}

ناصر رباح: الترجمة مهمة كقوة مقاومة ناعمة

أوس يعقوب أوس يعقوب 19 فبراير 2026
حوارات ناصر رباح: الترجمة مهمة كقوة مقاومة ناعمة
ناصر رباح

 

 

اختارت صحيفة "نيويورك تايمز" الكتاب الشعري "غزّة: قالت القصيدة كلمتها" (Gaza: The Poem Said Its Piece)، للشاعر والروائي الغزّي ناصر رباح (مواليد غزّة عام 1963)، ضمن قائمة أفضل الكتب المترجمة لعام 2025، بعدما سبق أن اختارته مجلّة (Booklist) ضمن أبرز الأعمال المترجمة، وفق تقييم هيئة تحريرها. صدر الكتاب (192 صفحة)، خلال العام الثاني لحرب الإبادة الجماعية المتواصلة ضدّ قطاع غزة، عن دار النشر الأميركية المرموقة "سيتي لايتس بوكس" (City Lights)، وتصدّر قوائم المبيعات لفترة طويلة، وحظي باهتمام واسع في الأوساط الأدبية والنقدية الفلسطينية والعربية والعالمية.

وحديثًا، صدر لرباح، في طبعة ثانية، ديوان شعري بعنوان "الحرب التي لا تنتهي"، عن دار "أرفلون للنشر" بالقاهرة، وكانت الطبعة الأولى منه صدرت العام المنصرم، عن وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله.

رباح، ابن مخيّم المغازي بغزّة، صاحب الكلمة الموقف؛ الشاهد الناجي في زمن المجازر اليومية، والذي يُعَدّ صاحب أنضج التجارب الشعرية في غزّة، بحسب النقّاد، كتب الشعر متنقّلًا بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. من أعماله الشعرية المطبوعة: "مَرثِيّة لطائر الحِنَّاء" 2021، و"ماءٌ عطش لماء" 2017، و"عابرون بثياب خفيفة" 2013، و"واحدٌ من لا أحد" 2010، و"الركض خلف غزال ميت" 2003.

ترجمت له خمسة كتب شعرية إلى الإنكليزية والإسبانية في أميركا وإسبانيا والمكسيك. ونشرت أعماله في مجلّات أميركية هامّة مثل "نيويوركر"، و"باريس ريفيو"، وغيرهما.

أمّا في الرواية، فله: "سياج الغزالة" 2024، و"منذ ساعة تقريبًا" 2018.

في هذا الحوار مع ناصر رباح نتحدث عن تفاصيل كتابه الشعري "غزّة: قالت القصيدة كلمتها"، وديوانه الأخير "الحرب التي لا تنتهي". كما نتناول تجربته الإبداعية في سياقها الفلسطيني والعربي والعالمي، وقسوة الظروف الإنسانية والتعايش مع الخطر والقلق والموت، وتجربة الكتابة تحت نيران العدوان على غزّة؛ كفعل مقاومة وطوق نجاة، وأخيرًا نتناول الترجمة ودور اللغة في المقاومة في زمن محو المكان وإلغاء الآخر وإبادة السكّان الأصليين.

***

(*) أستهلّ حواري معك بسؤالك عن كتابك الشعري "غزّة: قالت القصيدة كلمتها" (Gaza: The Poem Said Its Piece). حدّثنا عن تفاصيل إنجازه ومحتواه، ونشره في الولايات المتّحدة والصدى الذي خلّفه عالميًا؟

جاء هذا الكتاب بعد محاولات خجولة للترجمة عبر نشر قصيدة مترجمة هنا أو هناك، حتّى تعرّفت على "مجموعة بروكلين للترجمة"، التي سبق لها أن نشرت ديوان شعر لصديقي الشاعر مصعب أبو توهة، ابن غزّة، الذي قدّمني لهم، وبعد قراءة بعض كتاباتي طلبوا منّي أن نبدأ في تجهيز مجموعة مُنتقاة من مجمل أعمالي المنشورة. وهكذا بدأنا العمل لإنجاز طبعة باللغتين العربية والإنكليزية، وخلال ذلك بدأت أحداث الحرب، وبدأتُ في كتابة قصائد عنها، وهكذا تمّت إضافة النصوص الجديدة غير المنشورة إلى القصائد المترجمة. وكم كان العمل مرهقًا، ودقيقًا معهم للوصول إلى أدقّ التفاصيل والمعاني ونقلها بصياغة شعرية إنكليزية؛ تمّت مراجعة المتن العربي والإنكليزي أكثر من سبع مرّات، وكنت قد ضجرت من مدى تلك الدقّة والاهتمام والذي رأيته مبالغًا فيه. عمل على الكتاب، الكاتب والباحث عمييل ألكالاي (Ammiel Alcalay)، دكتور اللغة الإنكليزية، ومعه التونسية آمنة زغل، واللبناني خالد الحلي، وهما مقيمان في نيويورك. وقبل نشر الكتاب تمّ الترويج له بنشر قصائد مترجمة في مجلّات أميركية هامّة مثل "نيويوركر"، و"باريس ريفيو"، وغيرهما.

العمل الدقيق والمضني لـ "مجموعة بروكلين" كان له الأثر الذي أضاف لمحتوى الكتاب ليظهر بهذا الاتقان، ويتصدّر قوائم أفضل الكتب الشعرية لعام 2025 في أميركا. بالنسبة للمحتوى فهو في غالبه يهتمّ بوصف التحوّلات النفسية الذاتية والجمعية لشخوص المكان في ظلّ الدراما اليومية العنيفة التي يعيشونها، وبالطبع قُرأ الكتاب في بلاد عديدة خارج الولايات المتّحدة، وأعتقد أنّه قد ساهم ولو بشكلٍ ما في إظهار الصوت الغزّي على الساحة الأدبية العالمية.


(*) نُشرَت لك، إلى جانب هذا الكتاب، عدّة دواوين بالإنكليزية والفرنسية والإسبانية، فما الذي يمكن أن تضيفه الترجمة إلى نصوصك؟ ومن قبل، ما دور اللغة في المقاومة؟ وما هو دور الترجمة بالنسبة إلى أدب مرتبط بقضية مصيرية مثل القضية الفلسطينية، لا سيّما في زمن محو المكان وإلغاء الآخر وإبادة السكّان الأصليين؟

بالطبع تكمن أهمّيّة الترجمة في ترسيخ الوجود الفلسطيني في الضمير العالمي، حيث يراهن الاحتلال على تذويب القضية وتهميش أصحابها، والنظر إليهم ككائنات حيّة دون مستوى البشر، ولذلك من المهمّ إظهار كلّ الطاقات الفلسطينية المتميّزة في كلّ المجالات الأدبية والعلمية. ويجب استغلال موجة التعاطف الحالية بين شعوب العالم، لا سيّما البلدان المؤثّرة كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا لترويج الأعمال الأدبية، وإظهار روح المقاومة والصمود الأسطوري لشعب فلسطين.

إنّ نشر كتاب واحد مترجم لنا يساهم في استقطاب الآلاف من الجيل الشاب في أوروبا، والذي سيغيّر من النظرة السابقة والمثالية للكيان الصهيوني ويفسد دعايته، آن الأوان لسحب قناع الدموع من على وجه المحتلّ، ولا بأس من ارتدائه على وجوهنا.

(*) هل يراودك كشاعر وروائي فلسطيني يعيش في غزّة المنكوبة المحاصرة، قلق العالمية؟ وكيف ترى تجربتك الإبداعية في سياقها الفلسطيني والعربي والعالمي؟

قبل الحرب وطوال حياتي الأدبية لم يكن يساورني قلق الشهرة أصلًا، كتبت دومًا لمتعتي الشخصية، حافظت على تجويد ما أكتب والتزمت بتطوير أدواتي، وأخلصت للشعر، ولم أهمل حياتي العملية أو العائلية، كلّ ما حرصت عليه هو باختصار أن أصنع لكتاباتي رائحة خاصّة بي ولا أكون ظلًا لغيري، ربّما كنت ولمدّة طويلة معروفًا في غزّة فقط داخل الوسط الأدبي، ومع ذلك كنت أندهش حين يتمّ تسويق اسمي كشاعر أو روائي خارج فلسطين، هذا يسعدني جدًا لكنّه لا يمثّل لي طموحًا أو غاية. حتّى عندما كتبت الصحافة الأجنبية مؤخّرًا عن مقاربة أعمالي مع آنا آخماتوفا أو بابلو نيرودا لم يمثل ذلك لي احتفالًا؛ حيث لديّ قناعة مختلفة أنّ الشعر هو بيت العرب، وأنّ اللغة العربية هي سيدة اللغات، لذا فالترجمة من العربية يفترض أن تكون إهدارًا لجمالياتها، ولكنّها مع ذلك مهمّة فقط كقوّة مقاومة ناعمة في تأثيرها العالمي لقضيتنا.

أفضّل أن أكون الرجل الأول في قريتي على أن أكون الرجل الثاني في روما.

(*) ماذا تخبرنا عن ديوانك الشعري "الحرب التي لا تنتهي"، الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله، العام الماضي، والذي صدر حديثًا في طبعة ثانية عن دار "أرفلون للنشر" بالقاهرة؟

عايشت في غزّة كلّ الاعتداءات الإسرائيلية عليها، قُصف بيتي مرّتين، ونزحت مرّتين، وعايشت الحصار كاملًا، وكنت أكتب نصوصًا عن كلّ تجربة وخصوصًا أثناء الحرب الأخيرة، وفيه جمعت كل ما كتبته عن ما رأيته وخبِرتُه في أكثر من 35 قصيدة، وهو لا يهتم باللغة وتركيباتها وصورها كأولوية، حيث الاهتمام بالتوثيق لمشاهد خاصّة لا تلتقطها الكاميرا وانتباه الروح المعذبة لأوجاع الآخرين من حولي، ديوان مؤلم نفسيًا للقارئ عابر السبيل، ولا يشكّل متعة متعجّلة، لكنّه يترك أثرًا عميقًا لدى القرّاء الذين يبحثون عن التجارب الإنسانية، وتفاعلها مع الخطر والقلق والموت، وردود الفعل تجاه امتحان الحياة الأصعب، وهو أن تكون إنسانًا وتظلّ إنسانًا وسط الحرب.

(*) كيف وجدت الوقت لكتابة الشعر والرواية والقصّة واليوميات والمقالة خلال الحرب وبين الأنقاض؟

لست جنديًا ولكنّي وجدتني في الحرب. كان هذا تعبيرًا حقيقيًا لحالتنا جميعًا، كانت الأعباء اليومية لكلّ منّا تستهلك طاقتنا وأكثر، البحث طوال اليوم عن المياه والحطب والطعام والدواء، واشعال النّار للطهي، وتأمين مكان آمن للأسرة تحت أصوات القصف والانفجارات، في بيت متهدّم وأثاث مخترق ومكتبة مختلطة بالركام، واللهاث طوال اليوم لتوفير مصدر للإضاءة وشحن المحمول، لا كهرباء ولا أجهزة كمبيوتر فقط لديّ تطبيق المذكرة على هاتفي المحمول. وفي آخر النهار قبل النوم أكتب كلّ ما في قلبي وعقلي فقط لأشعر أنّي إنسان ولست ماكينة عضلية تعمل طوال النهار، أكتب ليظلّ هذا الشاعر حيًّا بداخلي، وينقذ ذاته المحترقة من الانهيار. بهذا الدوام اليومي على هذه الممارسة أنجزت دون وعي ودون قصد قصائد كثيرة، ومقالات صحافية متعدّدة، وقصص قصيرة، ومتابعة ترجمات لخمسة كتب بلغات مختلفة. رعب الحرب يسبب تدفق الأدرنالين بشكلٍ يجعل لغة الكتابة أقرب، والصور تكون في متناول اليد.


(*) أترى الكتابة تحت نيران العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، هي فعلًا فعلُ مقاومة؟ وهل ساهَمت في أن تكون لناصر رباح طوق نجاة في مواجهة هذا الخراب العميم؟

في الحرب ترتبك الحياة، فلا استقرار للتأمّل ولا وقت للكتابة، ولا جمهور للاستماع. فقط هناك كتابة توثيقية تأريخية تلتقط المشاهد اليومية الكارثية والمجنونة من الإفلات وتقييدها بسطور اللغة. وهنا نسأل عمّن لديه القدرة على التماسك أمام الدم والأشلاء والحطام لممارسة عمل الصياد النزق في تقييد فرائسه، إذا كان هو نفسه الفريسة الممزّقة لحمًا وروحًا!

إلّا أنّ الكتابة هنا وبالتحديد في حرب كهذه تصبح على الأقلّ واجبًا وظيفيًا يجب بل ولا بدّ من إنجازه تمامًا مثل الصلاة على الشهيد، ووداع الأصدقاء، ومراوغة الموت، واللهاث بقوّة الحياة لرفع حجر الصمود إلى قمة جبل المأساة.

تصبح واجبًا لطمأنة الناس على رصيدهم الوطني والأخلاقي. واجبًا لإمداد الثكالى بالأمل أنّنا باقون وحاملو الرايات. واجبًا كي لا يرى الأعداء موتنا فينتشون. واجبًا وديونًا مستحقّة علينا تجاه الشهداء والأطفال اليتامى. واجبًا لإنقاذ الشاعر من نفسه ونجاته من العدم.

(*) قُتل الشاعر رفعت العرعير وعائلته، في السادس من ديسمبر/ كانون الأوّل 2023، وبعد يوم واحد من استشهاده قُتل الشاعر سليم النفار وعائلته أيضًا، وكان جميع شعراء وكتّاب غزّة على مسافة واحدة من الموت، يشعرون باقترابه وبأنّ ما بقي من الحياة هو فترة انتظار أخيرة. سؤالي للشاعر الشاهد الناجي في آنٍ معًا؛ ما معنى الشعر في أتون حرب الإبادة والمواجهة المفتوحة مع الموت قصفًا برًّا وجوًّا أو تجويعًا وبردًا؟ وما جدوى القصائد حين يُسفَك الدم؟

لا يفكر الشاعر في جدوى ما يكتبه لا في الحرب ولا في غيرها، هو ببساطة يفعل ما يجيده. شجرة السرو لا تجيب عن سؤال كهذا وهي تجاور شجرة برتقال مثلًا حين تسألها ما جدوى وقوفك هنا، وربّما لو فكر الشاعر في ذلك لأنجز خطابًا شعاراتيًا فارغًا، أو قصيدة هتافية مضلّلة. دعنا نسأل هذا السؤال لمعلّم هدمت مدرسته، أو لخريج عاطل عن العمل، السؤال سادي ومهين، ومع ذلك وبدون مبالغة فشعراء غزّة قاموا خلال الحرب بمعجزة إبداعية غير مسبوقة، لقد وصل صوتنا الجمعي لكلّ أرجاء العالم بالصوت والترجمة والطباعة، كنّا القوّة الناعمة لقضيتنا العادلة، والصوت الشارح والموازي لما تنقله شاشات التلفاز عن حجم الكارثة وشلال الدماء. قلنا إنّنا لسنا مجرّد أرقام تموت أو بيوت تُهدم، قلنا إنّنا بشر لدينا الشعر واللوحة والفنّ، قلنا إنّنا أرقى إنسانية وثقافة من الجلاد وأسمى روحًا من جيش النازية الجديد.

(*) برأيك، ما هدف الاحتلال من اغتيال الكلمة، واستهداف الشعراء والكتّاب والصحافيين والفنّانين وأساتذة الجامعات بشكلٍ خاصّ؟

الفرد الإسرائيلي، كما قال جدعون ليفي، يحتكم إلى قناعات ثلاث تسيطر على تصرفاته، منها أنّنا كفلسطينيين لسنا بشرًا، ولذا فهو لا يشعر بالذنب وهو يمارس القتل والإذلال والإبادة علينا، ولذلك فإنّ ما يؤلمه ويسبّب في إثارة جنونه أن يكتشف وجود شعراء وكتّاب وفنّانين وعلماء على مستوى راق، وأكثر حين يصل إبداعهم ونجاحهم خارج حدود المكان، ورغم أنّ هذه الحرب طاولت كلّ فئات الغزّيين إلّا أنّ الحصيلة الكبيرة كانت ضمن الفئات المتميّزة من الأطباء المهرة، وأساتذة الجامعات المميّزين، والشعراء والكتّاب والفنّانين والصحافيين. الحرب تتخطّى الشكل التقليدي لها كسلاح في مواجهة سلاح، وتتعدّى ذلك لتصل إلى المواجهة بين الثوابت والقناعات والثقافة بين طرفي النزاع. إنّها حرب وجود لنا أو لهم من الألف إلى الياء. الإسرائيلي لا يريد وجودنا ليس فقط كلحم حيّ بل يرفض التصديق أصلًا بأنّ هذا اللحم يمكنه أن يفوقه في مجالات السمو الروحي كالفنّ والإبداع.

(*) هل تفكر اليوم، بالخروج من غزّة بعد جعلها مكانًا غير صالح للعيش في المستقبل المنظور، جرّاء العدوان الإسرائيلي الوحشي، المستمرّ منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023، وتعمّد الاحتلال إبادة كلّ ما هو حيّ في القطاع بشكلٍ ممنهج؟

لم يخطر ذلك ببالي، وصلتني بالفعل دعوات من أوروبا لمساعدتي في الخروج خلال الحرب، واعتبرت ذلك هزيمة شخصية لي حيث أفهم أنّ هذه الحرب هي فقط لتهجير السكّان كهدف أوّل وأخير. وأنّ بقائي هو انتصاري الممكن. نعم سيكون بقاءً مرهقًا ومهينًا لكنّه واجب على أشخاص مثلي يؤمنون بفكرة الوطن، ومع ذلك لست ضدّ النجاة الفردية والحصول على فرص حياة أفضل خصوصًا للخريجين وأصحاب الدراسات المتميّزة، وهم على كلّ حال سيعودون يومًا ما. علينا نحن الباقين هنا أن نحتمل الحياة البائسة هنا وتحسينها ما استطعنا لذلك سبيلا. وعمومًا هذا افتراض غير واقعي فلا توجد إمكانية للسفر حاليًا للسكّان، وفي حال توافرت لسكّان غزّة الوسيلة السهلة والميسرة للسفر المؤقّت والمؤمّن للعودة، فيسعدني أن أسافر لوقت قصير على الأقلّ لمشاهدة أي مكان لا أرى فيه بيوتًا منهدمة أو شوارع مفتتة.

(*) برأيك، هذا الخروج، هل يولّد فكرة العودة مستقبلًا إلى غزّة محرّرة؟ وبالتالي سنكون مجدّدًا أمام عودة مصطلح "أدب العودة" لا سيّما للأدباء الغزّيين؟

لا أتمنى خروج الكتّاب والمبدعين من غزّة، فعدد المغادرين منهم لا يُعَدّ على أصابع اليدين، وبالطبع لن يشكّل ظاهرةً أو تيارًا يمكن أن ينتج ذلك المصطلح، كما نتج "أدب السجون" من خلال أكثر من مليون معتقل منذ عام النكبة 1948. ربّما نتوقّع ما يسمّى بـ "الأدب الغزّي"، حيث سيفرض المكان بخصوصيته وظروفه وكوارثه على المبدعين لغة مختلفة وأدوات مختلفة للتعبير.

(*) من "أدب المقاومة" وصولًا لـ إلى "أدب الإبادة"، مرورًا بـ "الأدب الملتزم"، و"أدب النكبة"، و"أدب النكسة" و"أدب الانتفاضة"، و"أدب الأسرى" و"أدب العودة"، وغيرها من المصطلحات التي ارتبطت بنضال الشعب الفلسطيني منذ قرابة القرن. ما رأيك فيها؟ وما هي جوانب قصور هذا المصطلحات أو محدوديتها؟

هذا تأريخ لمسيرة شعب حيّ وثري وفاعل، هذا توثيق لتطوّر المنجز الأدبي ومواكبته لمفاصل التاريخ الفلسطيني ما قبل النكبة وما بعدها، هي مصطلحات نقدية تخصّ الدارسين والباحثين في اللغة، وفيها يصنفون الشعر والروايات وغيرها حسب المرحلة التاريخية من نضالنا، وأستثني منها مصطلح "أدب السجون" أو "أدب الأسرى" حيث لا ترتبط تلك الكتابات مثل غيرها بسياق زمني إنّما بسياق مكاني.

وعلى الرغم من أنّ الكتابة الإبداعية تتطلّب فائضًا من الحرّيّة المكانية والشخصية والعقلية، فإنّ كلّ ما سبق من مصطلحات هو خاضع لقدر ما من الأسر والحصار ولذا يدهشني المنجز الفلسطيني المتألق والمتوهّج كمًّا ونوعًا رغم افتقاره في الغالب لفضاءات الحرّيّة.

(*) في ختام حوارنا، ماذا تخبرنا عن نصوصك الجديدة؟ وهل كتبت يوميات الحرب؟

الكتابة معجزة في زمن الحرب، وهي أيضًا فخ كبير. معجزة أن تجد وقتًا للتأمّل والإصغاء إلى روح الشعر وسط ضجيج القصف وطلقات الرصاص، وهي فخ أيضًا حيث تنزلق الكلمات نحو الصراخ والتسوّل بالألم والشعاراتية، ولذا أدّعي أنّني كنت كلاعب سيرك أمشي على حبل رفيع من الشعر، وأحاول ألّا أتركه لأقع في فخ التوثيق الصحافي للكارثة. هي نصوص مختلفة بالطبع، لا في مضمونها فحسب بل في أدوات التعبير والأسلوب الشعري المستخدم.

أخيرًا، شكرًا لـ "ضفة ثالثة" على هذه الاستضافة والحوار الراقي.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.