تأسست رابطة الكتّاب الأردنيين عام 1974، في ظلّ واقع سياسي واجتماعي كان يشهد تغيّرات متسارعة في المملكة. آنذاك، كانت الحركة الأدبية بحاجة إلى كيان ثقافي مستقلّ يوفّر مساحات للتعبير عن الرؤى والأفكار بعيدًا عن القيود. لم تكن الرابطة مجرد جمعية أدبية، بل كانت ضرورة ثقافية أملتها الظروف، وكانت أولى خطواتها بناء جسر من التواصل بين الكتّاب الأردنيين من جهة، وبين العالم العربي من جهة أخرى. وقد أسهمت الرابطة في تعزيز مكانة الأدب الأردني على الصعيدين المحلي والعربي، إذ غدت منصّة للمبدعين والشعراء لتبادل الأفكار والرؤى، ورسم ملامح هوية أدبية خاصة بالأردن.
تعاقب على رئاسة الرابطة منذ تأسيسها أدباء لهم حضورهم في الساحة الثقافية الأردنية: عبد الرحيم عمر (1974)، محمود الفاعوري (1975)، محمد أديب العامري (1977)، عبد الرحمن ياغي (1981)، محمود السمرة (1982)، هاشم ياغي (1984)، خليل السواحري (1985)، خالد الكركي (1986)، فخري قعوار (1992)، مؤنس الرزاز (1995)، إبراهيم العبسي (1997)، جمال ناجي (2001)، أحمد ماضي (2003)، سعود قبيلات (2007)، موفق محادين (2011 للمرة الأولى)، زياد أبو لبن (2015)، محمود الضمور (2017)، سعد الدين شاهين (2019)، أكرم الزعبي (2024)، وها هو رياض ياسين رئيسًا لعام 2026.
الدكتور رياض ياسين أكاديمي ومؤرخ وكاتب أردني، انتُخب رئيسًا للرابطة، وكان يشغل سابقًا منصب نائب رئيس الرابطة، إلى جانب عمله أستاذًا جامعيًا. يحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة في التاريخ، ويعمل عضو هيئة تدريس وأستاذًا في تخصص التاريخ.
عُرف بنشاطاته البارزة في الرابطة، ومن أبرزها تنسيق مشروع "ذاكرة المكان وجماليته"، وله أطروحات ومقالات نقدية وثقافية.
هنا حوار خاطف معه بعد انتخابه رئيسًا لرابطة الكتّاب الأردنيين يوم الخامس عشر من شهر أيار/ مايو 2026.
(*) مبروك للتيار الثقافي الديمقراطي فوزه المستحق في انتخابات رابطة الكتّاب الأردنيين، بعد حصوله على سبعة مقاعد مقابل أربعة لكتلة "توافق"، ما يعني تولّيكم رئاسة الرابطة للدورة المقبلة ومدتها عامان. ماذا تقولون بهذه المناسبة؟
كل الشكر والتقدير للهيئة العامة المقدّرة والمحترمة على حرصها على إنجاح العملية الانتخابية وإتمام الاستحقاق وفق النظام الداخلي. وكانت المنافسة في أوجها، ما يدلّ على وجود اهتمام كبير. أمّا توزيع الحقائب فعادة ما يسير وفق قواعد الديمقراطية، حيث تكون الغلبة لمن يمتلك العدد الأكبر من المقاعد في الهيئة الإدارية. وقد فاز سبعة أعضاء من التيار الديمقراطي الذي أمثّله، في حين فاز أربعة زملاء من تيار «توافق»، القائمة المنافسة، ولم يفز أي مرشح مستقل.
"التطبيع" عقوبته الفصل النهائي
(*) رغم أن الانتخابات جرت — بشهادة كثيرين — بنزاهة لا تترك مجالًا يُذكر للشك، فإن بعض الأصوات سارعت إلى التشكيك بالنتائج، واللجوء إلى اتهامات غير مفهومة، مثل الحديث عن "التطبيع" أو الادعاء بأن النتيجة كانت محسومة سلفًا، في محاولة للطعن بنزاهة العملية الانتخابية والاحتماء بخطاب المؤامرة. برأيكم، ما أسباب هذا الاحتقان؟
جرت الانتخابات في مؤتمر عام علني بحضور جميع الأطراف، حتى إن بعض الزملاء المقاطعين شاركوا في العملية الانتخابية، وهذا يدلّ على أن كل ما يُقال أو يُشاع ليس دقيقًا. أمّا الثوابت التي تتمسك بها الرابطة فلن يتم المساس بها، خاصة أن "التطبيع"، إذا ثبت على أي زميل، ستكون عقوبته الفصل النهائي من الرابطة وفقًا للنظام الداخلي.
(*) تُعدّ انتخابات رابطة الكتّاب الأردنيين من أكثر الانتخابات الثقافية سخونة وتعقيدًا في الأردن، حتى إن بعضهم يذهب إلى مقارنتها — من حيث الأهمية والاهتمام — بالانتخابات النيابية. هل تتفقون مع هذا الرأي؟ ولماذا؟
الرابطة مؤسسة عريقة، وهي إحدى أهم مؤسسات المجتمع المدني، وقد لعبت دورًا تاريخيًا مهمًا عاصرت خلاله مراحل مختلفة من تاريخنا الحديث والمعاصر. كما تعرضت، عبر أكثر من خمسة عقود، إلى كثير من الرياح العاتية والتحديات نتيجة الظروف السياسية المحلية والإقليمية، انطلاقًا من كون المثقف والكاتب مشتبكًا مع القضايا العامة؛ ولذلك لا يمكن أن تكون الرابطة في منأى عن المواقف.
لكن الإشكالية تكمن في تسييس الرابطة، وهو ما أرى أنه لا يخدم عملها وأهدافها ورسالتها. ونتمنى في المرحلة المقبلة أن نتمكن من التغيير والتحديث؛ فالرابطة بحاجة إلى نهضة جديدة تبدأ بإصلاح وتعديل النظام الأساسي، ولا تنتهي عند تحصيل كثير من المكتسبات التي يحتاجها الكاتب الأردني. لذلك سنعمل على تنفيذ خطة شمولية خلال المرحلة المقبلة لتغيير العديد من الجوانب التي تنهض بالرابطة وتعيد الثقة إلى الهيئة العامة.
المثقف الحقيقي هو المنتج للثقافة
(*) أنتم وجه جديد نسبيًا في المشهد الثقافي الأردني. كيف تقدّمون أنفسكم للوسط الثقافي من حيث الميول الفكرية والاهتمامات الإبداعية والقراءات التي أسهمت في تكوينكم؟
أنا عضو في الرابطة منذ عام 2004، وقد عملت في مؤسسات ثقافية متعددة، وكتبت في الصحافة، ولديّ إصدارات علمية وأبحاث أكاديمية ومشاركات عربية ودولية وجوائز أيضًا. وأرى أن المثقف الحقيقي هو المنتج للثقافة ضمن مفهوم شامل يتجاوز التعريفات المقيدة لها بالحقول الأدبية. فالأصل هو الإبداع؛ وقد يكون المؤرخ مبدعًا، وقد يكون الفيلسوف مبدعًا، وقد يكون الطبيب مبدعًا، وهكذا.
برنامج التيار الثقافي الديمقراطي
(*) ما البرنامج الذي خاض به التيار الثقافي الديمقراطي هذه الانتخابات، وعلى أساسه حاز ثقة الهيئة العامة وتولّى رئاسة رابطة الكتّاب الأردنيين؟
البرنامج نُشر قبل الانتخابات بفترة، وقد لاقى إعجاب كثيرين من الزملاء في الهيئة العامة. وكان الطرح شاملًا يغطي الجوانب النقابية، من تأمين صحي وفرص وظيفية، ومساندة الزملاء في النشر والمشاركة في الفعاليات المحلية والعربية والدولية، إلى خلق فرص إبداعية، والعمل على إيجاد مقر مناسب لهذه المؤسسة العريقة، وتوفير حافلة تمتلكها الرابطة لتعزيز التفاعل مع المحافظات للمشاركين من الزملاء المبدعين.
(*) ما أبرز الأولويات التي ستعملون عليها خلال الدورة المقبلة، سواء على مستوى الدفاع عن الحريات الثقافية، أو تفعيل دور الرابطة، أو تحسين أوضاع الكتّاب المعيشية والمهنية؟
سيتم التواصل مع الجهات الرسمية الحكومية، خاصة في موضوع الحريات الذي بات حديث الساعة، إذ هناك مطالبات بإعادة النظر في موضوع "المنصة" التي تتولى توثيق وإقرار الفعاليات الثقافية، وهي منصة حكومية تشمل جميع الهيئات، وليس الرابطة فقط. لكن خصوصية الرابطة وفلسفتها ودورها التنويري والإبداعي تقتضي النظر في سقف الطروحات الذي يرى البعض أنه انخفض كثيرًا، بما لا يخدم عمل الرابطة.
وسنقوم بالتواصل مع الجهات الرسمية، وتشكيل وفد لزيارة وزير الثقافة ووضعه في صورة مطالب الزملاء في الهيئة العامة. ومن التحديات أيضًا إيجاد موارد مالية إضافية تسهم في تغطية نفقات أنشطة ومشاريع ثقافية مختلفة، فالجميع يعلم أن الموارد المالية للرابطة لا تكفي لتغطية النفقات، خاصة أن المبنى مستأجر ومكلف، ويستهلك من الميزانية أكثر من الثلث تقريبًا.
نحن أمام مرحلة جديدة شكلًا وموضوعًا
(*) هناك من يرى أن الرابطة بحاجة اليوم إلى تجديد خطابها وأدواتها والانفتاح أكثر على الأجيال الجديدة. كيف تنظرون إلى هذه المسألة؟ وهل لدى التيار الثقافي الديمقراطي رؤية عملية لتحقيق ذلك؟
نحن في الهيئة الإدارية حريصون على إشراك الجميع، خاصة الزملاء الجدد، والأصل أن يكون هناك تواصل مع الجيل الجديد، وهذا يتطلب تغيير نمط الخطاب وطريقة العمل، خاصة أننا نعيش في عصر الأدب الرقمي. ولذلك سنكون أمام مرحلة جديدة شكلًا وموضوعًا.
(*) كيف ستتعاملون مع حالة الاستقطاب التي رافقت الانتخابات، وهل ستسعون إلى بناء شراكة مع مختلف التيارات داخل الرابطة رغم التنافس الحاد الذي شهدته المرحلة؟
الرابطة للجميع، والانتخابات حالة طبيعية فيها تجاذبات واستقطابات ومنافسة. وعندما يتم اختيار هيئة إدارية جديدة يصبح الجميع شركاء في العمل. ونحن منفتحون على الهيئة العامة، وسيتم التواصل معها من دون حواجز أو حسابات أو اعتبارات. والمسألة ليست شراكات، فالرابطة لجميع منتسبيها بصرف النظر عن التيارات أو الميول السياسية أو الفكرية.


تحميل المقال التالي...