}

لطيفة شهبي: الأدب الرقمي يسهم بتجاوز الحواجز الجغرافية والزمنية

ليندا نصار ليندا نصار 15 أبريل 2026

 

أصبحت الجامعات المغربيّة تولي اهتمامًا متزايدًا بالأدب الرّقميّ بوصفه امتدادًا لتحوّلات عميقة في مفهوم النّصّ الأدبيّ وطرائق تداوله، كما تسعى إلى استكشاف التّجارب النّقديّة الّتي تعيد التّفكير في الأدب باعتباره قابلًا للتّحوّل لمواكبة الوسائط الرّقميّة الحديثة. وتعدّ الأكاديميّة والنّاقدة المغربية لطيفة شهبي من الباحثات الرّصينات في هذا المجال، حيث تجمع بين التّدريس والبحث في الأدب الرّقميّ، مع التّركيز على تأثير الخوارزميّات في تشكيل الذّائقة والتّصوّرات الثّقافيّة. وهي لم تكتف بهذه التّجربة فقط، بل جعلتها تمتدّ إلى مجالات السّرد التّفاعليّ والمنصّات الرّقميّة، عبر الاشتغال على علاقة القارئ بالنّصّ في بيئة رقميّة، وما يرافق ذلك من إعادة تشكيل فعل القراءة نفسه تحت تأثير الخوارزميّات. هكذا عملت لطيفة شهبي على تأهيل الطّلبة في الجامعة لفهم التّحوّلات واستيعابها ومقاربتها بأساليب حديثة، مقدّمة رؤى ترتكز على إعادة تعريف التّفاعل بين النّصّ والقارئ في السّياق الرّقميّ المعاصر.

هنا حوار معها:

(*) أستاذة لطيفة، كيف يمكن مقاربة نشأة علاقتك بالأدب بوصفها مسارًا لتشكّل الوعي النقدي لديكِ؟

سأنطلق من هذه العبارة للإجابة عن سؤالك: "الأدب لا يعكس العالم فحسب، بل يفتح أيضًا إمكانات جديدة لتخيّله" – أمبرتو إيكو.

بدأت علاقتي بالأدب في مرحلة مبكرة بوصفه تجربة إنسانية قبل أن يكون موضوعًا أكاديميًا. لقد كان الأدب بالنسبة إليّ فضاءً للتأمل في تعقيد التجربة الإنسانية، حيث تلتقي الأسئلة المتعلقة بالهوية والذاكرة واللغة والوجود. كنت أرى في النص الأدبي مساحة للتفكير في الإنسان وفي العالم، وأداة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه العلاقة من علاقة قارئة إلى علاقة باحثة تسعى إلى فهم طبيعة الأدب نفسه. كيف يتشكل النص؟ وكيف تتغير بنيته عندما ينتقل من وسيط إلى آخر؟ هذه الأسئلة دفعتني إلى التفكير في الأدب بوصفه ظاهرة ثقافية مرتبطة بالوسائط التي تحملها.

ومع ظهور الثقافة الرقمية، بدأت ألاحظ أن الكتابة نفسها تعيش تحولات عميقة. فالنص لم يعد مجرد كلمات مطبوعة على صفحة، بل أصبح تجربة متعددة الوسائط، حيث تتداخل الكتابة مع الصورة والصوت والحركة. كما أن القارئ لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح مشاركًا في بناء المعنى. هذه التحولات قادتني إلى الاهتمام بالأدب الرقمي بوصفه أحد أهم المختبرات المعاصرة لفهم مستقبل الإبداع الأدبي.

(*) إلى أيّ حدّ يشكّل الأدب الرقمي تحوّلًا نوعيًا في مفهوم الأدب ووظائفه الجمالية والتواصلية، وفي طبيعة النص الأدبي وبنيته، وفي آليات إنتاجه وتلقيه؟

الأدب الرقمي يمثل بالفعل تحوّلًا نوعيًا في تاريخ الأدب، لأنه يعيد التفكير في مفهوم النص نفسه. في الأدب التقليدي يكون النص خطيًا، يبدأ من نقطة وينتهي عند أخرى وفق مسار محدد. أما في البيئة الرقمية، فيتحول النص إلى شبكة من المسارات الممكنة، يمكن للقارئ أن يتنقل بينها بطرق متعددة.

وقد ظهرت البدايات الأولى لهذه التحولات مع ظهور السرد التشعبي في نهاية القرن العشرين. من أبرز الأمثلة على ذلك رواية Afternoon, a Story للكاتب الأميركي مايكل جويس، التي تعد من الأعمال المؤسسة للأدب التشعبي. كما يمكن الإشارة إلى عمل Patchwork Girl للكاتبة شيلي جاكسون، الذي أعاد التفكير في مفهوم السرد من خلال بنية رقمية قائمة على التشظي والتفاعل.

كما لعبت أعمال الباحث النرويجي Espen Aarseth دورًا مهمًا في تأطير هذا المجال من خلال مفهوم "الأدب الإرغودي"، أي الأدب الذي يتطلب من القارئ جهدًا فعليًا للتنقل داخل النص وبناء مساره. من جهة أخرى، ركزت الباحثة الأميركية Katherine Hayles على العلاقة بين الوسيط الرقمي والتجربة الجمالية للنص.

ومع ذلك، يمكن القول إن الأدب الرقمي ما يزال جنسًا أدبيًا في طور البحث عن شرعيته النقدية والمؤسساتية. فالكثير من المؤسسات الثقافية والنقدية ما تزال مرتبطة بالنموذج الورقي. لكن الواقع أن الأدب الرقمي يفتح إمكانات جمالية جديدة، لأنه يسمح بتداخل اللغة مع الصورة والصوت والحركة، ويمنح القارئ دورًا أكثر فاعلية في إنتاج المعنى.

(*) ما الدور الذي تؤديه الوسائط الرقمية في إعادة تعريف وظيفة الجامعات في عصر الثقافة الرقمية، من حيث طبيعة إنتاج المعرفة، وطرائق تدريسها وتداولها، وآليات البحث العلمي، وصيغ التفاعل الأكاديمي؟ وما هي المجالات البحثيّة الّتي ظهرت حديثًا؟

لقد أدت الثورة الرقمية إلى تحولات عميقة في مفهوم المعرفة وفي طرق إنتاجها وتداولها. في الماضي كانت الجامعة تمثل المركز الرئيسي لإنتاج المعرفة، أما اليوم فقد أصبحت المعرفة متاحة على نطاق واسع عبر الإنترنت.

هذا التحول يفرض على الجامعة أن تعيد التفكير في دورها. لم يعد دورها مقتصرًا على نقل المعرفة، بل أصبح يتمثل في تطوير التفكير النقدي وفي تدريب الطلبة على تحليل المعلومات وفهم السياقات الثقافية والتكنولوجية التي تنتجها. في هذا السياق ظهرت مجالات بحثية جديدة مثل الإنسانيات الرقمية، التي تسعى إلى بناء جسور بين العلوم الإنسانية والتكنولوجيا. هذا المجال يتيح استخدام الأدوات الرقمية في تحليل النصوص ودراسة الظواهر الثقافية على نطاق واسع. وبالتالي فإن الجامعة مطالبة اليوم بأن تكون فضاءً للتفاعل بين المعرفة الإنسانية والتطورات التكنولوجية.

(*) إلى أيّ مدى يمكن أن تتقاطع اللسانيات مع خطاب وسائل التواصل الاجتماعي في تحليل اللغة الرقمية وأنماط التواصل الجديدة؟

وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم مختبرًا حيًا لدراسة تحولات اللغة. فهذه المنصات كشفت عن ظهور أنماط جديدة من التعبير اللغوي، مثل الاختزال، واللغة الهجينة التي تمزج بين لغات متعددة، إضافة إلى الاستخدام الواسع للرموز التعبيرية والصور بوصفها عناصر دلالية. هذه التحولات دفعت اللسانيات إلى توسيع مجال اهتمامها ليشمل تحليل الخطاب الرقمي. فالمعنى في هذه البيئات لا يُنتج فقط من خلال الكلمات، بل أيضًا من خلال التفاعل بين النص والصورة والإيقاع البصري. ومن هنا أصبح تحليل الخطاب الرقمي مجالًا مهمًا لفهم كيفية تشكل المعنى في العصر الرقمي، وكيف تعيد المجتمعات تشكيل أدواتها التعبيرية في ظل الوسائط الجديدة.

(*) كيف يمكن تقييم لغة الإنترنت من حيث بنيتها الأسلوبية واللغوية، وخصائصها التواصلية والدلالية، وتحوّلاتها مقارنة باللغة الفصحى أو اللّغة القياسيّة، ووظائفها في الفضاء الرقمي؟

لغة الإنترنت غالبًا ما تُقدَّم بوصفها تهديدًا للغة أو انحرافًا عن معاييرها التقليدية، لكنني أعتقد أن هذه النظرة تحتاج إلى قدر من التوازن. فالتاريخ اللغوي يبيّن أن اللغة كانت دائمًا في حالة تحول مستمر. لغة الإنترنت تعكس طبيعة التواصل في العصر الرقمي، فهي لغة سريعة ومختزلة، لكنها تكشف أيضًا عن قدرة اللغة على الابتكار والتكيف مع الوسائط الجديدة. كما أنها تتيح أشكالًا جديدة من الإبداع اللغوي، خاصة لدى الأجيال الشابة. التحدي الحقيقي لا يكمن في هذه اللغة نفسها، بل في القدرة على الحفاظ على التوازن بين العفوية الرقمية والوعي اللغوي، بحيث تظل اللغة أداة للتواصل الثقافي العميق.

(*) كيف أثّرت تحوّلات الإعلام الثّقافيّ والذكاء الاصطناعي في تشكيل الوعي لدى الجيل الجديد؟

لقد غيرت الثورة الرقمية علاقتنا بالمعلومة بشكل جذري. فالمعلومة لم تعد نادرة كما في الماضي، بل أصبحت متاحة بشكل فوري عبر الشبكات الرقمية. هذا التحول فتح آفاقًا واسعة للتعلم، لكنه طرح أيضًا تحديات جديدة. فالجيل الجديد يعيش في بيئة معلوماتية كثيفة، حيث تتدفق الأخبار والمعارف بسرعة كبيرة. لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة جودة المعرفة. لذلك أصبح من الضروري تطوير مهارات التفكير النقدي حتى يتمكن الأفراد من التمييز بين المعلومات الموثوقة والمعلومات المضللة.

(*) هل يمكن إنتاج الثقافة من وسائل التواصل الاجتماعي؟

وسائل التواصل الاجتماعي تتيح إمكانات واسعة لإنتاج الثقافة ونشرها، لأنها تمنح الفرصة لأصوات متعددة للتعبير عن نفسها. لقد ساهمت هذه المنصات في ظهور أشكال جديدة من التعبير الثقافي، وفي انتشار المعرفة خارج الأطر التقليدية. لكن في الوقت نفسه، تخضع هذه المنصات لمنطق السرعة والتفاعل الفوري، وهو ما قد يجعل بعض أشكال الثقافة سطحية أو عابرة. لذلك يبقى التحدي الأساسي في كيفية تحويل هذه الفضاءات الرقمية إلى منصات للحوار الثقافي العميق.

(*) ما الدور الذي تؤديه الخوارزميات في إنتاج الذوق الثقافي وتوجيهه داخل اقتصاد المنصات الرقمية؟

الخوارزميات أصبحت عنصرًا أساسيًا في تشكيل التجربة الثقافية على الإنترنت. فهي تحدد إلى حد كبير نوع المحتوى الذي يظهر للمستخدمين، وبالتالي تسهم في توجيه اهتماماتهم الثقافية. لكن هذه الخوارزميات تعمل غالبًا وفق منطق اقتصادي يهدف إلى زيادة التفاعل والربح، وليس بالضرورة إلى تعزيز التنوع الثقافي. وهذا قد يؤدي إلى ما يسمى "فقاعة التصفية"، حيث يتعرض المستخدم بشكل متكرر لنوع معين من المحتوى.

(*) ما دور الأكاديميين اليوم في حماية اللغة والأدب؟

اليوم، لم يعد دور الأكاديميين يقتصر على حراسة التراث اللغوي والأدبي أو الدفاع عن النصوص الكلاسيكية، بل أصبح دورًا أكثر شمولًا يتطلب التفاعل مع التحولات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية. اللغة والأدب ليسا كيانين جامدين؛ إنهما كائنات حية تتطور مع تغيّر السياقات، وتظهر هذه الحيوية في ظهور أشكال جديدة من الأدب مثل الأدب الرقمي، الأدب التفاعلي، والشعر الإلكتروني، التي تعيد تعريف العلاقة بين النص والكاتب والقارئ، وتطرح تساؤلات جديدة حول المفاهيم التقليدية للأدب.

الأكاديمي اليوم مسؤول عن متابعة هذه التحولات وتحليلها نقديًا، وفهم آليات إنتاجها وتداولها، حتى يمكن للغة والأدب أن يبقيا قادرين على التعبير عن أسئلة العصر. كما أن حماية اللغة لا تعني تجميدها، بل تطويرها عبر إنتاج المحتوى العلمي والمعرفي بالعربية، والمساهمة في البحث في اللسانيات الرقمية وتحليل الخطاب الرقمي، وتشجيع الشباب على الارتباط بلغتهم وأدبهم في زمن تتنافس فيه اللغات العالمية على تشكيل الذائقة الثقافية.

بالتالي، يصبح الأكاديمي وسيطًا معرفيًا: يحافظ على التراث ويعيد قراءته بوعي نقدي، ويفتح آفاقًا جديدة للغة والأدب في الفضاء الرقمي، ليظلا حاضرَين وفعّالَين في مواجهة تحديات العصر.

(*) ما هو تأثير الأدب الرقمي في تسهيل حوار الثقافات؟

تأثير الأدب الرقمي في تسهيل حوار الثقافات يتجاوز مجرد نقل النصوص إلى فضاءات رقمية؛ فهو يخلق إمكانات جديدة للتفاعل بين مختلف الرموز اللغوية والبصرية والصوتية داخل تجربة واحدة متكاملة. من خلال دمج الوسائط المتعددة— النص المكتوب، الصور، الصوت، والفيديو— يتمكن الأدب الرقمي من تقديم ثقافات متعددة بطريقة مباشرة وحسية، ما يعزز فهم القارئ للآخر ويتيح له تجربة التعددية الثقافية بطريقة غير ممكنة في النصوص التقليدية. الأمر الأكثر أهمية هو الطبيعة التفاعلية للأدب الرقمي، التي تمكّن القارئ من المشاركة الفعلية في بناء النص أو تشكيله، ما يحول العلاقة مع العمل الأدبي من علاقة أحادية إلى حوار حيّ. هذه المشاركة ليست مجرد ترف، بل وسيلة للتبادل الثقافي العميق، إذ يتيح للقارئ أن يتفاعل مع عناصر ثقافية مختلفة، ويجرب طرقًا متعددة للتفكير والشعور، وبالتالي تتشكل مساحات جديدة من الفهم المشترك بين الثقافات.

علاوة على ذلك، يسهم الأدب الرقمي في تجاوز الحواجز الجغرافية والزمنية؛ إذ يمكن لأي شخص في أي مكان من العالم الوصول إلى النص، والتفاعل معه، وتبادل الآراء والخبرات، ما يجعل من الأدب الرقمي أداة حقيقية للدبلوماسية الثقافية ونشر قيم التفاهم والتعددية في عالم معولم. باختصار، الأدب الرقمي لا يقتصر على إعادة تصور النصوص الأدبية، بل يعيد تصور الحوار الثقافي نفسه، ويخلق بيئة ديناميكية يتلاقى فيها الإبداع والتفاعل والاحترام المتبادل بين الثقافات.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.