}

علي السقّا: العالم الديستوبي هو الحصيلة المنطقية للواقع

دارين حوماني دارين حوماني 6 يناير 2026

 

من "حي السريان" (2016) إلى "باب الصخر" (2018) وصولًا إلى روايته الحالية "الصعود إلى النهار" (2025) يتتبّع الروائي والصحافي علي السقّا هزيمة الإنسان. رواياته تنضح بالمفاهيم القاسية التي نتناقلها بوعينا ولاوعينا، القلق، العبودية، الطائفية، التوحش، الاغتراب، العنف، إنتاج الخراب، الطبقية، الفساد، يقوم بأدوارها شخصيات من عالم سفلي يعيشون على الهامش. تقول الراحلة عناية جابر: "يعرض علي السقا بوضوح التفسّخ المتواصل للقيم، الشخصيات وقد حُبست... كما لو في قفص. وعليها أن تجد طريقة للحياة، تناسب الاختفاء التدريجي للقيم العامة".

"الصعود إلى النهار" (دار المطبوعات للتوزيع والنشر) رواية ديستوبية عن بيروت "التي تجبر أهلها على أن يكونوا وحوشًا كاسرة". مدينة يحكمها التواطؤ المتوحش بين رجالات الحرب ورؤوس الأموال على ظهر المعدمين والخائفين؛ هو نفسه التواطؤ الذي سحق بيروت على مدار أكثر من خمسين عامًا ولا يزال متواصلًا، لكنها هي نفسها بيروت علي السقّا التي يتسلل الحب من بين مفاصل صخورها لتنتج الفن والشعر والموسيقى والمسرح كي "لا يتحول أبناؤها إلى أحجار". يقول علي في حوارنا معه: "قد أُلام ككاتب أني مغرق في سوداويتي، لكني أكتب مستشرفًا الخراب الكبير والأخير. لست ممن يخترعون الأمل. الأمل، في حضيض لا خلاص منه، كما هو ظاهر اليوم، سذاجة بحتة. العالم كله يزداد توحشًا وأهله يتسع اغترابهم عن معنى الحياة. الناس يتقاتلون للعيش لا للحياة. علاقاتهم مشوهة. أليس هذا واقعًا ديستوبيًا؟".

وعلي السقّا مسؤول الصفحة الثقافية في موقع قناة الميادين في بيروت. كتب في صحف الأخبار والسفير والمدن لأكثر من عشر سنوات. حاصل على ماجستير في علم الاجتماع السياسي من الجامعة اللبنانية.

عن روايته الأخيرة "الصعود إلى النهار" وأعماله، هنا حوار معه.


(*) عنوان روايتك الأخيرة "الصعود إلى النهار" يوحي بالخلاص، بينما السرد يزداد ظلمة كلما تقدّمنا في القراءة، تقول على لسان حسن في الرواية "الحقيقة مؤلمة دائمًا. كنت أعيش في ظل الليل، كان يحميني من وحوش بيروت، لكن فُرض عليّ وعليكم اليوم أن نصعد إلى النهار لنراهم ونتواجه معهم". هل الصعود هنا فعل مقاومة، أم سخرية سوداء من فكرة الخلاص في واقع مسدود؟

ليس فعل مقاومة، ثم إن شخصيات الرواية أضعف من أن تقاوم. الرواية تتحدث عن أناس يعيشون على هامش الهامش. التمّرد الدون كيشوتي لإحدى الشخصيات الذي حصل قبل الخراب، قادها إلى السجن. أي أن محاولتها الانتفاض على واقعها أفضت إلى خسارة محققة. "الصعود إلى النهار" ليس خلاصًا. إنه رحلة أشخاص أجبروا على الخروج من الظل، حيث يحيون، إلى الضوء. ربما هي حساسيتي الشخصية الزائدة تجاه المتعبين والخائفين الذين يدركون أنهم أعجز من بعوضة في مدينة يدوس فيها القوي الضعيف غير ملتفت إليه حتى للتباهي بقوته. بيروت بيروتان. هكذا أراها. بيروت النهار التي تجبر أهلها على أن يكونوا وحوشًا كاسرة ليتقاتلوا طمعًا برغيف إضافي، وبيروت الليل التي يلجأ إليها الخائفون الذين تتخبط قلوبهم رعبًا بمجرد أن ينكشفوا تحت الشمس. "الصعود إلى النهار" هي اللحظة التي عرّى فيها الضوء سكّان الظل وأجبرهم على أن يكونوا في مواجهة مباشرة مع وحوش النهار.

(*) تنطلق الرواية من أحداث واقعية نقدية، الزوجة التي ترغب بالهجرة، الراتب الذي لا يكفي عشرة أيام في الشهر، حيّ ببنية تحتية بدائية، صاحب مولد الكهرباء، وفجأة يأخذ السرد مسارًا آخر، ندخل في رواية ديستوبية عن مدينة مليئة شوارعها بالجثث والكلاب والذئاب. هل كان هذا التحوّل مقصودًا بوصفه صدمة للقارئ، أم أنك ترى أن الواقع نفسه بلغ حدًّا لم يعد يُحتمل إلا عبر هذا الخيال السوداوي؟

الواقعية التي بدأت فيها الرواية هي التمهيد لما سيكون. أي أن العالم الديستوبي هو الحصيلة المنطقية لهذا الواقع، في خيالي ككاتب، لما كان قبله. الواقع السيء وإن كان مقبولًا لبعضنا، قد يفضي إلى واقع آخر لا قدرة للمرء على تخيّل بشاعته. اللبنانيون يشكون سوء حالهم، هكذا كانوا على الدوام، لكني أظن أنهم لم يتخيلوا يومًا أن حياتهم كانت تمضي لتصبح جحيمًا كما جرى معهم في أعقاب انهيار العملة. قد أُلام ككاتب أني مغرق في سوداويتي، لكني أكتب مستشرفًا الخراب الكبير والأخير. لست ممن يخترعون الأمل. الأمل، في حضيض لا خلاص منه، كما هو ظاهر اليوم، سذاجة بحتة. العالم كله يزداد توحشًا وأهله يتسع اغترابهم عن معنى الحياة. الناس يتقاتلون للعيش لا للحياة. علاقاتهم مشوهة. أليس هذا واقعًا ديستوبيًا؟  



(*) كشفت في الرواية عن فكرة عميقة فكريًا وأخلاقيًا في تناولك لمفهومي الحرية المعاصرة والعبودية، تقول: "في أميركا كانوا يقيّدون العبيد السود ليعملوا، اليوم لم يعد هناك سياط نُضرب بها لنعمل غصبًا عنا، لكننا مع ذلك بقينا عبيدًا. فكوا السلاسل من رقاب العبيد وقالوا إن العبودية انتهت، تركونا نحمل السلاسل ونسلّمهم إياها، ليضعوها حول رقابنا. نحن اليوم نذهب إلى عبوديتنا بإرادتنا"، هل تعتقد أن الإنسان المعاصر أقل وعيًا بعبوديّته؟

على العكس. معظمنا اليوم يعي عبوديته، لكن عبودية العالم المعاصر أشد إجرامًا وتنكيلًا مما كانت عليه في الماضي، لأنها عبودية مختارة. فنحن نسير في طريق العبودية فرحين وطامحين. بدءًا من المدرسة ثم اختيار الاختصاص الجامعي الذي يمهد لنا الطريق لنكون أرقامًا في ماكينة إنتاج السوق العالمي، وصولًا إلى الاحتراق النفسي والقلق الدائم من فقدان الوظيفة. الأمر الذي يتطلب من بعضنا تطوعًا مجانيًا لمهام إضافية قد تكون خارج واجباتهم الوظيفية المباشرة، وكذلك حضور دورات تدريبية تنفخ في أرواحنا القلقة وهمًا بأن حصولنا على شهادات أخرى قد يقلص من احتمالات الاستغناء عنا. في المحصلة، أن نعمل كي لا نموت جوعًا، فهذه عبودية. أن يصبح الوقت، العمر، هو الذي ننفق معظمه في الوظيفة فحسب، فهذه عبودية. أن ينشأ أطفالنا حاملين مضاعفات علاقات عائلية مشوهة ومضطربة، لأن الأب والأم يقاسيان من ضغوط العمل، معظم الوقت، فهذه عبودية. أن نكون فاقدين للقدرة على اختيار شكل وطريقة أخرى مختلفة في العيش والحياة، غير الوظيفة ومتطلبات سوق العمل، فهذه عبودية. أن يصبح عالمنا قرية كونية يسيطر فيها 10 % من السكان على ثلاثة أرباع ثروات العالم، ويرى باقي سكان المعمورة أن هذا أشبه بسنة كونية، فهذه عبودية. في عبوديتنا المختارة اليوم، نعي جيدًا أننا بتنا نضع ربطات العنق بدلًا من السلاسل، ونحمل الحواسيب بدلًا من المعاول. 

(*) في الحديث بين السائق وحسن في مطلع الرواية يقول له: "الناس إذا جاعوا أكلوا بعضهم. أنظر إليهم في زحمة السير كل صباح"، وهي مشهدية نلمسها حقًا في بيروت. ولكن في ما بعد، نصل إلى الأم التي تأكل طفلها لتحميه من وحوش بيروت. هل أردت بهذه الصورة القصوى أن تقول إن العنف لم يعد خارجيًا فقط، بل أصبح متجذرًا داخل الإنسان نفسه، حتى في أكثر العلاقات قداسة؟

بيروت التي أحبها، صارت منذ سنوات قليلة ماضية، مدينة شديدة العنف. حتى في خضّم حرب أهلية طاحنة، كان مصدر الخطر والموت معروفًا ويمكن اتقاءه قدر الإمكان. ولذلك بيروت لم تكن بهذا القدر من العنف قبلًا. ربما هي حال المدن التي تسير نحو السقوط أو التي تختبر أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة. غالبًا ما توصف الضواحي بأنها أكثر الأماكن المتصلة بالمدينة اضطرابًا، فتكون هي مصدر العنف و"الشرور" والاحتجاج الذي يخرج في وجه المدينة. لكن بيروت، برأيي، صارت كلها، كأنها مجموعة من الضواحي المتجاورة. إذ يمكن للحظات من العنف اللفظي أن تتحول إلى مشهد قتل سواء بمسدس أو سكين.

بيروت الجحيمية في "الصعود إلى النهار"، هي نفسها التي ينازلها سكانها بالشتائم يوميًا كي لا يموتوا قهرًا وكبتًا. فالعنف فيها ينسكب من الرأس ويهبط إلى كامل جسم المدينة. عنف سياسي واجتماعي واقتصادي وعائلي. حلقة مغلقة من العنف المتبادل يُسحق فيها الضعفاء. وعليه فإن مشهد الأم التي قررت أكل رضيعها، لم يكن تعبيرًا عن دافع غريزي بفعل الجوع، بقدر ما أردته مرآة لأولئك الذين لا يملكون القوة على ردّ العنف ويجدون في الاختفاء، أو تمنّيه، حلًا. الأم تدرك أنها ستموت بفعل المجاعة، وكل ما استطاعت فعله لتحمي رضيعها من جحيم بيروت هو أن تبتلعه، أن تسترده، قبل أن يتبخرا سويًا.




(*) تتحدث في الرواية عن المسؤولين السياسيين والزعماء والقضاة والمصارف الذين يفتعلون المعارك بين الناس، ودمروا حياة الملايين، وكدسوا النفايات النووية وقبض "رئيس المجلس المحلي" في المدينة الحلم المسماة "دريمز اند بيوند" مالًا لتبقى هذه النفايات. ثم تصفهم بالطيارين الذين يلقون القنابل من ارتفاعات شاهقة حتى لا يروا الدمار ولا يسمعوا صراخ الأطفال. هل أردت القول إن أخطر أشكال العنف اليوم هو ذلك الذي يُمارَس من مسافة آمنة، حيث تُمحى المسؤولية الأخلاقية لأن الفاعل يستخف بالضحايا، ويعمل على إعادة إنتاج الخراب بلا محاسبة؟

المسافة الآمنة وظيفتها الهروب من مواجهة مسؤوليتهم الأخلاقية. الفاعل مدرك لفظاعة ما يرتكبه، لكن بعده عن التماس المباشر مع الضحايا، يخفف من وطأة الشعور بالذنب. الأمر يشبه قناصًا يقتل من مسافات بعيدة. أما الجندي العادي فقد يموت من نشاط ذاكرته التي رأت الدماء والعيون المفتوحة رعبًا قبل القتل. لا يمكن لأي ممن أوصلوا البلاد إلى هذا الخراب أن يكونوا في مواجهة مباشرة مع الناس، لأن المواجهة مع الضحية يمكن أن تهدم مكانتهم في لحظة، أو ربما توقظ عند بعضهم صوت الحق، أو الضمير، وهذا يقتل. إنهم جبناء، ولذلك نراهم محاطين دائمًا بمجموعة من المنافقين.

(*) بيروت في الرواية هي جهنم، وغابة، وملعونة تجهّز أبناءها للهجرة، وبؤرة من القذارة تدفع فقراءها للسعي وراء المال، و"بيروت صارت سرابًا" و"لأنك في بيروت لم تعد سوى فريسة". هل تتحدث عن مدينة انهارت، أم عن مكان أُعيد تشكيله بحيث لم يعد يترك لأبنائه سوى خيارَي الافتراس أو الهجرة؟

نعم. إنها مدينة في طريقها إلى منهارة، وهي تحمل في جوفها بذور خرابها، ولو بعد كل انبعاث من الرماد كطائر الفينيق، كما يحب بعض اللبنانيين القول بتباهٍ ساذج. ذلك أن المنطق نفسه الذي يقود إلى الخراب في كل مرة، يبقى حيًا، ويعيد نفسه. لا يوجد بلد في العالم يتباهى بالهجرة ومهاجريه كفكرة تضاف إلى "مميزاته"، كما في لبنان. حتى أن هناك تمثالًا في بيروت لما يقال إنه لأول مهاجر لبناني! نفخر بـ"إنجازاتنا" فيما نتعامى، عن جهل أو قصد، عن الأسباب التي تجبرنا على الخروج من البلاد، كأن فعل الإنسلاخ الجسدي عن بلادنا هو جزء من هويتنا! هذا ينسحب على كل شيء. أحلامنا وطموحاتنا غالبًا ما نتخيلها خارج البلاد. نظامنا التعليمي وأهمها الجامعات تقدم خدماتها الأكاديمية بما يسمح لطلابها الحصول على تأشيرة عمل سهلة في الخارج. أي أننا نكبر لنرحل من بيروت (وهي هنا مرآة للبنان ككل)، لا لنبقى فيها. أما من قرر البقاء، طوعًا وقسرًا، فعليه تحمّل الكثير من المتاعب.



(*) على الرغم من كل العتمة في الرواية، هناك خيوط من علاقات الحب التي تمنح أصحابها الأمان، حب حسن لابنيه، حب سليمان لأمه ولفارس، الصداقة التي جمعت أبطال الرواية... ما الدور الذي أردتَ لهذه العلاقات أن تؤدّيه داخل عالم ينهار؟ هل هي بقايا إنسانية تقاوم الخراب؟  

لا يمكن للحب أن يفنى فالعالم وليد حبّ. هكذا أراه. إنه يسير وفق نظام دقيق من التفاعل والتناغم بين مكوناته. الحروب والشرّ محطات يختل فيها هذا التوازن. هناك بذرة سماوية أنبتها الله في قلوب الناس على اختلاف ألوانهم. بعضنا قرر دفنها وبعضنا الآخر ما زال يسقيها بما تبقى له من ماء كلما شعر بقسوة هذا العالم. وبيروت كمعظم المدن، يعيش فيها صنفان، واحد غلبته المدينة فصار حجرًا، وآخر يصمت لوقت ثم يتكلم شعرًا وأدبًا وموسيقى ومسرح ورسم، كي لا يتحول بدوره إلى حجر. وهكذا كان، أن نقاوم مآسينا بالكثير من الحب والاحتضان بدلًا من انتظار وصفات الخلاص والنصائح الجاهزة المنتشرة بكثرة اليوم على مواقع التواصل، في ظل الفراغ والضياع الذي نعيشه، كأننا بتنا فاقدين لبوصلتا الداخلية التي تحدد لنا من نحن ومن نكون ولماذا نحيا. أحيانًا، في لحظة غضب جنونية أو حزن شديد، لا يحتاج أحدهم إلى النصيحة بقدر حاجته إلى العناق.

(*) "الثورات تأكل أبناءها ولا يقطف ثمارها إلا من دخلوها طامعين"، هل تعبّر جملتك عن خيبة تاريخية من مسارات التغيير في بيروت، أم عن نقد جذري لفكرة الثورة حين تنفصل عن العدالة والمعنى؟

هذه حال أغلب الثورات عبر التاريخ. هناك من يقدمون التضحيات، بدافع من إيمانهم بما يثورون ويقاتلون من أجله، لكن الذين يصلون ويحكمون في النهاية، هم الثعالب الذي يدركون جيدًا كيف تُستغل اللحظة. في بيروت، عاش معظمنا خيبة من التحركات الشعبية عامي 2015 و2019. الناس كان لديها، وما زالت، كل الدوافع لتعبر عن مطالبها في الشارع، وفي هاتين المحطتين، كان "قادة" الحراك منفصلين عن الناس. لا يمثلونهم. متسلقون. وتبين لاحقًا أن جزءًا منهم مدعومون من سفارات أجنبية. كما أن اللبنانيين يعيشون أزمة ثقة دائمة. حتى في الوقت الذي يتوحدون فيه كخاسرين، ينفرط جمعهم بمجرد أن يقرروا التحرك نحو هدف واحد.

(*) تقول "نحن أموات من دون قصص، ولذلك سأحكي قصتي لأظل حيًا"، كأن بيروت هي التي تردّد هذه الجملة، هل تؤكد بذلك على مسؤولية العمل الأدبي في أرشفة الواقع... أو كما يرى ألبير كامو بأن مهمّة الكاتب ليست الوقوف مع من يصنعون التاريخ، بل مع من يتألّمون منه؟

أنا منحاز للمعذبين والفقراء. لا يعنيني الكتابة عن الأثرياء وحياتهم لأني لا أعرفها حقًا، ولم أعشها، ولا تهمني. ولدت في واحد من أحياء بيروت الشعبية، وأحن إليه، وإلى حياتي فيه. أهله ليسوا من الصنف الذي يصنع التاريخ. فالتاريخ بالنسبة لهم هو ما يقال لهم من على المنابر... إنهم امتداد له عبر الزمن. أي تاريخهم الديني أو الطائفي. أما غير ذلك فإنهم يسعون إلى ما يحلم به باقي الناس. الحياة الكريمة. تتفاوت درجات الرغبة بينهم. بين من يحلم بتملك بيت صغير وعمل مستقر، وبين من يريد حياة تشبه حياة من يعيشون على مقربة منه ببضع مئات من الأمتار. هناك حيث يتبدل الهواء والأضواء والأبنية والطرقات وشكل الأكل والشراب. وهذا بتقديري هو ما يجعل ردود أفعالهم عنيفة، كونهم لا يمتلكون أدوات تعبير أخرى.

سرد قصص هؤلاء، وإن لم تستند إلى وقائع حيّة وحوارات حقيقية، واجب عليّ تجاه ذاكرتي وأصلي وفصلي. فهؤلاء الناس في بيروت هم الذين يدفعون ثمن انهيار المدينة، وربما تحولها لاحقًا إلى جحيم فعلي. نموذج المدينة الحلم أو "دريمز أند بيوند" في الرواية، ليس لهم. إنهم خارجها، وهم اليوم وغدًا، حطب بيروت. فهل أتحدث عن أولئك الذي يعيشون في المدن المسورة أو عمّن تلتهم نيران الظلم أرواحهم؟ أنا منحاز لمن هم في الأسفل وفي الظل.

(*) نشرت ثلاث روايات هي على التوالي: "حي السريان" و"باب الصخر" و"الصعود إلى النهار". الروايتان الأولى والأخيرة كان محورهما مدينة بيروت. لماذا يكتب الروائي عن المدينة تحديدًا، هل نحن أمام محاولة لاستعادة المدينة عبر اللغة؟ أم على حدّ قول جان جينيه "حين تُدمَّر مدينة، لا يبقى منها إلا ما يُكتب عنها"؟

في "حيّ السريان" وتحديدًا في المشهد الأخير، كنت أستشرف مسار ضياع المدينة وتبخرها. أما في "الصعود إلى النهار" فالأمر أقرب إلى إعلان النهاية. نعم. إنها استعادة لأهم ما يضيع منا. ذاكرتنا. ذاكرة المكان والناس. نحن جزء من هوية المدينة. احتراقها وذوبانها يعني اختفاءنا نحن أيضًا.  

(*)  بحكم تسلّمك مسؤولية القسم الثقافي في موقع الميادين، هل تعتقد أن النقد الأدبي والفني زال كفعل مساءلة، لصالح قراءة سريعة تستهلك العمل بدل أن تحاوره، وبالتالي أصبح مجرّد تلخيص أنيق للنصوص وتحوّل إلى فعل ترويجي سريع تفرضه إيقاعات الإعلام والمنصّات؟ وأين تقف مسؤولية المؤسسة الثقافية نفسها في إنتاج هذا الشكل من التلقي؟

لست ناقدًا أدبيًا أو فنيًا. في المحصلة أنا مجرد كاتب وصحافي، وما زلت أشق طريقي في هذا العالم الضخم والمتنوع التجارب والدوافع. لكن وفق تجربتي، أرى أن الإعلام الإلكتروني، وتحديدًا مواقع التواصل ومقاطع الفيديو السريعة، باتت تشكل عبئًا على النص نفسه. إذ يجب أن يحاكي سرعة "الريلز". مختصر وسريع ومباشر، ولذلك بات بعضنا أمام مشكلة قراءة أي نص طويل. علمًا أن الشفاء في البطء. كلما كانت الحياة سريعة، كان علينا أن نكون بطيئين. لا أظن أننا خلقنا لنجاري هذا الكمّ من السرعة في كل شيء. لأن ثمنه احتراقنا السريع أيضًا. في البطء والتروي إمكانية لتأمل الأشياء من حولنا والتفكير فيها وفينا.

ثم إن أي مؤسسة هي جزء من جسم إعلامي عالمي لا يمكن لها أن تكون خارجه. لا يمكن لها أن تكون خارج السرب. هذا يطرح تحديات، والإنجاز يكون في الحفاظ على رسالتك مع الاستفادة من عالم التكنولوجيا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.