في مطلع العام الجاري، تسلّم الوزير اللبناني السابق، الدكتور ناصر ياسين، منصب المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، خلفًا للدكتور خالد زيادة. يكشف ياسين، في هذا الحوار، عن خطط ومشاريع لنقلها من "التحبير" إلى التنفيذ، كما يؤكد، منها حضّ الباحثين والأكاديميين على إنتاج المعرفة لتخفيف اهتمامهم "بالترند" بانتظار "اللايكات". وكَشفَ أيضًا عن أن 70% من المهجرين والنازحين موجودون في النصف الجنوبي للكرة الأرضية، وأن 70% من الإنتاج المعرفي والدراسات عن هؤلاء تصدر عن النصف الشمالي للكرة. هنا الحوار والنقاط المركزية لمشاريع المركز في بيروت:
(*) المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت هو فرع من المركز الأم في الدوحة. ما العلامة الفارقة لـلـ"هنا" عن الـ"هناك"؟
انطلق المركز في بيروت في عام 2012، ضمن عائلة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كمركز فكري بحثي لتعميق الفكر العربي والدراسات في العالم العربي، بالتعاون مع كُتّاب واختصاصيين وباحثين وباحثات. ومع مرور الوقت، تخصّص فرع بيروت ليكون أداة النشر للمركز العربي الأم، نظرًا إلى مساحة النشر الموجودة في بيروت.
(*) بهذا المعنى، أخذتم بما هي واحدة من صفات بيروت كمكان للنشر.
نعم، في بيروت ثمة مساحة حرية من ناحية الكتابة والنشر والإعلام، ووسطيتها من ناحية الالتقاء. لكنها تأثرت بكل الأزمات التي مرّت في السنوات القليلة الماضية، كمدينة وعاصمة للفكر واللقاء والنقاش. ومع ذلك، استطعنا أن نحافظ على مركزنا من ناحية نوعية الإنتاج ورصانته ووتيرته.
(*) بمعنى آخر، وربما أعمق تأثيرًا، أن الذي حصل لبيروت من أزمات ساهم في إقصاء دور مركزكم عن صفة العمل البحثي.
التأثير انعكس نوعًا ما على ناحية الأبحاث والدراسات وفضاء النقاشات، مع أن النشر مهم جدًا، وهذه علامة متميزة حافظنا عليها. أما الذي غاب في الفترة الماضية فهو ما يتعلق بتشجيع الباحثين/ ات في لبنان على الانخراط مع المركز، سواء عبر التأليف، أو عبر البحث والنقاش.
(*) ماذا عن خططك لاستعادة الدور؟
لديَّ رؤيا، بالتنسيق والتناغم مع المركز/ الأم، تقضي بتطوير عملية النشر والإنتاج التي نقوم بها، وأن نفعِّل أيضًا دراسة السياسات والأبحاث. وقد بدأنا العمل على سبعة موضوعات/ عناوين لها علاقة بلبنان والمنطقة. وكان الموضوع الأول الذي بدأنا فيه ــ لكن الحرب الأخيرة أخّرتنا ــ يتعلق بالنقاش حول العلاقات اللبنانية ــ السورية، وكيفية تطويرها، بدءًا بالاقتصاد، إلى كثير من الأمور العالقة بين البلدين. ثانيًا: المواضيع المرتبطة بالواقع الجيو سياسي للبنان والمحيط مع سورية، والعلاقة مع ما يسمى منطقة شرق المتوسط، خاصة مع تركيا ومصر.
وكلنا يعرف أن منطقة شرق المتوسط هي منطقة مهمة جدًا لجهة أمن الطاقة والتعاون الاقتصادي. 3: أمور تتعلق باللاجئين والتهجير في العالم العربي، خاصة في لبنان وسورية وفلسطين، حيث أكبر عدد نازحين ولاجئين بين السكان في العالم بين نزوح داخلي، أو لاجئين في العالم. وأشير هنا إلى بحث سابق شاركت فيه، أثناء فترة عملي في الجامعة الأميركية، إذ اكتشفنا أن 70% من اللاجئين والنازحين في العالم موجودون في دول الجنوب، أي الدول النامية، بينما 70% من الإنتاج المعرفي حول قضايا اللجوء والنزوح موجودة في دول الشمال من الكرة الأرضية. لذلك، في الرؤية المركزية للمركز العربي سيكون تشجيع ودعم وفتح فرص للمفكرين والباحثين من العالم العربي حول قضايا التهجير القسري. 4: موضوع مرتبط بالحروب والتهجير، وهو التعليم في المنطقة، خاصة في لبنان وسورية وفلسطين، لأنها الأكثر تأثرًا بالحروب. هنالك جيل ضائع، وسنوات ضائعة من التعليم عند الأطفال، خاصة في منطقة المشرق. 5: موضوع مرتبط بإعادة الإعمار، لأن الدول الثلاث، لبنان وفلسطين وسورية، تحتاج إلى عشرات المليارات لإعادة بناء الإعمار الناجمة عن الحروب والعدوان الذي يحصل على هذه الدول. 6: موضوع اشتغلت عليه عندما توليت حقيبة وزارة البيئة، ويتعلق بالبيئة وقضايا المناخ وحوكمته. 7: حوكمة الذكاء الاصطناعي وكيفية سد الفجوة الرقمية التي تتزايد بين الدول العربية.
(*) بالتأكيد، تضاعفت نتائج الحرب الدائرة حاليًا، ما يستدعي قراءة على المَدَييْن القصير والبعيد، وقد تختلف نتائج الدراسات حولها عما قبل حصولها.
القضايا التي ذكرتها لا بد من أن يعاد النظر ببعض المداخل التي تأثرت بالحرب الدائرة. والحرب الأوسع في الخليج، وكل ما يحصل في الخليج العربي بين أميركا وإسرائيل وإيران، أو الاعتداءات التي تحصل على دول الخليج. وهذه سيكون لها تأثيرات على كل العالم، خاصة منطقتنا. وأيضًا العدوان الحاصل على لبنان، والحرب الدائرة في لبنان، ستكون لها تداعيات واسعة على لبنان بالمباشر، أو غير المباشر، ومثلها العلاقة مع سورية. حاليًا، نشتغل على كثير من التقارير ونصدرها عن تكلفة هذه الحرب بالمباشر، أو غير المباشر، على لبنان، وعلى هذه القطاعات التي ذكرتها، إن كانت من ناحية النزوح، أو التعليم، أو الصحة، أو الطاقة، أو الاقتصاد.
(*) بما أنك تتوقع تكاليف باهظة لقطاعي النزوح والتعليم وغيرهما، فهل تنوون التنسيق في إعداد هذه الأبحاث والدراسات مع مراكز بحثية موجودة وتُعنى بهذه القضايا؟
نعم، وقد بدأنا بالتعاون مع جامعات، ومنها جامعة القديس يوسف (اليسوعية)، ومع باحثين، ومجموعة من المفكرين، لمناقشة هذه القضايا التي أسميناها تكلفة الحرب. أعطي مثالًا: هنالك خوف كبير من العودة لما يسمى بالعجز المزدوج، أي عجز في موازنة الدولة اللبنانية بسبب انخفاض إيراداتها، أي عجز في ميزان المدفوعات، وعجز في ما يتعلق بالموازنة، وإذا ما دخلنا بهذا العجز سيحصل تأخر أكثر، بل تحصل عودة إلى الوراء من ناحية الكلفة الاقتصادية المالية. ولكن هنالك كلفة مباشرة أولًا على الضحايا والدمار، وثانيًا على التعليم والصحة، وكثير من جوانب الحياة ندرسها حاليًا، من دون أن ننسى البيئة أيضًا.
(*) لفتني في نتائج المؤشر العربي الذي يصدره المركز العربي، مما شكّل إضافة نوعية متميزة إلى نتاجاته، لفتني الكلام عن الأسئلة التي تتغير، وتلك الثابتة، وتتعلق بالبطء في التغيير، ما يطرح تساؤلات حول علاقة الباحث بالرأي العام؟ وإذا تعمّقت أكثر، فأي عنوان تضعه لهذا البطء؟
من المهم لنا كمركز دراسات وأبحاث وباحثين أن نرى قدرتنا على التأثير، وعلى تغذية أو نقل المعرفة للرأي العام، أن نغذّيه بأفكار ودراسات رصينة، وبيانات، من خلال المؤشر العربي، وكثير من الكتب والمنشورات والدراسات، لإغناء النقاشات في الرأي العام حول هذه القضايا، لا سيما أننا نحكي عن التغيير الذي يحصل في وسائل الإعلام، وتنامي "السوشيال ميديا"، والتطبيقات على الهواتف، وكأن هذه المعلومات صارت هي الأساس، وفي إمكان أي شخص أن يدلي برأيه، فصرنا في "مجتمع ما بعد الحقيقة"، وهذا أمر خطر، ما يستدعي تزويد الرأي العام بالحقيقة والبيانات والبراهين.
(*) وبالتالي، يمكننا القول إن وسائل التواصل والوسائط الاجتماعية خلخلت جدية نتائج أعمال الباحثين وربما أضعفتها.
ولكنها لم تضعف جديتهم.
(*) بمعنى التباعد ما بين أعمال الباحثين النخبوية والرأي العام المنهمك في وسائله ووسائطه.
صحيح، وإن لم تترك تأثيراتها على جدية عمل الباحث. أحيانًا، نشهد التحاق بعض الباحثين بـ"الترند"... أسميه "ترند" لأنني ألاحظ أكاديميين ناشطين بالحقل السياسي يحبون هذه "الترندات". ولكن نحن في المركز نصدر ما معدله كتاب أكاديميّ مُحكّم كل أسبوع، وهذا تأكيد من المركز ككل على احترامه مبدأ الرصانة. بالتأكيد، قيمة الكتب تَكمُن في المعرفة والمحتوى الموجود فيها، ولكن يجب تسويقها بين قوسين كي تصل إلى القارئ والمهتم. على سبيل المثال، نجد في استطلاع المؤشر العربي أن كثيرًا من اللبنانيين لدى سؤالنا لهم عن وسائل التواصل قالوا إنهم لا يثقون بها، لكنهم يعتمدون عليها. هذا تناقض وتضارب. لذلك، الرصانة والجدية مطلوبة، مع تحسين الوسائط والوسائل والأدوات لإيصال هذه المعلومة لهم. هذا ما نعمل عليه حاليًا في المركز العربي في بيروت، إذ نعمل على تطويرها أكثر، وعلى كيفية إيصال المعلومة بسرعة، بالتعاون مع المركز الأم في الدوحة، منها ما يتعلق بالبودكاست، أو الإنفوغراف، وغيرها. أما سؤالك عن تأثر الباحثين بأجواء "السوشيال ميديا" فأكرر قولي إنها وسائل تجعل بعضهم "يركب موجاتها".
(*) يعانون جفاف الروح الأكاديمية!
في رأيي هذا أمر خطر على العمل البحثي الجدي. لأن الأساس هو المحافظة على نوعية العمل البحثي والإنتاج المعرفي، وليس "الإفيهات" التي تنتظر "اللايكات" لقاء كلمتين. مطلوب من الأكاديميين والباحثين الجديين إنتاج وترجمة المعرفة كي تصل إلى الناس، ترجمة بمعنى نقلها، لا أن نتحول إلى مؤثرين ("أنفلونسرز").
(*) قبل أن أسألك عن كلمة "الفيتوقراطية" التي تستخدمونها، أود أن أسأل: هل طُلب منك وضع رسم بياني للوضع التعليمي والصحي والإنمائي للبنان، لأنها من ضمن اختصاصاتك الجامعية العليا؟
مفردة الفيتوقراطية استخدمها زميلنا وعضو مجلس إدارة المركز، الدكتور طارق متري، وقد نجمت عن تجربة العمل الحكومي والعمل السياسي في مجتمع متعدد مبني على ديمقراطية توافقية كالنظام اللبناني. والتوافقية بين الجماعات اللبنانية تشبه تعددية كثير من الدول، وقراراتها تُبنى على التوافق، كما في بلجيكا، وسويسرا، وأيرلندا، وحتى بريطانيا. ولكن، في الجو اللبناني، حيث التعددية واسعة، والتوافق صار أساسيًا، تحوّل هذا التوافق من أمر إيجابي إلى تعطيليّ، وحولناها إلى تفاصيل الإدارة اليومية للبلاد، وهذا ساهم في أزمات متعددة، وفي تعطيل الحلول.
(*) أين انصدمت واصطدمت خلال توليك وزارة البيئة؟
الصدمة الأولى حصلت أثناء مناقشة بعض القضايا في مجلس الوزراء لاتخاذ قرار فيها. انصدمت بمناقشة بعض الزملاء الوزراء لها من ناحية تأثيرها على رأسمالهم السياسي الطائفي، وليس من زاوية المصلحة الوطنية. أما الصدمة الثانية فتتعلق بشبكات المصالح الموجودة، والتي تقفز فوق أي أمر كي تحافظ على مصالحها. وسط كل التغييرات السياسية نجدها في قلب الإدارات، وبعمق في مؤسسات الدولة، كي تحافظ على مصالحها.
(*) إذً، فالصدمة والاصطدام أنك لم تستطع تنفيذ أمور بيئية حلمت بإيجاد حلول لها.
هنالك أبواب يصعب فتحها، لكن مع الإصرار والاقتناع بأن العمل الحكومي عمل تراكمي، ومع الوقت، يمكن أن نتعلم كيف نجد كُوّة، ونضع الحلول.
(*) هل المركز هنا على تنسيق أو تعاون مع مراكز بحثية على مستوى المنطقة العربية والإقليم؟
من أهداف المركز العربي ورؤيته تشجيع التعاون مع الباحثين في العالم العربي، وفي العالم. هذا ما نقوم به في بيروت. وحاليًا يوجد نقاش من أجل التعاون بداية مع الجامعات، وكنا قبل الحرب نعمل على تحضير مذكرة تعاون مع الجامعة اللبنانية، ومع جامعة القديس يوسف (اليسوعية)، ومع مراكز أبحاث موجودة. وأيضًا بعض التعاون مع مراكز خارج لبنان. وأكيد بالتنسيق مع المركز الأم في الدوحة، وهذا كله أساس لأن يكون دورنا محركًا للعمل الفكري والإنتاج المعرفي والعمل البحثي ضمن رؤية وأهداف المركز.
نحاول أن نكون المحركين، وأن نخلق فرصًا للباحثين والباحثات في لبنان والعالم العربي، وأن نساعدهم ونعمل لهم "دفشة" كي ينتجوا ويكتبوا. فنحن بالإضافة لنشر الكتب، نصدر عددًا مهمًا من الدوريات والمجلات العلمية الجدية، وثمة تقارير بحثية نشتغل عليها.
(*) وعلى مستوى طلاب الجامعات، ألا يستدعي التوسع بمشاريع المركز أن تخلق تحدّيًا لهؤلاء، واختبارًا لمهاراتهم وكفاءاتهم بالانخراط معكم؟
طبعًا، فالتعاون مع الجامعات سيكون من ضمنه دعم طلاب الدراسات العليا ومرحلة الدكتوراة على تطوير قدراتهم البحثية، وتشجيعهم على النشر.
(*) في ظل هذا السباق المتسارع في عالم التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، ما هي صورة مستقبل البشرية في مخيلتك التأملية لنتائج هذا السباق؟
الذكاء الاصطناعي هو فصل جديد من تطوّر البشرية، وعلينا التعاطي معه بفطنة، والبناء عليه. دورنا كمركز أبحاث هو في خلق نقاش فكري عن كيفية تنظيمه وحوكمته لخدمة المجتمع والاقتصاد والإدارة العامة.


تحميل المقال التالي...