}

زهير توفيق: لإدراك العالم كما هو لا كما نتصوّره

أحمد طمليه 11 مايو 2026
حوارات زهير توفيق: لإدراك العالم كما هو لا كما نتصوّره
الدكتو زهير توفيق

فاز الباحث الأردني د. زهير توفيق بـ"جائزة الشيخ زايد للكتاب" في دورتها العشرين، ضمن فرع الفنون والدراسات النقدية، وذلك عن كتابه "إدراك العالم: الصور النمطية المتبادلة بين الأنا والآخر"، وهو عمل فكري يسعى إلى تفكيك واحدة من أعقد الإشكاليات في الوعي الإنساني: كيف نرى الآخر؟ وكيف نصنع صورته؟
في هذا الحوار، نقترب من تجربة توفيق، ومن أفكار كتابه، ومن رؤيته لجدل الأنا والآخر، في سياق عربي وعالمي معقّد.
والدكتور زهير توفيق باحث في قضايا الفلسفة والفكر، يشغل منصب رئيس جمعية النقاد الأردنيين، وعضو في الجمعية الفلسفية الأردنية. نشر عشرات الأبحاث النقدية والفلسفية في الدوريات العربية، وصدرت له مجموعة من الكتب الفكرية والفلسفية.
من بين هذه الكتب: "أديب إسحق مثقف نهضوي مختلف" (2004)؛ "خطاب العلم والتقدم" (2006)؛ "المثقف والثقافة" (2013)؛ "إشكالية التراث في الفكر العربي المعاصر" (2013)، و"النقد الفلسفي... من الإصلاح إلى التغيير ومن النقض إلى التقويض" (2016)، إضافة إلى "النهضة المهدورة... مراجعات نقدية في المشروع النهضوي العربي وبناء المعرفية".
كما صدرت له أعمال شعرية، منها: "أضواء ليلى في بحار السندباد"، و"سماء أوديتي رؤاي"، و"محجر الدموع جف".



(*) كيف استقبلت خبر الفوز بالجائزة؟
كنت في عمّان أتابع نشاطًا ثقافيًا حين جاءني اتصال يُخبرني بالخبر. بطبيعتي، أميل إلى الهدوء، ولا أُكثر من الكلام حين تكون الأحاديث عابرة، لكن هذه اللحظة كانت مختلفة. شعرت بأهمية الجائزة، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل لما تمثّله من قيمة معرفية وثقافية رفيعة.
أفتخر بفوز كتابي بهذه الجائزة، لثقتي بأنها على مستوى عالٍ من الجودة والصرامة، إذ لا يفوز فيها إلا عمل واحد من بين عدد كبير من الأعمال المرشحة. وقد بلغني أن عدد الأعمال في حقل الفنون والدراسات النقدية وصل إلى نحو 4500 كتاب، وهو ما يعكس حجم المنافسة وقيمة التقدير.

(*) حدثنا عن كتاب "إدراك العالم...".
جاء هذا الكتاب بعد سنوات من العمل البحثي، مستندًا إلى 73 مرجعًا عربيًا، و11 مرجعًا بلغات أجنبية. وهو محاولة لفهم كيف تتشكّل الصور النمطية بين الأنا والآخر، سواء في السياق العربي، أو الغربي، عبر التاريخ، من العصور الوسطى، وصولًا إلى الاستشراق الحديث.
الكتاب لا ينظر إلى هذه الصور بوصفها مجرد انعكاسات عابرة، بل بوصفها نتاجًا لتراكم ثقافي طويل شاركت في صياغته مصادر دينية وأدبية وفكرية متعددة.

(*) كيف قرأت لجنة الجائزة هذا العمل؟
بحسب البيان الصادر عن الجائزة في أبو ظبي، فإن الكتاب يبيّن أن تمثلات الآخر ليست نتاج لحظة عابرة، بل ثمرة تراكم ثقافي. كما أن من أهم ما يميّز العمل هو نظرته إلى الآخر، بوصفه عنصرًا بنيويًا في تشكّل الذات العربية، متجاوزًا الثنائيات الحادة، ومقدّمًا قراءة متوازنة تكشف تمثلات متبادلة ومتغيرة.

(*) كيف تفسّر بإيجاز تشكّل صورة الآخر؟
أرى أن ما يمكن تسميته بـ"العقل الشعوري" ــ لا العقل المعرفي ــ هو الذي حكم تشكيل صورة الآخر. هذا العقل يقوم على مركزيات متبادلة، ترى في الآخر طرفًا أدنى، وتبني علاقة ثنائية مغلقة.




في هذه الحالة، تتراجع المعرفة، وتتقدّم المشاعر، مثل الخوف والكراهية والتعصّب. وهنا تتحول صورة الآخر من مدخل لفهم الذات إلى عائق أمام تحققها، ويُستبدل التفاعل بالصراع، والتواصل بمنطق القوة.

(*) ما دور الثقافة العربية في تشكيل هذه الصورة؟
الثقافة العربية الإسلامية لعبت دورًا مركزيًا في هذا السياق، من خلال مجالات متعددة، مثل الأدب، والفقه، وكتب الملل والنحل، والجغرافيا البشرية. هذه الحقول لم تكتفِ بوصف الآخر، بل ساهمت في تنميطه ضمن قوالب جاهزة تراوحت بين الذم والمدح.
ثم جاءت أدبيات الرحلة والجغرافيا لتعزّز هذا الاتجاه، إذ منحت نفسها سلطة معرفية قائمة على المشاهدة، لكنها كثيرًا ما وقعت في تضخيم "العجيب" و"الغريب"، حتى صار الاختلاف نفسه موضوع دهشة، لا موضوع فهم.

(*) تطرح فكرة أن المسافة تصنع الوهم، كيف ذلك؟
كلما ابتعدنا عن الآخر، قلّت معرفتنا به، وزادت قابليته لأن يُملأ بالخيال والتأويل. عندها يتحوّل إلى كيان غريب ومثير، ثم يُحمَّل بصفات مثل التناقض والشذوذ.
في هذه الحالة، تنحرف اللغة من الوصف إلى المجاز، وتختلط الجغرافيا بالسرد الأدبي، أحيانًا بدافع فضول القارئ، وأحيانًا لخدمة مصالح السلطة.

(*) ما المقصود بالصورة النمطية في هذا السياق؟
ما نسمّيه "صورة الآخر" ليس هو الآخر نفسه، بل تمثيل له. هذه الصورة تُضخّم جانبًا، وتُقصي آخر، وغالبًا ما تتشكّل خارج التجربة المباشرة.
العقل هنا يتوهّم أنه يطابق الواقع، لكنه في الحقيقة يعكس مخياله وأحكامه المسبقة. لذلك أقول: "الصورة ليست الواقع، حتى لو دار الصراع حولها".
بل إن الأنا نفسها لا تتشكّل إلا بوجود الآخر، وكلاهما بناء تاريخي مرتبط بوعي الإنسان بذاته.

(*) تستند إلى والتر ليبمان، ماذا تضيف هذه المرجعية؟
والتر ليبمان قدّم فكرة أساسية مفادها أن الإنسان لا يتفاعل مع العالم مباشرة، بل مع الصور التي كوّنها عنه. بمعنى أننا لا نستجيب للواقع كما هو، بل للصور التي نحملها عنه.
وهنا تكمن خطورة الصورة النمطية؛ فهي معرفة تبدو منطقية، لكنها في جوهرها وعي زائف، وعلاقتها بالحقيقة هشّة، وقد تعمل على مستوى لا شعوري.

(*) كيف ترى مأزق الذات العربية اليوم؟
في سياق النهضة، انقسمت الذات العربية بين اتجاهين: تيار سلفي اختار رفض الغرب والانكفاء، وتيار ليبرالي سعى إلى الاندماج في الحداثة الغربية.
التيار الليبرالي، رغم طابعه النقدي، حاول إثبات ذاته عبر القطيعة مع التقليد، والتركيز على القيم الإنسانية والعالمية، واختزال الغرب في الديمقراطية والتحرر من الاستبداد.



لكن هذه المقاربة وقعت في فخ آخر، إذ تبنّت صورة مبسّطة عن الغرب، لا تقل اختزالًا عن الصورة التي رفضها التيار السلفي.

(*) ما هو السؤال الجوهري الذي يطرحه الكتاب؟
السؤال الأهم هو: هل نرى العالم كما هو، أم كما نرغب أن يكون؟
المشكلة، في تقديري، لا تكمن في الآخر بقدر ما تكمن في الصورة التي نصنعها عنه. هذه الصورة تتحوّل مع الزمن إلى واقع نتعامل معه وكأنه الحقيقة.
وهنا تكمن المفارقة: كلما اعتقدنا أننا نفهم الآخر، كنا ــ في كثير من الأحيان ــ لا نفهم سوى أنفسنا، ولكن في صورة مشوّهة.

(*) ماذا عن الجائزة وسياقها الثقافي؟
شهدت الدورة الحالية من جائزة الشيخ زايد للكتاب مشاركة واسعة تجاوزت 4 آلاف ترشيح من 74 دولة، وهو ما يعكس مكانتها العالمية. كما تضم قائمة الفائزين هذا العام أسماء من دول متعددة، منها الأردن، وألمانيا، والعراق، ومصر، والمغرب، والإمارات.
وسيتم تكريم الفائزين خلال حفل ينظمه مركز أبوظبي للغة العربية في شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، حيث يحصل الفائزون على ميداليات ذهبية وشهادات تقدير، إضافة إلى جائزة مالية بقيمة 750 ألف درهم.

(*) هل من كلمة أخيرة.
يبقى كتاب "إدراك العالم" محاولة لطرح سؤال يتجاوز حدود الثقافة العربية، إلى الإنسان عمومًا: هل نرى العالم كما هو، أم كما تصوّره لنا ذاكرتنا ومخاوفنا وأحكامنا المسبقة؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه ــ في العمق ــ يعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا قبل الآخر.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.