن أي رسم تتحدث في ظل هذا الوضع؟". قال لي: "لقد تركت غزة لتوصلي معاناتنا وصوتنا للناس". آمنتُ حينها بجدوى عملي، طالما أن هناك من يرى فيه وسيلة لرفع صوته وسط الإبادة فلا بد من الاستمرار بالإنتاج وهذا ما دفعني لأرسم لوحة "بلا كلمات".
(*) "بلا كلمات" ترصد آلام حرب الإبادة والتجويع، كيف تودين أن يغيّر فنّك نظرة العالم إلى الفلسطينيين في قطاع غزّة؟
قابلت أشخاصًا يقولون إن "الجوع يعلم الصمود"، بالنسبة لي إذا لم يجد الناس ما يأكلونه، فنحن نعيش في أكبر سقطة أخلاقية في التاريخ، فبرأيي، لا ينبغي للناس أن يجوعوا لكي يثبتوا صمودهم. ينظر الناس إلى أهل غزة إما نظرة "ملائكية" أو نظرة "دونية" كضحايا فقط. ما يهمني في فنّي هو الحفاظ على إنسانيتنا، نحن بشر عاديون، فينا الخير والشر، ولسنا مجرد قوالب للصمود الأسطوري. هذا ما أحاول استرجاعه بعد سنوات من القوالب التي قيّدتنا، تلك الانطباعات تزعجني وتحزنني.
(*) ما شعوركِ كشابة في الخامسة والعشرين تتم مقاربة أعمالها لأعمال فنانين كبار؟
أشعر بالامتنان والمسؤولية أيضًا. وفي الحقيقة، المقاربات صحيحة، لأنني حين بدأت الرسم في سن الرابعة عشرة، لم يكن هنالك متحف للفن المعاصر أو أكاديمية فنية في غزة. تعرفتُ على الفن والقصص من خلال هؤلاء الفنانين. كنا ندرس أعمال إسماعيل شموط وتمام الأكحل في المدرسة. ألهمتني قدرتهما على التعبير عن النكبة وعن المشاعر الإنسانية وحب الناس لبعضهم وقطف البرتقال وحصاد الزيتون. كل ما أراه بصريًا يؤثر في عملي، بالإضافة للمجلات والكتب الفنية التي كان يحضرها خالي من أوروبا، حيث سحرتني أعمال بيكاسو وفريدا كاهلو. أقوم بالبناء على ما تعلمته منهم، ولكنني أسعى ليكون لي أسلوبي الخاص.
(*) ذكرتِ أسماء عدة فنانين، فمن تعتبرينه مرجعًا لكِ؟
أدرس بدايات الفنانين وأعمالهم في ثلاثيناتهم وكيف أثرت الحروب في إنتاجهم، كالفنان العراقي ضياء العزاوي الذي تهمني مدرسته وتلهمني جدًا والفنان اللبناني وليد رعد، وهنالك قائمة طويلة من الفنانين الفلسطينيين المعاصرين. كما أتواصل مع الفنان خالد جرادة، أجد في أعماله أحاسيس ومشاعر كبيرة تعبر عن الشباب الفلسطيني الذي نشأ في غزة وسط العزلة والقلق.
(*) فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، استخدمت لوحة من لوحاتكِ لغلاف كتابها الأخير "عندما ينام العالم"، أخبريني عن هذه التجربة؟
لوحة الغلاف اسمها "آخر ليلة في غزة"، رسمتُها عام 2021 عندما عدتُ من غزة إلى إسطنبول بعد أن عشت أيام حرب أيّار/ مايو 2021 في غزة. علاقتي مع ألبانيزي بدأت منذ سنوات، وهي كتبت في كتابها عن كيفية تعارفنا، ففي 10 آذار/ مارس 2010، زارت مدرستي في غزة، وكانت هناك رسمة معلقة على حائط الصف، فاقتربت مني - أتذكر أنها كانت طويلة جدًا ومبتسمة كثيرًا- وقالت لي: "هل يمكنني شراء هذه اللوحة منكِ؟". كنتُ طفلة خجولة جدًا آنذاك وقلتُ لها: "عليّ أن أسأل خالي"، وحتى اللحظة يمازحني أصدقائي حول هذا الموقف.
(*) هل لديكِ طقوس خاصة أثناء الرسم في الاستوديو؟ وهل علاقتك بالمكان مهمة للإنتاج الفني، خاصة وأنكِ تنقلتِ كثيرًا من غزة لإسطنبول ثم لندن؟
المكان يتمثل في الناس الذين يسكنونه، في لندن أشعر بالألفة بوجود الأصدقاء والمعارض والحياة، وهذا مهم جدًا بالنسبة لي. لكن في المقابل، هنالك الحياة التي تفتقر لأبسط الحقوق مثل حرية التنقل، أملك جواز سفر فلسطينيا، والحصول على التأشيرة أو تجديد الإقامة أمر صعب جدًا. أشعر في أحيان كثيرة أن العالم يتعامل مع الجواز الفلسطيني كوصمة، وهذا يؤثر عليّ سلبيًا. لكنني أحاول أن أكون ممتنة للحياة كون أهلي نجوا من الإبادة. لقد عاش أهلي في هذه الحرب لأشهر طويلة، ثم استطاعوا الخروج إلى مصر قبل إغلاق معبر رفح بأيام. خلال دراستي للماجستير، خضتُ معركة قضائية لأتمكن من إحضارهم إلى لندن، استمرت القضية 18 شهرًا حتى حصلوا على تأشيرة مؤقتة.
(*) هل تخططين لاستعادة لوحاتك المتبقية في غزة؟
أشعر أن مكانها الطبيعي هو غزة. رغم أن العيش هناك حاليًا صعب جدًا، إلا أن حلمي دائمًا هو العودة، ولو للزيارة.
(*) بمراجعة هذا المسار الفني الفتي المليء بالتجارب، ما هو حجم الاعتزاز الذي تشعرين به تجاه نفسكِ اليوم؟
أعتز بنفسي بلا شك، عندما أسترجع ما حدث أشكر نفسي لأنني لم أفقد الأمل؛ فقد كان هناك ألف سبب وسبب لكي نستسلم ونموت ببطء. وأشعر بالفخر بشعبي كذلك، بالطلبة والناس الذين قهروا الظروف أكثر مما قهرتهم. فعلى الرغم من ما نمر به من ألم وجراح، ما زال لدينا شغف لنتعلم ونؤلف كتبًا ونرسم، وهذا يعطيني أملًا بأننا سنظل أحياء ولن نموت. أشعر بالفخر بشعبي الذي يولّد مواهب ومتعلمين ومثقفين وأصوات تغيّر العالم.


تحميل المقال التالي...