}

كارول منصور ومنى الخالدي: قضية فلسطين لها الأولوية دائمًا

منى سكرية منى سكرية 24 فبراير 2026
حوارات كارول منصور ومنى الخالدي: قضية فلسطين لها الأولوية دائمًا
كارول منصور ومنى الخالدي خلال مهرجان القاهرة 45 (Getty,22/11/2024)

 

ثمة غاية واحدة دفعت الثنائي السينمائي الفنيّ كارول منصور ومنى الخالدي إلى تجاوز منطق التنافس في العمل السينمائي المشترك: فلسطين، بوصفها قضيةً وشعبًا. ومن أجلها ارتدت كارول الكوفية البيضاء والسوداء، وحملت الكاميرا مثقلةً بهموم إنسانية متعددة. ومع منى، عبرت حدود السباق المهني، سعيًا إلى صون السردية الفلسطينية نقية، بعيدة عن التشويه أو التضليل.

هنا حوار معهما، تحت ضوء الكلمة والكاميرا ومواقفهما الإنسانية الصارخة.

(*) كيف لثنائي في عمل إبداعي مشترك أن يبدّد عقبات التنافس؟

كارول: أنا ومنى نعمل سويّة منذ سنوات، وقضية فلسطين هدفنا، وفلسطين هنا تبدّد أي تنافس بمعناه السلبي والنفعي، لأن فلسطين قضية حق وعدالة، وشعب طُرد بقوة المجازر من أرضه، وصار لاجئًا، وعاش الشتات في بقاع الأرض، لكنه شعب الجدارة بالحياة، واختلاق الفرص من اللافرص، وتحريك المياه الراكدة بكافّة الوسائل، مما أبقى هذا الشعب يعيش بحيوات متعددة ومتنوعة ومتتالية في عملية التجايل والإبداع ورشق التاريخ ببصمات لا تُمحى، وبكل ما توافر، وبالأدب والثقافة لحفظ السردية وتناقلها نظيفةً، خاليةً من شوائب التشويه والتزوير والتضليل. هنا ندخل في تفاصيل عملنا ونحن مزوّدتان بمفتاح/ رمز تحمله الكاميرا، وتسبقه الفكرة، ننشره لاحقًا في فضاء النقاش العام... طبعًا، أشير هنا إلى أنه بجانب القضية الأم التي نؤمن بها ونعمل لأجلها، فنحن نعالج اهتمامات على علاقة بالعدالة الاجتماعية والإنسانية. وهذا يبدّد التنافس باعتبار أن النقاش يكون أقرب إلى التشاور.

(*) إذًا، هو نقاش بأسلوب العصف الفكري لبلورة المشروع؟

منى: من المؤكد أن هناك وجهات نظر، ما يضطرنا إلى تقليب الفكرة من كل زواياها. وهذا يُغني الموضوع الذي نحن بصدد معالجته. أما مسألة الاختلاف ومحاولات تبادل الإقناع فتحصل عند البدء بالمونتاج، حيث أولوية الشطب من هنا، والتركيز على مقطع هناك، بما يشبه عملية فرز الغث من السمين، أو نخل الحبوب بالغربال ذي الثقوب الضيقة. فالمونتاج في سياق العمل أشبه بالولادة الحقيقية لهذه التوليفة البصرية/السمعية، وانتشالها من الخام وجعلها نقيةً في مرآة الصورة، وفنون أدوات الاستخدام.

(*) هل لأن منى الخالدي ابنة القدس، وكارول منصور اللبنانية من أب من حيفا وأم من يافا، ما يحول دون التصادم لخدمة الهدف الأسمى، فلسطين؟

كارول: أكيد، أكيد، أكيد، بالثلاث! وأشير هنا إلى أن آخر ثلاثة أفلام أنجزناها كانت عن فلسطين: "خيوط السرد" عن التراث وحماية النساء الفلسطينيات لخيط التطريز، و"حبكات النسج"، و"حالة عشق" عن الطبيب غسان أبو ستة والفترة التي قضاها في غزة تحت حرب الإبادة، وكذلك فإن فيلم "عائدة" يصوّب بقوة على مسألة حق العودة.

منى: نعم، ولدينا ذات التوجهات في القضية الفلسطينية. نتشارك نفس التوجه في النظر لما نريد، وحذف ما لا نرغب به.

(*) وهل تعرّضت هذه الأفلام لمضايقات تعيق انتشارها خاصة في الخارج؟

منى: ليست مضايقات بقدر ما هي "حيطان". مثلًا، فيلم "عائدة" لاقى نجاحًا كبيرًا لدى شرائح واسعة، ولكن الرفض أتانا من المهرجانات الخارجية.

كارول: السبب الرئيس لرفض مشاركة فيلم "عائدة" في مهرجانات خارجية أنه يحكي عن العودة. أما بالنسبة للرفض المتكرر فقد راودتنا فكرة/سخرية أن نعمل فيلمًا عن هذا الرفض! خاصة أن فيلم "عائدة" نال نسبة مشاهدة عالية لدى شرائح اجتماعية مهتمة بالقضية الفلسطينية، وإطراءً من النقاد وأهل القضية بمعناها الواسع، وتشجيعًا لنا بتوزيعه بأكبر قدر ممكن في الوسائل والوسائط الاجتماعية والإعلامية والأندية وغيرها من المجالات المفتوحة.

(*) عائدة هي المرحومة والدة كارول، وقد أعادت كارول ومنى ورائدة طه، الممثلة المسرحية الفلسطينية القديرة، رفاتها إلى مسقط رأسها في يافا.

كارول: العودة هي حلم كل فلسطيني، حلم لم يفارق أي جيل منذ النكبة، سواء للذي يعرف فلسطين أو ذاك الذي اختبر الغربة عنها، لأن استحضار الذاكرة شغل نضالات هذا الشعب العصيّ على المحو. وكانت أمي واسمها عائدة تردّد دائمًا أنها تريد العودة إلى يافا حيّةً أو ميتةً. كان لها من العمر 87 سنة عندما توفيت في كندا. وفي كندا، حرق الجثة مسموح به في القانون، فكان اختيار الحرق لسهولة نقل رماد الرفات. إضافة إلى اختيار عملية الحرق، هناك شعور الحرمان من المكان لدى والديّ، كما كل شعب الشتات الفلسطيني، بمعنى لا مدافن لوالديّ في لبنان ولا في فلسطين بسبب الاحتلال الذي اقتلعهما في نكبة 1948، وعاشا اللجوء المتنقل في الخارج.

 



(*) هذه مسألة تطرح موضوع المكان المُفتقَد، والمُشتهى، والأرض الحاضرة/الغائبة؟ المكان ثيمة الأعمال الإبداعية في الثقافة الفلسطينية، هل سيكون معنى المكان مطروحًا على جدول أعمال كارول ومنى لاختبار معنى الانتماء الواقعي لا المُتخيّل؟

كارول: مسألة المكان لن تغيب، إنها تتوارث كحالة ارتباط ومفهوم وقضية من جيل إلى جيل. وكثيرةٌ النتاجات الفلسطينية الأدبية والفنية والشعرية، وفي مجالات الفنون التشكيلية والسينمائية، التي تُبرز معنى المكان، ودلالة المكان، ومفتاح العودة كرمز للمكان الحاضر/الغائب. قلّما يغيب المكان عن أهل الأرض الفلسطينيين. كما أنهم من أكثر شعوب الأرض حَفَظةً للتواريخ بنكباتها أو تجلياتها.

منى: المكان/فلسطين أكيد هو كما ذكرت المكان المُشتهى، ومشاعرنا تتضاعف تجاهه لأنه ممنوع علينا، ويزداد شعورنا بفقدانه عندما يتوفى أهلنا أبناء تلك الأرض في شتاتهم. والدي اختصاصه الكيمياء الحيوية (Biochemistry)، من لاجئي الـ48 ثم الـ67، عاش وتوفي في الأردن، وكان يرفض العودة إلى القدس تحت الاحتلال، كما كان يقول لي دائمًا. كم أتمنى أن تكون رفاته في القدس. رغبة مدفونة في عميق مشاعري، لكنها لن تخبو إلا بتحقيقها.

كارول: "نحنا راجعين، شو ما صار نحنا راجعين". ومهما تكالبت قوى الشر فلن يكون الحق إلا في سياقه الطبيعي والسماوي. سنرجع يومًا إلى فلسطيننا، هذه الجينة الوراثية والمتوارثة بصبغتها الخاصة في خلايا كل فلسطيني يتنفّس هواء العودة.

(*) إيمانك وثقتك بالعودة يقينية؟

كارول: نعم، ويجب أن أحمل هذا اليقين أنا وكل فلسطيني.

(*) كارول تخصصت في الطب الرياضي وعلم النفس، واختصاصك منى هو السياسات الصحية والتنمية الاجتماعية، ودخلتما في ميدان الفن السينمائي. من خدم الإبداع أكثر؟

منى: إنها مسألة توظيف متبادل للفكرة وطاقة الإبداع.

(*) هنا تأتي خدمة الثورة الرقمية في عملكما وتوسعة انتشاره، سواء كان فيلمًا وثائقيًا أو تسجيليًا أو روائيًا طويلًا كما في فيلم "حالة عشق" عن مسيرة الدكتور غسان أبو ستة؟

كارول: صحيح، لقد خدمتنا ثورة التكنولوجيا. ففي فيلم "عائدة" حصل التصوير بواسطة الهاتف، بدءًا من مقابلتي مع والدتي الموجودة في مونتريال، وهي مريضة تعاني، أو عندما وصل تانيا وبيتر وهما يحملان كيس رمادها إلى يافا/فلسطين لدفنها تحت شجرة المنزل. وما قامت به رائدة طه، وهي "تبحش" التراب لطمر كيس رماد الرفاة (رائدة هي ابنة الشهيد علي طه، منفّذ عملية مطار اللد عام 1973، وقد قدّمت مسرحية من كتابتها وبطولتها عنه بعنوان "ألاقي فين زيك يا علي"). كنا منى وأنا نتابع خطواتهم لحظة بلحظة، وتتناغم ضربات قلوبنا على ضفتي المكان، حيث هم وحيث نحن. كنا نعيش حالة من عواطف مؤجَّجة تعتمل فيها نيران ما يجري من حفر للتراب تحت تلك الشجرة لدفن رماد الرفاة. عالم اختلط فيه الافتراضي بالحقيقي، ولكن كان مسرحًا أشبه بعملية اقتحام فدائية. كنا نشاهد المسرحية، ولا يُتاح لنا الجلوس في مقاعد الجمهور، كنا نصفق لأبطال المسرحية ولن نتمكن من مسح عرق جبين قلق مغامرتهم. كنا نراهم ونحن في المكتب ببيروت عبر الواتساب والفيس تايم وغوغل Earth.

منى: ثورة التكنولوجيا أتاحت لنا افتراضيًا مشاهدة بيوتنا في فلسطين.

(*) حرب الإبادة على غزة لا بد أنها حفّزت لديكما دافع الاستمرارية والوصول لأوسع شرائح اجتماعية في أي مكان على الكرة الأرضية وعبر شتى الوسائل؟

كارول: صح صح. غزة فتحت عيون أصحاب الضمائر في العالم. وفيلم "حالة عشق" فتح الكثير من أبواب التواصل بيننا وبين الناس المتابعين، والطلب على مشاهدته. أيضًا عندما عرضنا فيلم "اللاجئات السوريات في بيروت" نال نجاحًا. نريد أن يخلق عملنا نقاشًا وتأثيرًا لدى المشاهدين، لا أن يكتفوا بالمشاهدة. بمعنى أن ندفع من دواخلهم كبت السؤال إلى علانية القول والنقد والوعي. أما الصهاينة فلا نقدر على تغيير آرائهم.

 

 رائدة طه في مسرحية "ألاقي زيّك فين يا علي" 


(*) هل تكمن هنا صراع السردية الفلسطينية التي تقارع السردية الصهيونية، وأهمية ما تقدّمانه أنتما وسواكما في أي مجال إبداعي أو إعلامي أو مكتوب؟

منى: حماية السردية وحفظ أحقيتها من طبيعة عملنا وهدفنا، لذلك كنا نستعجل إتمام فيلم "حالة عشق" عن غزة والطبيب أبو ستة قبل أن يحكي القصة غيرنا من محطات تريد تشويه الحقائق.

(*) متى تبدأ عملية النقد أو الاختلاف حول العمل؟ قبل أو بعد العرض؟

كارول: لا يوجد خلاف، وإنما تباين حول المقاطع التي يجب اختصارها، وقصقصة بعض المشاهد.

منى: إذا أردت تسميتها اختلافًا فهو موجود كل الوقت! لأن النقاش والتداول بالفكرة يأخذان الكثير من وقتينا، ولأننا لا نعتمد السيناريو المكتوب.

كارول: ولأننا ندرك مسبقًا الرسالة التي ننوي توجيهها. عندما قمنا بتصوير فيلم عن العاملات الأجنبيات في البيوت في لبنان، كنا نعرف أننا نحتاج دقيقتين لا أكثر من حديث كل عاملة منزل، ولكن كنا نتركها أمام الكاميرا تتحدث عن تجربتها ومعاناتها لأكثر من ساعة.

منى: خاصة أننا نكون قد أعددنا البحث حول الموضوع الذي ننوي توثيقه، والتركيز على مضمونه، والإخراج طبعًا.

(*) هل من مشاريع جديدة في برنامج عملكما؟

كارول: توزيع أفلام "حالة عشق" و"عائدة" و"خيوط السرد" يأخذ الكثير من وقتينا. وهذا يتطلب جهدًا ومثابرة. ولكن فلسطين الحاضر الأبرز في تفكيرنا، وخاصة غزة وإبادتها.

منى: نحن لا نقدّم أعمالًا للفن فقط، وإنما نقوم برسالة لها هدف، ورغبة في التأثير وخلق مناخات تُبقي فلسطين وقضيتها في الصدارة. هدفنا أن ندفع الناس إلى إبقاء جذوة هذا الصراع حيًّا وحيويًا. نحن لا نقدّم فنًا من أجل الفن أو نرمي قصة في بازار التداول. مثلًا، فيلم "حالة عشق" كان الهدف منه أن يكون في خدمة المؤسسات والجمعيات والمجموعات التي تريد العمل على تغيير رأي عام، وتلك التي بدأت تشتغل على رفع مستوى الوعي، أو لمن ينوي التحفيز على المناصرة والتأييد. فكرة استخدام الفيلم لها هدف، وهذا الأمر ينعكس على طريقة توزيعنا للأفلام.

(*) ماذا عن موضوع التمويل؟

كارول: نحن بصراحة محظوظون باعتمادنا على علاقات الأصدقاء. يأتينا تمويل على شكل تبرعات ومساعدات، بما فيها مبالغ زهيدة. وفي أحيان كثيرة من حسابنا الشخصي.

منى: نحن نعمل على موازنة بسيطة، ومشاركة الناس معنا بإرسال تبرعات ولو زهيدة تثير الفرح في قلوبنا، وتشجعنا أكثر على المتابعة. كثير من الناس يتعطش لإبقاء موضوع فلسطين في دائرة الاهتمام.

(*) يعني أنتما متحررتان من شروط تمويل مؤسسات المجتمع المدني التي باتت معروفة بأجنداتها؟

كارول: نحن متحررتان من شروط التمويل الذي تأتي به مؤسسات أجنبية. بمعنى أننا نرفض التمويل المشروط. وخلال مسيرتنا كلها لم نشتغل مع مؤسسات أو جمعيات لا تحمل نفس الأهداف التي نحملها، أو تتدخل بالمضمون أو بالتعديل أو بالرسالة. وبجواب قصير وأكيد: نعم، نحن متحررتان من إملاءات الشروط على عملنا، كما لم ولن ندخل في شراكة عمل مع أي طرف سيُملي أجندته علينا بما لا يتوافق مع أجندتنا. شرطنا ألّا تُفرض علينا الشروط.

(*) هل يخطر ببالكما تنفيذ عمل مشترك مع سينمائيين أبدوا اهتمامًا وإنتاجًا لأعمال عن فلسطين؟

كارول: نحن فريق يتألف من منى وأنا، وأحيانًا نستعين بأشخاص. ولكن لا أعتقد أن لدينا القدرة على إنتاج أعمال مع آخرين، وإن كنا لا ندري بالمستقبل ما إذا كان ذلك ممكنًا.

(*) هل عين الكاميرا تخدم الفكرة أم الواقع الذي تنقلانه؟

منى: كما ذكرنا، فإن صناعة الأفلام بالنسبة لنا أداة لإحداث تغيير، أداة للتحفيز على النقاش، على التفكير، والتعرّف أكثر. وبطبيعة الحال، بالنسبة لنا، الكاميرا هي التي تخطف الفكرة.

(*) لو تسنّى لكما الدخول إلى فلسطين من أين تبدآن العمل؟

كارول: ربما من القدس، ثم حيفا ويافا وفلسطين كلها. فلندخل أولًا وسنعرف ماذا سنفعل.

(*) أخيرًا، باعتبار طغيان اهتماماتكما الإنسانية على مسيرتكما، أي مواضيع تستحوذ على اهتمامكما حاليًا غير الموضوع الفلسطيني؟

كارول: بصراحة، في الوقت الحاضر لدينا الكثير من الأفكار حول مواضيع إنسانية ونرغب بالعمل عليها، ولكن تبقى قضية فلسطين لها الأولوية، فكل الشرور تأتي من الصهيونية. هنا تكمن اهتماماتنا، وكم أتمنى أن يكون نهاري 48 ساعة، وأسبوعي 20 يومًا، كي أتمكن من أن أشتغل كل ما أرغب بالعمل عليه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.