}

علي محافظة: التاريخ العربي قائم بمجمله على حُكم الفرد

أحمد طمليه 19 أبريل 2026
حوارات علي محافظة: التاريخ العربي قائم بمجمله على حُكم الفرد
الدكتور علي محافظة

أسئلة مربكة بزمن الضباب
يبدو المشهد الآن، على المستوى الدولي، وانعكاساته على المنطقة العربية، مثيرًا لأسئلة عديدة، وهي في غالبيتها أسئلة لا تقل براءة، تتداول بين الناس، إما لعدم معرفة حقًا، أو من قبيل الاستهجان، منها: ما دوافع الحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؟ وهل يمتلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الصلاحيات ما يسمح له بأن يشعل السماء فوق رؤوسنا؟ وما حكاية الدعم الأميركي والغربي لإسرائيل؟ أليست الدول العربية، عمليًا، حليفة لأميركا والغرب؟ فلماذا، إذًا، تتم التضحية بالعرب لصالح خدمة إسرائيل وأمنها واستقرارها، على حساب زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد العربية؟ وهل ثمة علاقة بين ما يحدث في العالم الآن، وبين ما حدث ويحدث في فلسطين، وتحديدًا عملية طوفان الأقصى وتداعياتها؟

لماذا نعود إلى التاريخ؟
أسئلة مشروعة، إن لم أقل بريئة، تفرضها ضبابية المشهد السائد لمن لا يقرأ، أو ليس مطلعًا على حقائق التاريخ، بعيدًا عما تكتظ به الشاشات الفضائية، وما يعتري كثيرًا منها من تلوث. ناهيكم عن حقيقة أن المحللين السياسيين الذين تستضيفهم بعض الفضائيات في برامج حوارية، هم، في الأصل، موظفون للترويج إلى فكرة أو أفكار ما.
من هذا المنطلق، ارتأيت أن أبحث عن إجابات للمشهد السائد في التاريخ... فالتاريخ أحيانًا هو الذي يفسّر ويقدّم إجابات. لكن مشكلة التاريخ أن إجاباته تأتي بعد حين، أي بعد أن تقع "الفأس في الرأس"، فتعرف بعدها لماذا كان هذا ولم يكن ذاك، وما حقيقة ما كان يحدث، ذلك الذي كان يحدث وكنا نظن أنه يحدث في الخفاء، ليتبين من خلال التاريخ أنه كان يحدث في العلن، لكن كثيرين، للأسف، لا يقرأون التاريخ.
وعليه، توجهت إلى المؤرخ الأردني الدكتور علي محافظة (إربد ــ 1938)، يقينًا مني بأن الخبر عنده، خاصة أن محافظة أستاذ تاريخ حاصل على دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون ــ باريس (1980)، وكان قد حصل قبل ذلك على دكتوراه في الدراسات الإسلامية/ تاريخ من السوربون أيضًا (1971)، ودبلوم عام في التربية من جامعة دمشق (1960)، إضافة إلى إجازة في الآداب من جامعة دمشق (1959).
كما شغل وظائف أهلته لأن يكون قريبًا من الشأن الدولي والإقليمي والعربي، منها رئاسته لمجلس أمناء جامعة آل البيت، ورئاسته لعدد من الجامعات: جدارا، واليرموك، ومؤتة (وهي جامعة عسكرية)، وإتقانه للغات الإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، وقربه من العمل الحزبي العربي، وتحديدًا علاقته بحزب البعث العربي القومي، إذ يعرّف نفسه بقوله: «أنا بعثي بأفكار حزب البعث الأساسية». والأهم أنه قارئ للتاريخ، له ما يصل إلى 34 كتابًا كمؤلف منفرد، و44 كتابًا مؤلفًا مشاركًا، و84 بحثًا ودراسة، هذا غير ما يزيد على 60 مقالًا منشورًا في مجلات محكمة. ومما يغني تجربته عمله في السفارات الأردنية في الخارج.
التقيته في مكتبه في بيته، وقد نال منه العمر ما نال، فلم يعد قادرًا على التواصل بأريحية مع المحيط العام الخارجي. يستعين بعكاز أثناء تنقله داخل البيت. مكتبه عبارة عن مكتبة كبيرة، محاطة برفوف تتكدس عليها الكتب بشكل مزدحم ومتلاصق. تلاحظ فور أن تدخل مكتبه أنه لا يترك مساحة، بما في ذلك الجدران، إلا ويكدس فيها كتبًا، وكأنه يعطي الكتاب أولوية الوجود، حتى لو كان ذلك على حساب تضييق المساحة المخصصة له. لا مساحة للمؤرخ محافظة في مكتبه، فالكتب تستحوذ على كل المكان.
وكعادته، لا يترك للسائل حرية أن يصول ويجول بأسئلته، إذ يكفي أن يعرف المراد من الحوار معه، حتى يبدأ الحديث من حيث لا يتوقع السائل؛ أي إنه لا يسمح لك أن تحاوره على طريقة سؤال وجواب، بل يطلق العنان لما يختزن في ذهنه، فتجد في نهاية الحوار إجابات لكل ما يدور في ذهنك من أسئلة، أو يخطر في بالك.

من أين يبدأ المأزق العربي؟
ما كان في ذهني أن نبدأ بتقديم مقاربة بين ما نادى به، وكتب عنه، طوال حياته، حول أسس الوحدة العربية، والمشروع النهضوي العربي، وبين ما آلت إليه الحال في وقتنا الراهن. لكنه فرض عليّ أن نعود إلى بدايات المأزق العربي الراهن، قبل الإجابة على الأسئلة التي يفرضها الواقع الراهن الآن. وقد اعتمد في كثير من حديثه على ما جاء في كتابيه "عملية طوفان الأقصى وتداعياتها في عيون اليهود والصهاينة ومؤيديهم وأنصار الفلسطينيين 2023 ــ 2025" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت (2025)، وكتاب "الحركات الإسلامية المتطرفة في الوطن العربي"، الصادر كذلك عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2018).



العسكر والسلطة: أصل الخلل
(*) كان سؤالي الأول: كيف تشخّص الحال العربية الراهنة؟
الوضع العربي الحالي للأمة العربية ودولها سيئ، والأسباب داخلية وخارجية. داخليًا، من أبرز المعضلات التي يسجلها التاريخ استلام العسكر للسلطة في الأقطار العربية المؤثرة والفاعلة في تقرير مصير الأمة، وهي مصر، والعراق، وسورية. ذلك أن استلام العسكر للحكم في هذه الأقطار، ودخولهم في صراعات في ما بينهم على السلطة، أدى إلى تدهور الأوضاع في تلك البلاد.
أقف أمام وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في العراق وسورية، في مطلع الستينيات، والصراع بينهما. هذا الصراع تسبب في فقدان الثقة في هذا الحزب القومي العظيم، وكذلك صراعه مع الحركات العربية الأخرى، وتحديدًا حركة القوميين العرب، ومخالفته لما ينص عليه دستور الحزب من حيث تكريس الديمقراطية والاحتكام إلى الانتخابات.



لو التزم البعثيون بدستورهم، وتحقق الاتحاد بين العراق وسورية، ولم يتصارع الناصريون مع البعثيين، لكانت حالنا مختلفة تمامًا نحو الأفضل. لقد وقع البعثيون والناصريون في أخطاء قاتلة، منها مخالفة الأسس التي قام عليها حزب البعث، وما قام به الناصريون من تغييب للديمقراطية. وكان من نتائج ذلك الاعتماد على الأقارب والعشيرة بدل الاعتماد على كوادر الحزب المؤهلة، إضافة إلى اعتماد التوريث في الحكم.
ففي مصر، لم يثق الرئيس جمال عبد الناصر إلا بالعسكر، والعسكر ينفذون أوامر ولا يتخذون قرارات، بل يأتمرون بأمر الرئيس، وهذا تسبب بكوارث.

(*) لكن الرئيس جمال عبد الناصر يحظى بشعبية منقطعة النظير، في مصر وأغلب الدول العربية. على الصعيد الشعبي، ما رأيك؟
عبد الناصر قام بأعمال عظيمة، لكنه كان سيئ الاختيار، ومن ذلك اختياره أنور السادات نائبًا له. وقد اتضح ذلك فور تولي السادات الحكم، إذ انقلب على الناصريين، واتجه نحو الولايات المتحدة، وهذا مثبت في كتابات محمد حسنين هيكل. السادات كان واهمًا حين ظن أن التعامل مع إسرائيل كفيل بحل كثير من المشاكل العربية، إذ لم يضع في حسابه أهداف ومطامع الحركة الصهيونية، وغاياتها المتمثلة في السيطرة على البلاد العربية من النيل إلى الفرات، وأجزاء من السعودية والكويت.
أضف إلى ذلك أن استلام العسكر للمناصب المدنية أدى إلى شيوع أساليب في الإدارة لا تبتعد عن الديكتاتورية. فالعسكر اعتادوا تلقي الأوامر من رؤسائهم، وكان ذلك من أسباب نكسة حزيران/ يونيو 1967، وقبلها من أسباب انهيار الوحدة المصرية السورية. كما تسبب حكم العسكر في فقدان ثقة الشعب بالأحزاب والديمقراطية.

(*) واضح من حديثك أن من أهم أسباب تردي الحال العربي تعود إلى غياب الديمقراطية لدى بعض الأنظمة. سؤالي الذي يؤرقني: كيف تسمح الشعوب العربية ببقاء زعامات تتحكم بها لعقود طويلة؟
الشعوب العربية تعاني من عوامل اجتماعية غير صحية، من أبرزها الاهتمام بالوجاهة والمشيخة، مما أدى إلى استشراء الفساد بصور عديدة، مثل الواسطة والمحسوبية، وغياب الاحتكام إلى الديمقراطية، حتى في إدارة شؤونها اليومية.
تجد شخصية تتباهى بوجاهتها وقدرتها على التوسط لتعيين الأقارب، أو تقديم خدمات استثنائية لفئات محددة. كما أن مجالس الوزراء في أكثر من بلد عربي لا تمتلك سلطة حقيقية، بل تنفذ أوامر، أي إنهم موظفون لا مسؤولون. وفي بعض الحالات تتحول السلطة التشريعية إلى سلطة تنفيذية.
والأهم من ذلك كله: لا توجد لدينا ديمقراطية حقيقية، وإن وجدت فهي شكلية. وليكن في معلومك، التاريخ العربي، في مجمله، قائم على الحكم الفردي منذ فجر الإسلام.

(*) ألا يوجد جانب مضيء في الوقت الراهن؟ "طوفان الأقصى" مثلًا؟
الأمة العربية لديها قدرات كبيرة إذا أحسن قادتها استخدامها. حركة حماس في فلسطين نموذج على ذلك. و"طوفان الأقصى" فعل كبير أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة بعد أن كادت تُنسى.
وما الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والمظاهرات الشعبية في العالم، خاصة في الجامعات الغربية، إلا دليل على ذلك.
ما زلت أراهن على الشعوب العربية، وثقتي بها كبيرة، لكنها للأسف لم تحظَ بعد بقيادات صالحة ونظيفة اليد.
عندما أتحدث عن الغرب، وعن المؤامرة الغربية ضد الأمة العربية والإسلامية، فإنني أفصل بين الغرب كأنظمة سياسية وبين شعوبه.
الشعوب الغربية تتعاطف مع القضايا العربية، أي أن العداء يأتي من الأنظمة، أما الشعوب فإن مواقفها تتحدد بناءً على ما تلمسه وتراه وتشعر به. لقد فاجأتني ذات يوم، أثناء عملي في السفارة الأردنية في بون خلال الفترة 1962 ــ 1971 (بون كانت عاصمة ألمانيا الغربية قبل توحيد ألمانيا عام 1990)، سيدة أجنبية تكن مشاعر تعاطف وتضامن كبيرين مع العرب، ومع القضية الفلسطينية على وجه الخصوص. وعندما سألت عنها، وجدت أنها مرتبطة بشخص فلسطيني، نجح في أن يقدم لها صورة مغايرة عن العرب وقضية فلسطين.
هنا لا بد أن نسجل بكثير من التقدير الدور الإيجابي للفلسطينيين والعرب في بلاد الغرب، سواء من يدرسون، أو يعملون، هناك، إذ يسهمون في توضيح عدالة القضية الفلسطينية، وصورة العربي من خلال سلوكهم وحضورهم. وهذه مسألة مهمة، ذلك أن النظرة الغربية للعرب هي نظرة احتقار، والاحتقار هو عدم الاحترام.
الفلسطيني في الغرب لم ينس قضيته، وكان لسلوكه أثر مهم في تشكيل الصورة الذهنية عن الحقوق الفلسطينية لدى كثيرين. كما أن موقفه الإيجابي كان يجبر بقية أبناء الجاليات العربية الأخرى لأن تحذو حذوه.
هذا أمر مهم في ظل النظرة الرسمية الغربية للعرب التي لا تخلو من الاحتقار. أقول لك مثالًا من الواقع: عندما دخلت القوات الأميركية إلى الكويت، كان هنالك استهجان من تعامل العربي مع المرأة.




كما يجب أن أوضح أن النظرة الغربية للعرب تختلف ما بين نظرتهم للأنظمة الحاكمة وبين نظرتهم للشعوب العربية. فإذا كان ليس لديهم مشكلة مع الأنظمة، فلديهم تخوف من الشعوب العربية، وتحديدًا لديهم تخوف من الإسلام، ويرونه تهديدًا حقيقيًا لهم.
لا تتخيل أصداء العملية التي قام بها ماهر الجازي الحويطات، وهو عسكري أردني متقاعد، الذي نفذ عملية إطلاق نار في معبر الكرامة (اللنبي) في أيلول/ سبتمبر 2024، أدت إلى مقتل ثلاثة إسرائيليين قبل استشهاده. هذه العملية كان لها أثر بالغ في العقلية الرسمية الغربية.
في كتابي "طوفان الأقصى في عيون اليهود والصهاينة"، أبرزت مدى إصرار الاحتلال الإسرائيلي على إبادة الشعب الفلسطيني، وممارسة التمييز العنصري. وقد تنبه العالم، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى حجم جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، فاستنكرت شعوبهما هذه الجرائم، بينما تحرك طلاب الجامعات الأميركية والأوروبية احتجاجًا على مواقف حكوماتهم المؤيدة لإسرائيل، التي تمدها بأحدث الأسلحة، وتوفر لها الدعم السياسي.
وفي الكتاب المشار إليه قدمت جملة من الحقائق، أبرزها: أن وجود إسرائيل في قلب الوطن العربي يشكل خطرًا دائمًا يهدد أمن العرب واستقرارهم ويعيق نهضتهم وتطلعاتهم القومية، ما دامت إسرائيل قائمة بدعم حلفائها. فإسرائيل كيان استعماري توسعي لا يعيش إلا بالحروب واحتلال الأراضي، وبث الخوف والاضطراب في محيطه العربي.
وأشرت في الكتاب إلى أن العالم أدرك أن إسرائيل كيان استعماري استيطاني غريب في بيئة معادية له، وأن بقاءه مرتبط باستمرار ضعف الأنظمة العربية واستبدادها وتناحرها، وهو وضع لا يمكن أن يدوم. فعندما تنهض الشعوب العربية، وتمسك بزمام أمرها، وتستعيد ثقتها بنفسها وبقدرتها على التغيير، لن يبقى التاريخ مجرد شاهد متأخر على ما جرى، بل سيصبح فعلًا حيًا يُصنع في الحاضر، لا يُروى في الكتب. عندها، فقط، لن نسأل: لماذا حدث ما حدث؟ بل سنكون نحن من يحدد ما يجب أن يحدث. ذلك أن الأمم لا تُقاس بما مرت به من إخفاقات، بل بما تملكه من قدرة على تحويل تلك الإخفاقات إلى بدايات جديدة. وربما لا تكمن المشكلة في أن التاريخ يتأخر في الإجابة، بل في أننا نتأخر في طرح الأسئلة الصحيحة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.