يكتب مقبول العلوي قصصه كما لو أنّه يُنصت لما يتبقّى بعد الضجيج، لما ينسحب من الكلام حين يفقد بريقه، ولما ينجو من المعنى حين يُستنزف. في مجموعته القصصية الجديدة، "تدريبات شاقّة على الاستغناء"، الصادرة مؤخرًا عن دار نوفل/ هاشيت أنطوان، يمضي الكاتب السعودي في اختبار سردي هادئ، يراهن فيه على الحذف، وعلى الصمت، وعلى التفاصيل التي تبدو هامشية، لكنها تُمسك بجوهر التجربة الإنسانية.
في هذا الحوار، نقترب من عالم مقبول العلوي السردي؛ من فكرة الاستغناء بوصفها تجربة حياتية وجمالية، ومن القصة القصيرة باعتبارها شكلًا يوازي إيقاع زمن متسارع، ويكثّف أسئلته في حيّز لغوي مشدود.
(*) تبدو مجموعتك "تدريبات شاقّة على الاستغناء" أقرب إلى كتابة تُمارس الحذف أكثر مما تمارس القول. ما الفكرة الأولى التي قادتك نحو هذا المشروع القصصي؟
الفكرة الأولى كانت التخفّف، ثم تطوّرت الى الاستغناء، لأنني وجدت أن التخفّف بمعناه الواسع هو ترك أشياء، وظروف، وأفكار، وبشر... إلخ.
التخفّف من كل ما يُثقل سير الحياة، والتخفّف من بعض العلاقات السامة والأشخاص الزائدين عن الحاجة. نحن، في لحظة معينة، حينما نقف في مواجهة أنفسنا لنعيد ترتيب العلاقات والأشخاص، وحتى الأفكار، نجد أن بعضها يُثقل حياتنا ويُكممها. يُبطئ من سيرها الحثيث. من هنا كانت فكرة الاستغناء، أو الشرارة الأولى لكتابة هذه المجموعة.
(*) هل كنت تنوي منذ البداية أن يكون "الاستغناء" هو الثيمة المركزية، أم أنّ القصص نفسها قادتك إليها؟
نعم، الاستغناء هو المحرك الأساسي لكتابة هذه المجموعة. هو تجربة شخصية خضتها ونجحت فيها، رغم مرارة التجربة.
(*) تصدر المجموعة في زمن مزدحم بالضجيج والمحتوى السريع، فهل كانت كتابة هذه القصص نوعًا من المقاومة لهذا الصخب؟
لا يمكن مواجهة صخب هذا الزمن اللاهث من دون استعداد نفسي وثقافي ومعرفي، بل يمكن القول إننا نحاول مسايرته حتى لا يطوينا في متاهاته. الكتابة، في جوهرها، هي محاولة للفهم، وإعادة صياغة المعطيات والأفكار والواقع، لفهم ما ينتج عنها لاحقًا.
(*) ما الذي تمثّله لك القصة القصيرة اليوم؟ هل هي مساحة اختبار لغوي، أم مختبر للذاكرة الشخصية، أم شكل من أشكال العزلة؟
القصة القصيرة اليوم هي الانعكاس الصادق لهذا الزمن اللاهث. التعبير بأقلّ الكلمات هو ما يتناسب مع هذا الزمن. إيقاع الحياة السريع يجبرنا على الاختصار. لا يوجد وقت طويل لدلق كثير من الكلمات، أو الأفعال، أو تقديم التبريرات.
(*) العنوان "تدريبات شاقّة على الاستغناء" يوحي بعملية مستمرة، لا بقرار حاسم. ما الذي كنت تريد أن تستغني عنه، أنت الكاتب، أثناء الكتابة؟
الاستغناء عملية شاقة لو حاولت تطبيقها في الحياة اليومية، وتحتاج إلى تدريب مستمر، وتضحيات كبيرة. التخلّص من الأغلال المقيّدة يحتاج إلى ثبات انفعالي وجَلَد شديدين حتى تصل إلى مبتغاك من التخفّف من الأعباء والأحمال، والأشخاص، والأفكار، والصور النمطية، والقوالب الجاهزة التي حُبسنا داخلها، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمدرسة، وصولًا إلى الحياة العامة. كثير من هذه القيود يُقلّل من جودة حياتك، إذ لا سبيل لاستعادة نفسك إلا عبر تطبيق الاستغناء عنها نهائيًا ليكون في ما بعد أسلوب حياة.
(*) اللغة في قصصك مقتصدة، ومكثفة، وكأنها تحمل شعرية صامتة. كيف تصل إلى هذا التوازن بين الاقتصاد اللغوي والجمالية؟
اللغة المقتصدة هي لبّ نحاج كتابة القصة القصيرة، هنا لا مجال للتمطيط، ولا مجال للحشو الزائد. الوصول إلى المعنى بأقلّ قدر من الكلمات هو الوسيلة المثلى لكتابة القصة القصيرة.
(*) في المجموعة حضور واضح لفكرة المراقبة: المهووس الذي يجمع تقارير عن الفتيات، المثقف الذي يراقب غيره ليقلّده... هل ترى أن مجتمعاتنا صارت تعيش تحت رقابة مزدوجة: اجتماعية وإلكترونية؟
معظم قصص المجموعة كانت أحداثها تتم في القرى البعيدة والمعزولة، وفي الحواري الضيقة، وفي أزمنة مختلفة. هناك يكون الناس مشغولين ببعضهم بعضًا، يتتبعون بعضهم بعضًا، ويبحثون وراء (الشاذّة والفاذّة)، كما يقال. ربما ظهر مفهوم المراقبة في بعض القصص، ولكنه في القرى والمجتمعات المحدودة يتحوّل إلى نمط عيش وأسلوب حياة.
(*) هل كان هدفك نقد المجتمع، أم اختبار شخصية الإنسان؟
ليس من مهام الكاتب أن يكون ناقدًا للمجتمع، إنما ينحصر دوره في وضع يده على مكامن "الجرح"، ويترك للمتخصصين علاج المشكلة، هو مجرد نور مصباح يسلط الضوء، وهذا هو جوهر عمله.
(*) القراءة في بعض القصص تظهر كفعل هروب، لا كبحث عن المعرفة. هل هذه رؤية وجودية منك، أم نقد اجتماعي لمفهوم "الثقافة" السائد؟
طالما كنت أمارس تدريباتي الشاقة على الاستغناء، فلا وسيلة مثلى لمعالجة توابع هذا إلا بالقراءة، فهي ترياق وعلاج لكل شيء يؤذي الروح ويُنهك الجسد.
(*) تضمّ المجموعة نصًّا مكتوبًا بلغة مقريزية قديمة، يحاكي أسلوب المؤرخين في القرن التاسع الهجري. ما الذي أغراك بهذه اللعبة الأسلوبية؟
في بداية قراءاتي الأولى، كنت أميل إلى الاطلاع على التاريخ الاجتماعي لمن سبقونا في العصور البعيدة، أبحث عن أسلوب حياتهم اليومية: أكلهم، شربهم، أسواقهم، منازلهم، ملابسهم... إلخ، فوجدت في المؤرخ العظيم المقريزي وصفًا بديعًا لعصره، وخصوصًا في مصر. أحببت أسلوبه وطريقة سرده ونظرته لما يدور حوله في ذلك الزمان، فكانت إحدى قصصي، المعنونة بـ"المقامة القاهرية"، محاكاة لأسلوبه.
(*) هل تكتب التجريب بوصفه مغامرة جمالية، أم كضرورة يفرضها النص؟
أحاول التجريب في قصصي. الجمود في الأسلوب يؤدي الى الملل، لكن التجريب يحتاج إلى شجاعة، فعملية تكسير القوالب الكتابية المتعارف عليها مغامرة في حد ذاتها، لكنها ممتعة رغم خطورتها.
(*) هنالك حضور خفيّ للفكاهة السوداء في نصوصك، حتى في أكثر المواقف قسوة. هل ترى في السخرية أداة كشف، أم وسيلة توازن مع الألم؟
نعم، السخرية أسلوب مقاومة، وأسلوب كشف عن الذات، ومحاربة للفجاجة، ولألم الواقع الصعب المعاش. ربما تكون رديفًا للألم، لكنها مثل مبضع الجرّاح الذي يُخلصنا من مرارة الواقع الفجّ أحيانًا.
(*) القراءة تظهر في بعض القصص كملاذ وحيد. هل ترى أن الكتابة والقراءة وسيلتا استغناء عن العالم، أم نوعًا من المقاومة؟
القراءة عندي تتقدّم على الكتابة، فهي المعين الذي لا ينضب، والأنيس في العزلة، والصاحب في الحلّ والترحال. هي وسيلة للاستغناء ونوع من مقاومة الترهل في المشاعر والأحاسيس الكاذبة.
(*) في زمن تتناقص فيه المسافات بين الواقع والافتراض، كيف ترى مصير السرد في عالم تتحكم فيه الشاشات؟
السرد باقٍ ما بقيت الحياة. لا يمكن للشاشات ووسائل التواصل أن تحلّ محلّه، لأنه أصيل وجذوره ثابتة في الوجدان. صحيح أننا في عصر لاهث، لكن السرد سيظل شامخًا، وإن اعترته بعض الإخفاقات.
مقبول العلوي: روائي وقاصّ سعوديّ من مواليد 1968. صدرت له ستّ روايات، من بينها "زرياب"، التي نالت جائزة أفضل رواية في معرض الرياض (2015)، و"البدوي الصغير" الحائزة على جائزة سوق عكاظ (2016)، وثلاث مجموعات قصصيّة، منها "القبطي"، التي نالت جائزة الطيب صالح (2016).
مقبول العلوي: السخرية أسلوب مقاومة
مقالات اخرى للكاتب
حوارات
22 فبراير 2026
عروض
8 فبراير 2026
حوارات
14 يناير 2026
حوارات
15 سبتمبر 2025


تحميل المقال التالي...