}

باميلا نصّور: هوليوود منذ نشأتها لم تكن بريئة

دارين حوماني دارين حوماني 2 أبريل 2026


تستكشف هذه المقابلة رحلة المخرجة والباحثة السينمائية اللبنانية باميلا نصّور، الحائزة على دكتوراه في السينما من جامعة القديس يوسف في لبنان. أنجزت نصّور عددًا من الأفلام القصيرة، كان أبرزها "إلى حيثُ" (2019) الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم فني قصير في مهرجان FFTG لعام 2020، ونال تكريمات عديدة في مهرجانات سينمائية عربية ودولية. إلى جانب ممارستها الإخراجية، كتبَت نصّور مقالات في النقد السينمائي وأنجزت بحوثًا عديدة حول السينما.

بعد ثماني سنوات من التدريس الجامعي في لبنان، انتقلت باميلا نصّور مؤخرًا إلى كندا، حيث تشغل منصب نائبة رئيس قسم برمجة الأفلام في مهرجان الفيلم اللبناني، الذي يحتفل في دورته لهذا العام بين 30 أيار/ مايو و10 حزيران/ يونيو باليوبيل الفضي، وأصبح من أبرز الفعاليات السينمائية على الصعيد الرسمي الكندي. وتعمل نصّور حاليًا على فيلم قصير جديد سيتم إنتاجه في كندا.

فيما يلي حوار معها.

(*) نودّ أن نبدأ بالحديث عن تجربتكِ مع "مهرجان الفيلم اللبناني في كندا" الذي تجري الاستعدادات له حاليًا. متى بدأت هذه العلاقة مع المهرجان، وما هي المهام التي تتولينها؟

بدأت علاقتي مع مهرجان الفيلم اللبناني في أيلول/ سبتمبر 2025، وذلك فور وصولي إلى كندا، ولكن يمكنني القول إنّ صلتي به تعود إلى ما قبل ذلك، إذ كنت أتابع أخباره وأهتمّ بأنشطته عن قرب. بعد انتهاء دورته التاسعة، حصل لقاء بيني وبين القائمين عليه هنا، وبحكم خلفيتي الأكاديمية والمهنية، إذ أحمل دكتوراه في السينما، ودرّست في الجامعة في لبنان لمدة ثماني سنوات، إضافة إلى تجربتي الخاصة في صناعة الأفلام، وجدوا أن لديّ ما يمكن أن أقدّمه ضمن مجلس الإدارة.

حاليًا، أشغل منصب نائبة رئيسة قسم برمجة الأفلام، حيث أعمل على اختيار الأعمال وتنظيم حلقات النقاش. وبالرغم من وجود فريق عمل كبير، فإن هذا الجانب هو محور اهتمامي الأساسي داخل الإدارة. يسعدني كثيرًا العمل معهم، خصوصًا أننا نستعد للدورة العاشرة، وهي دورة احتفالية (يوبيلية)، ما يجعل التحضيرات أكثر كثافة وجمالًا، ونطمح إلى تقديم نسخة مميّزة للغاية بهذه المناسبة.

(*) كونك مهاجرة حديثة، إلى أي مدى ترين أن دورك في المهرجان يرتبط ببرمجة تُعنى بربط الاغتراب بلبنان، أو بتقديم أنواع معيّنة من الأفلام التي تمسّ اللبنانيين في الخارج؟

في الواقع، يُعدّ هذا التوجّه أساس عملنا في البرمجة. فمن أهم أهداف المهرجان بناء جسور بين لبنان وكندا، بين ثقافتنا والثقافة الكندية، من خلال تعريف الجمهور اللبناني على السينما المحلية، وفي الوقت نفسه تعريف الجمهور الكندي، ولا سيّما في كيبيك، على هذه السينما.

صحيح أنّ هذا الهدف كان قائمًا منذ انطلاق المهرجان، لكنه اكتسب أهمية مضاعفة في السنوات الأخيرة، إذ بات لبنان يُختصر في نظر كثيرين بعنوان الحرب. نعم، نحن نعيش ظروفًا صعبة، لكن لا يمكن اختزال هويتنا في ذلك فقط. فالفن، والسينما تحديدًا، يشكّلان جزءًا أساسيًا من هذه الهوية، ويجب أن يبقيا حاضرين في الخطاب الثقافي.

من هنا، تدور برمجة هذا العام حول هذا التوازن: نتناول موضوعات الحرب بوصفها جزءًا من تجربتنا، لكننا نحرص أيضًا على اختيار أفلام تتناول جوانب أخرى من المجتمع اللبناني، قصص حب، وأعمال كوميدية، وأفلام وثائقية، وأخرى خيالية، في محاولة لإبراز التنوع الثقافي في لبنان.

(*) هل تسعون إلى إشراك الجمهور الكندي، ولا سيما الكيبيكي، في هذا الحدث بشكل فعّال؟

جميع الأفلام التي تُعرض في مونتريال وفي المدن الأخرى التي يستضيفها المهرجان، مثل هاليفاكس، ومونكتون، وكالغاري، تكون مرفقة بترجمة إما إنكليزية أو فرنسية أو اللغتين، حسب المقاطعة. هذا أمر أساسي بالنسبة لنا، نظرًا لوجود جمهور كيبيكي دائم، ونتوقّع هذا العام حضورًا أكبر من الجمهور الكندي عمومًا، خاصة مع الطابع الاحتفالي للدورة.

كما نحرص على تنظيم نقاشات بعد بعض العروض، يشارك فيها مختصّون أو مترجمون أو أشخاص لديهم خلفيات تتناسب مع مواضيع الأفلام، وتُدار هذه النقاشات بالفرنسية أو الإنكليزية، بحسب طبيعة الجمهور والمتحدثين.


(*) إذا عدنا إلى البدايات، كيف تشكّل وعيكِ السينمائي، وما الذي دفعكِ لتحويل هذا الشغف إلى مسار حياة؟

لا أعرف إن كنت أستطيع تحديد لحظة بعينها، لأن هذا الشغف نشأ معي منذ الطفولة. أذكر أنّني، في سن العاشرة، أمسكت لأول مرة بكاميرا منزلية كانت تُستخدم لتصوير المناسبات العائلية، وقد أبهرتني كثيرًا. بدأت أصوّر العائلة وشجرة الميلاد، وكانت تلك أول مرة أفكّر فيها بحركة الكاميرا.

كما أتذكر تجربة أخرى حين اصطحبتني جدتي إلى المسرح. لم يكن ما أبهرني هو العرض نفسه بقدر ما شدّني ما يحدث خلف الستارة: كيف تُفتح وتُغلق، وما الذي يجري وراءها. ربما كانت تلك اللحظة بداية فضولي تجاه ما وراء الصورة.

تراكمت هذه التجارب الصغيرة، في المدرسة، وفي العائلة، وفي محيطي العام، لتقودني تدريجيًا إلى حبّ السرد، والتمثيل، وصناعة القصص. في البداية، ظننت أنني أريد أن أكون ممثلة، ثم اكتشفت أن شغفي الحقيقي يكمن في خلق القصة نفسها: في الإخراج، والتصوير، والعمل على التفاصيل البصرية. ومع الوقت، أدركت أن السينما هي الوسيط الذي أستطيع من خلاله التعبير عن هذا كله بشكل طبيعي.

(*) فيلمكِ "إلى حيثُ" (2019) اتخذ منحى تجريبيًا واضحًا، ما الذي دفعكِ لاختيار هذا الشكل الفني تحديدًا؟

في الحقيقة، استغرق تصوير هذا الفيلم خمس سنوات، وذلك بسبب ظروف العمل، إذ كان مدير التصوير يزور لبنان مرة واحدة في السنة، ولم يكن بإمكاني العمل معه إلا ليوم واحد في كل مرة.

الفكرة الأساسية كانت تصوير بشرة المرأة باستخدام عدسة "ماكرو" التي تُظهر تفاصيل لا تراها العين المجردة. كنا نصوّر أجزاء من الجسد، كالذراع أو الرقبة، فتبدو كأنها جبال أو وديان أو حتى صحراء. كان الهدف أن نرى ما يمكن للكاميرا أن تكشفه أبعد من الرؤية السطحية، وأن نبتعد عن الصورة النمطية المبتذلة للجسد بوصفه مجرد موضوع للعرض.

في الدقائق الأولى من الفيلم، يظن المشاهد أنه يرى مناظر طبيعية، جبال ووديان وصحراء، قبل أن يكتشف لاحقًا أنه أمام تفاصيل دقيقة من الجسد البشري. هنا تكمن فكرة التجريبي.

أما كونه فيلمًا تجريبيًا، فلأنه لم يكن قائمًا على سيناريو تقليدي. كانت لدينا فكرة، لكننا كنا نكتشفها أثناء التصوير، من خلال التجربة المباشرة مع الكاميرا. وهذا ما يميّز السينما التجريبية: حرية كاملة في التعبير، بعيدًا عن القيود السردية المعتادة.

اخترت الشكل التجريبي لأنه يتيح لنا حرية مطلقة، لا شيء يقيّدنا، بإمكاننا التعبير عن كل ما نريده من خلال الفيلم التجريبي ضمن إطار الفكرة، وخاصة أنه كان أول عمل لي. أردت أن أختبر إمكانات الصورة، وأن أخوض تجربة جديدة مع الكاميرا. وقد نشأ المشروع بشكل عفوي جدًا، من رغبة مشتركة بيني وبين مدير التصوير، ثم تطوّر تدريجيًا حتى اكتمل.

(*) فيلم "محاولة" (2021) يتناول سعي الإنسان اللبناني للتأقلم مع الواقع الاجتماعي والسياسي بعد ثورة تشرين. ماذا أردتِ أن تقولي من خلال هذا الفيلم؟ وهل ترين أن التكيّف مع الواقع بعد الثورة هو شكل من أشكال المقاومة أم بداية للاستسلام؟

يتناول فيلم "محاولة" قصة أستاذ مدرسة يُدعى ألفريدو، وقد أهديتُ العمل إلى أستاذي "ألفريد" الذي كان له تأثير عميق في تكويني، إذ أسهم في تطوير وعينا السياسي، وعلّمنا كيف نقرأ ما بين السطور، لا أن نكتفي بظاهر الأمور.

الفيلم جاء، في جوهره، كردّة فعل على واقع سياسي معيّن، لكنه ليس فيلمًا سياسيًا بالمعنى المباشر. عندما اندلعت الثورة عام 2019، كنت قد تأثرت سابقًا بطريقة تفكير أستاذي، فلم أعد أتعاطى مع الأخبار بشكل سطحي. في تلك الفترة، كنت أدرّس في الجامعة، ولاحظت أن بعض الطلاب كانوا متحمسين للنزول إلى الشارع، لكن من دون فهم عميق لما يحدث. كنت أقول لهم دائمًا: "افهموا أولًا، ثم ثوروا".

من هنا وُلدت شخصية ألفريدو، وهي شخصية خيالية مستوحاة من أستاذي، تمثّل موقفًا نقديًا من السطحية التي قد ترافق بعض أشكال التفاعل مع الأحداث. يمكن للمشاهد أن يفسّر الفيلم على أني مع الثورة أو ضدها، لكن في الحقيقة، هو يدعو إلى التأمّل العميق قبل اتخاذ الموقف.

الفيلم يعكس الواقع، لكنه يطرح أيضًا ضرورة فهمه قبل تمثيله أو توثيقه. لا يكفي أن ننزل إلى الشارع ونأخذ صورًا مع العلم اللبناني، هذه ليست ثورة، بل يجب أن ندرك ما الذي نثور عليه ولماذا. وبالتالي هو رسالة، ليس رسالة سياسية أني "مع" أو "ضد". في هذا السياق، اعتمدنا على بحث مكثّف شمل مراجعة نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية والمقابلات، واستندنا إلى مواد حقيقية في كتابة بعض المشاهد، ليكون الفيلم بمثابة مرآة لما حدث. 

لم يكن هدفي إصدار حكم أو تبنّي موقف، بل كنت بحاجة شخصية إلى إنجاز هذا العمل، كوسيلة لفهم ما جرى والتعلّم منه.

(*) من خلال تجربتكِ في التعليم الجامعي، كيف تقيّمين مستوى وعي الجيل الجديد من طلاب السينما اليوم؟ وهل ترين أن التحوّلات الثقافية والظروف المحيطة التي قد تعزّز النزعة نحو السطحية تنعكس على مقارباتهم الفنية والفكرية، أم أنهم ينجحون في مقاومتها وتطوير رؤى أكثر عمقًا؟

خلال مسيرتي، درّست عددًا كبيرًا من الطلاب في مناطق مختلفة، ويمكنني القول إنّ تأثّر الطالب بأستاذه يشبه إلى حدّ كبير تأثّرنا نحن بأساتذتنا.

هناك طلاب يلتحقون بالجامعة بدافع الضرورة فقط، وهناك من يدخل بشغف حقيقي للتعلّم، فتجد لديه رغبة كبيرة في المعرفة. لذلك، يبقى الأمر نسبيًا ويختلف من طالب إلى آخر.

لكن ما لفتني فعلًا هو أن بعض الطلاب في المناطق البعيدة عن المركز، مثل طلاب السينما في مدينة عكّار، كان لديهم شغف استثنائي بالتعلّم، ورغبة حقيقية في تطوير أنفسهم، رغم محدودية الفرص. شعرت أن لديهم طاقات ومواهب دفينة، لكنهم يحتاجون إلى من يساعدهم على صقلها وإبرازها.

ربما يعود ذلك إلى أنهم لا يملكون نفس فرص الوصول المتاحة في المدن المركزية مثل بيروت، ما يدفعهم إلى بذل جهد أكبر للتعلّم والاكتشاف. وقد لاحظت الأمر نفسه لدى طلاب من مناطق جبلية أو بعيدة نسبيًا.

بشكل عام، الجيل الجديد متنوّع: هناك من يمتلك وعيًا عميقًا وأفكارًا مبتكرة، وهناك من لا يزال في بداية الطريق، كما هي الحال في أي مجال.


(*) هل ترين أن انتقالكِ إلى كندا قد يطرح تحديات أمام استمراريتكِ في مجال التعليم الجامعي، خصوصًا في ظل اختلاف الشروط والمعايير الأكاديمية هناك؟


في هذه المرحلة، أشعر بحاجة إلى أخذ استراحة من العمل الأكاديمي. لكنني بالتأكيد أنوي العودة إليه لاحقًا.

هذه تجربة يمرّ بها كثير من المهاجرين، خصوصًا في كندا، حيث يتطلب الدخول إلى المجال المهني شبكة علاقات ومعارف. فالمسألة لا تتعلق بالكفاءة فقط، بل أيضًا بالاندماج وبناء شبكة مهنية.

بدأت بالفعل ببناء هذه الشبكة، وما زال أمامي طريق طويل، لكنني واثقة أنني سأعود إلى التدريس، لأنه جزء أساسي من تكويني. التعليم بالنسبة لي ليس مجرد مهنة، بل هو شغف فطري.

في الوقت الحالي، سمحت لنفسي بهذه الاستراحة، خاصة بعد سنوات من العمل والدراسة المكثّفة، إذ إن البحث الأكاديمي لا يتوقف حتى بعد نيل الدكتوراه. ومع ذلك، أعلم أنني سأعود إليه في الوقت المناسب.

(*) في مقال لك في جريدة "الأخبار" اللبنانية بعنوان "الخوف والقرف في هوليوود"، قدّمتِ نقدًا مباشرًا ولاذعًا لصناعة السينما الأميركية. هل ترين أن الأسلوب الغونزي في السينما يمكن أن يكون أداة نقدية للموروث السينمائي؟

نعم، هو بالفعل نقد. في ذلك المقال، الذي كُتب ضمن ملف خاص عن أسلوب "الغونزو"، تناولتُ فيلم "الخوف والقرف في لاس فيغاس" (Fear and loathing in Las Vegas ) بوصفه مثالًا على هذا الاتجاه. والفيلم عن غونزو نفسه.

نحن غالبًا ما نُبهر بهوليوود، بأضوائها وسحرها، لكننا ننسى أنها في جوهرها صناعة. إنها منظومة تنتج النجوم، تستهلكهم ثم تدمّرهم، يفعلون كل شيء ليصنعوا منه مالًا، وتصنع الأفلام بوصفها سلعًا تجارية تهدف إلى الربح.

حين تتحوّل السينما من فن إلى صناعة بحتة، تظهر إشكاليات عميقة. فهوليوود، منذ نشأتها، لم تكن بريئة بالكامل - وأقولها علنًا وأنا أعلم أنها قد ترتدّ عليّ- بل قامت على منطق السوق. نحن نراها جميلة ولكنها بشعة من الداخل كيف تصنع الفيلم والممثل لإنتاج الأموال.

قد يبدو هذا الطرح صادمًا للبعض، خاصة أن حلم كثير من المخرجين هو الوصول إلى هوليوود، ومع أن حديثي قد يبدو متناقضًا فأنا بالتأكيد مثل غيري أحب أن يكون إنتاج فيلمي هوليودي ولكن عندما تنظر إليها بعين الباحث، لا يمكنك تجاهل هذا الجانب. من هنا جاء المقال، كنوع من التأمّل النقدي فيما يحدث خلف الكواليس، بعيدًا عن بريق الشاشة، وكان هذا الفيلم مثل أفلام أخرى تغّذي هذه الفكرة عن هوليود. الفيلم هو ردة فعل على واقع هوليود وماذا يوجد خلف الأضواء بعد أن تُطفأ.

(*) أود أن اسألك سؤالا سألتٍه للمخرج ساشا أندريس- أوليفيرا في مقابلة لك معه ولكن مع تعديل طفيف؛ الاحتكاك بمدينة مونتريال بما فيها من طبقات وثقافات ولغات وإثنيات، هل ألهمتك لفكرة فيلم، وما هي مشاريعك المستقبلية كصانعة أفلام؟

نعم، لقد ألهمتني مونتريال بشكل كبير، خصوصًا بتنوّعها الثقافي والإنساني. أعمل حاليًا على فيلم جديد بعنوان مؤقت "Point Mort" (لا يزال الاسم العربي قيد البحث)، ونحن في مرحلة الإنتاج.

هذا المشروع مستوحى بشكل مباشر من التجربة في هذه المدينة، ومن التفاعل مع هذا التنوّع الغني.

تدور فكرة الفيلم حول شابة لبنانية في أوائل الثلاثينات من عمرها، تصل إلى مونتريال بحثًا عن فرصة عمل. الشخصية تحمل بعض التقاطعات مع تجربتي الشخصية، لكن من دون أن تكون سيرة ذاتية مباشرة.

نرافق هذه الشابة، واسمها "ناي"، خلال يوم واحد، تحديدًا في طريقها من منزلها إلى مقابلة عمل. غير أنّ هذا المسار البسيط يتحوّل إلى رحلة داخلية، إذ تتلقّى أثناء الطريق خبرًا من لبنان، فتبدأ سلسلة من المكالمات والرسائل مع عائلتها.

من خلال هذه الاتصالات، تنكشف تدريجيًا قصة حب غير مكتملة تركتها خلفها في لبنان، ولم تُحسم بعد. ومع تقدّم الرحلة، تظهر آثار هذه العلاقة، كأنها ترافقها في انتقالها الجغرافي، وتؤثّر في حالتها النفسية.

الفيلم، في جوهره، يتناول تجربة الازدواجية التي يعيشها المهاجر: أن تكون هنا وهناك في الوقت نفسه. تعيش في كندا، تمارس حياتك اليومية، لكن ذهنك وعاطفتك مرتبطان بما يحدث في لبنان. فرق التوقيت، والاتصالات اليومية، والشعور بالانقسام بين واقعين، كل ذلك يصنع حالة من "الواقع المزدوج"، بمثابة واقعين مختلفين داخل جسد واحد. "صباح الخير" عندك هو "مساء الخير" عندهم، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يمر يوم من دون التواصل مع لبنان.

هذه التجربة كانت صعبة بالنسبة لي في البداية، وهي التي دفعتني إلى كتابة هذه الشخصية.

(*) ذكرتِ في حسابكِ على إنستغرام أنكِ أعدتِ كتابة أحد المشاهد مرارًا. ماذا يكشف هذا التكرار؟

أي كاتب سيناريو متمكّن يمرّ بهذه العملية. هناك مقولة شائعة بيننا: إن المسودة الأولى هي الأسوأ دائمًا، وهي مجرد نقطة انطلاق لإعادة الكتابة والتحسين المستمر.

المشهد الذي أشرتُ إليه هو المشهد المحوري في الفيلم، حيث تنكشف فيه حقيقة أساسية عن الشخصية. في النسخة الأولى، كان الحوار مهذّبًا أكثر من اللازم، وربما "مجمّلًا" بشكل لا يعكس حقيقة الشخصية.

لدينا، خصوصًا في بيئتنا، نزعة إلى تلطيف الكلام، لتجنّب جرح الآخر. لكن في السينما، لا يمكن دائمًا الالتزام بهذا الحذر. كان عليّ أن أواجه حقيقة الشخصية كما هي، حتى لو كانت قاسية أو جارحة.

في البداية، كتبت المشهد من وجهة نظري أنا، ثم أدركت أن عليّ أن أكتبه من داخل شخصية "ناي"، لا من خارجي. حاولت أن أفهم دوافعها وخلفيتها، لا أن أحكم عليها أو أبرّر أفعالها.

عندما قرأت الممثلة الرئيسية، ميشيل وهبة، النص، قالت لي إن الشخصية "مجنونة" ولا تستطيع تبرير تصرّفاتها. فقلت لها: ليس مطلوبًا أن تبرّريها، بل أن تفهميها. وهذا كان المفتاح.

احتجت إلى ست أو ثماني نسخ من هذا المشهد حتى أصل إلى الصيغة التي تعبّر فعلًا عن الشخصية، من دون أن أُسقط عليها ذاتي ككاتبة.

(*) ما هو المشروع الذي تحلمين بإنجازه مستقبلًا؟ هل هناك فكرة تراودكِ وتشعرين بصعوبة تحقيقها؟

في الوقت الحالي، لا توجد فكرة محدّدة أقول إنها المشروع الحلم، لكنني أشعر أنني وصلت إلى مرحلة جديدة في مسيرتي.

هذا هو فيلمي القصير الرابع، وقد أنجزت أيضًا فيلمين وثائقيين، وأعتقد أنني أصبحت جاهزة للانتقال إلى الفيلم الطويل. لطالما طُرح عليّ هذا السؤال، وكنت متردّدة سابقًا، لأن الفيلم الطويل يتطلّب نضجًا فكريًا واستعدادًا مختلفًا، وهو مشروع يمتدّ على سنوات.

رغم حبي الكبير للأفلام القصيرة، لأنها مكثّفة وذكية وتتطلّب مهارة عالية في السرد، أشعر اليوم أنني أغلقت هذه المرحلة، وأصبحت أفكّر بجدية في إنجاز فيلم طويل.

أتخيّل أن يكون فيلمًا روائيًا يحمل قصة إنسانية، ربما قصة حب، مع بُعد اجتماعي أو سياسي. لكن بالنسبة لي، السياسة لا تعني بالضرورة الحديث المباشر عن الحروب أو الشخصيات السياسية، بل هي جزء من الحياة اليومية: كيف يعيش الإنسان ضمن ظروف معيّنة، وكيف تؤثّر هذه الظروف عليه.

أميل إلى الأفلام المنبثقة من الواقع، حتى وإن كانت متخيّلة، ولا أجد نفسي كثيرًا في أفلام الخيال العلمي، رغم تقديري لها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.