}

طاهر النور: الرواية بالساحل الأفريقي قادرة على صوغ الهوية

حوارات طاهر النور: الرواية بالساحل الأفريقي قادرة على صوغ الهوية
طاهر النور

 

يبرز الروائي التشادي طاهر النور بوصفه صوتًا أدبيًا حقيقيًا يعكس نبض الإنسان وأسئلته الوجودية، فهو أحد الأصوات الأدبية الأفريقية التي تكتب باللغة العربية؛ ليمنح الصوت الأفريقي عمقًا واتساعًا في المشهد الثقافي. استطاع طاهر النور أن يصوغ تجربته الخاصة بلغة تجمع بين الحس الإنساني والوعي الفكري.

 صدرت له رواية "رماد الجذور" (2019)، ورواية "سيمفونية الجنوب" (2019)، ثم رواية "مزرعة الأسلاك الشائكة" (2022). كما تناول التاريخين السياسي والاجتماعي لتشاد بلغة سردية شاعرية مشبعة بالدهشة في روايته "قودالا" (2023)، التي حازت على جائزة توفيق بكّار للرواية العربية في تونس في دورتها الرابعة. وفي أدب الرحلات، أصدر كتاب "حكاية الأرض للسماء: أيام في لبنان" (2023)، كما كتب في التراجم والسير الذاتية كتاب "أفريقي في فلسطين" (2024) ليأخذنا عبر محطات مقترنة باللحظة الفلسطينية المثقلة بالوجع. ومن أعماله الروائية أيضًا "تحت سماء واطئة" (2024)، وأخيرًا صدرت له المجموعة القصصية "نزوح الأشجار" (2026).

في هذا الحوار، نقترب من عالمه الإبداعي، ونحاول استكشاف ملامح تجربته الروائية، كما نسلّط الضوء على مسيرته وأبرز القضايا التي تشغله، بوصفه كاتبًا يعيش تفاصيل عصره ويعبّر عنها، ليمنح القارئ فرصة التعرف عن قرب إلى صوت أدبي له حضوره وتميّزه.

(*) فزت بجائزة "بيت الغشام" – دار عرب الدولية للترجمة عن رواية "كائن غير سوي"، 2026 وهذا من شأنه أن يفتح أمام نصك أبواب العالمية عبر الترجمة. كيف غير هذا الاستحقاق من بوصلة مشروعك القادم، وهل تضاعف سقف الرقابة الذاتية لديك وأنت تدرك أنك الآن تكتب بعينٍ عالمية، أم منحك ذلك المزيد من الحرية لكسر المزيد من التابوهات؟

أعتقد أن الرقابة الذاتية هي جزء من عمل الكاتب، سواء حصل على جائزة أم لا، لأننا نواجه أثناء كتابة النص، وحتى بعد انتهائه، ليس فقط الرقابة الذاتية وإنما أيضًا الخوف والقلق والترقب. إذ تظل الكتابة فن شديد الخصوصية، لا يخضع لمعطيات أي سلوك إنساني آخر. وبالتالي، فإن الرقابة لا تنفصل بأي حال من كتابة النص نفسه، باعتبارها المقيّم الخاص بالكاتب، والناقد العارف بخبايا ودقائق النصوص، ويدرك أين مكمن الخطأ أو النقصان، وما الذي يحتاجه النص حتى يصل إلى درجة الكمال، أو حتى يكون جديرًا بالنشر. وكلما تهاون الكاتب مع رقابته الذاتية على نصه، كلما أصبح من السهولة بمكان اكتشاف ضعف النص، ومعرفة البدهي من العيوب التي تكتنف المسودة التي يعمل عليها.


(*) في رواية "كائن غير سوي" يحمل العنوان شحنة استفزازية، جعلت القارئ يعيش في البداية معضلة أخلاقية ومعرفية. هل كان عملك على "عدم السواء" في الرواية تشريحا سيكولوجيا لشخصية مأزومة، أم أنه في جوهره بيان احتجاجي ضد سلطة المجتمع الذي يفرض معاييره الصارمة لتعريف ماهية الإنسان السوي؟

أتفق معك إلى حدّ كبير أن العنوان يحمل نبرة مراوغة، يمكن أن تكون استفزازية لبعض القراء، غير أن الحياة الإنسانية فيها الكثير من التعقيدات إذا تعلّق الأمر بالاختلاف. فمن السهل جدًا أن نصدر حكمًا معينًا ضد شخص أو أشخاص مختلفين عنا في طريقة تفكيرهم أو جنسهم أو لونهم أو دينهم أو حتى أسلوب حياتهم. ثمة دائمًا ما يميّزنا عن الآخرين، وما يميّز الآخرين عنا. هذا شيء لا جدال فيه. المسألة فقط، في من يحدّد الأمور التي تجعل شخصًا جيدًا، وآخر غير جيد، أو سويًا وغير سوي. فكل شخص له زاوية يرى من خلالها ما هو جيد، وما هو سيء، وما هو رديء. فالسيء بالنسبة لي ليس بالضرورة سيئًا بالنسبة للآخرين. وما هو سوى في نظري، ليس بالضرورة أن يكون كذلك بالنسبة للآخرين. تحاول الرواية من وجهة نظر غير تقليدية، طرح هذا الاختلاف، بالتركيز على ثيمة القبح. وأظن أن المتن نفسه لن يكون كافيًا لتقديم رؤى دقيقة عن النص بالمجمل. وربما، يقدّم صورة مختلفة تمامًا عن محتوى الكتاب، الذي يلقي الضوء على صورة المجتمع وجماله وقبحه ومهازله وتناقضاته. هذه السمات التي دائمًا ما تكون موجودة في أي مجتمع بشري، وحتى أننا نعيشها، ولكننا، لسبب ما، لا نراها.

(*) تكتب باللغة العربية في بيئة تشادية يطغى عليها الحضور الفرنكوفوني وتعتبر الفرنسية لغتها الأساسية. كيف تدير معركتك الوجودية ككاتب عربي في بيئة ناطقة بالفرنسية؟

صحيح أن الفرنسية تهيمن على الإدارة السياسية في الدولة، ولكن لا وجود لها في شارعنا، حيث ظلت العربية هي وسيلة التواصل الوحيدة بين مختلف الأطياف والإثنيات سواء من شرق البلد أو شماله أو غربه وجنوبه. لذلك فإن هويتي اللغوية تستند الى واقع متين، وتاريخ ممتد في أصالته. وما دمت أستطيع الكتابة بلغتي، وأكتب عن قضايا بلادي وشعبي، فإنني أجد السلوان، ويصبح الصراع اللغوي جزء من مسيرتي ككاتب، وأيضًا كمواطن من بلد لا تزال اللغة الفرنسية الموروثة أساسًا من حقبة الاستعمار تستحوذ على الإدارة، ولا يزال مصير البلاد يرتبط بها بشكل أو بآخر.

 (*) هل تجد نفسك مهاجرًا لغويًا يحتاج إلى العثور على موطنه داخل المفردات أم أن اللغة العربية بالنسبة لك هي بمثابة الدرع الواقي للهوية التشادية؟

لست مهاجرًا لغويًا بهذا المعنى، إذ أن الهجرة اللغوية تعني انتقال اللغات أو المفردات وتفاعلها نتيجة لحركة الشعوب، مما يؤدي إلى تغييرات في البنية النحوية، النطق، والمعاني، وظهور تهجينات ثقافية ولغوية. غير أن الأمر لا يصل إلى هذا المستوى، لأن تأثير اللغات المحلية ظل تأثيرًا محدودًا، وحتى العامية العربية في شارعنا لا تعرف سوى القليل من كلمات هجينة، تحمل بصمة اللغات المحلية أو الفرنسية في بعض الأحيان.

(*) نشأت في مدينة البطحاء، وهي مدينة تقع في وسط تشاد، حيث تتميز المنطقة الصحراوية بأراضيها الشاسعة ووعورتها المذهلة. كيف ساعدتك هذه الجغرافيا على صياغة تضاريسك السردية، وهل الصحراء في أدب طاهر النور هي البطل الصامت الذي يدعم الشخصيات لفهم هدف حياتهم و منظورهم إلى العالم؟

في الحقيقة، أنا لا أكتب أدبًا صحراويًا بالمعنى الدقيق. كتبت عن الريف والقرى في محاولة مني لفهم حياة الهامش، ولوضعها في مختبر السرد. فكرت في كتابة كل تلك الحروب والثورات العنيفة، وكذلك الأوبئة والجوع من منظور الهامش، وتأثير ذلك على حياة الناس عمومًا. لكني فعلت ذلك مستفيدًا من نشأتي في هذه البيئة، مستغلًا معرفتي بالتراث الثقافي، وما يحتويه من عادات وتقاليد وحكايات وأغاني. وهذا جعل روايات مثل "رماد الجذور"، و"قودالا"، و"تحت سماء واطئة" تعتبر نصوصًا محلية، تنطلق من ثقافة وسط البلد، تمامًا كما تشير عوالم "سيمفونية الجنوب" إلى قرى الجنوب، و"مزرعة الأسلاك الشائكة" إلى حي من أحياء العاصمة. وهذا يعني بوضوح، أن المكان يشكل أهمية قصوى بالنسبة لرواياتي، كما لو أني أردت في كل مرة، العودة إلى حيث نشأت، حتى لو كانت تلك العودة تعني الكتابة عن قرية في أقصى الجنوب.

 (*) في كتابك "أفريقي في فلسطين" قلت: "وحده من زار فلسطين، ووحده الأفريقي يعرف ما هو الوجع الفلسطيني". لماذا اخترت الاقتراب من هذا المفترق الوجداني في أدب السير، ولم تذهب به إلى مركزية السرد الروائي، هل تعتقد أن الألم المشترك أعمق من تحوله في قوالب الرواية التقليدية؟

عند كتابتي لـ"أفريقي في فلسطين" كان الخيار عندي واضحًا، أن أكتب يوميات فقط، ولم أفكر في أي قالب أدبي آخر. أولًا لأن تلك الرحلة أثّرت في نفسي وهزّتني بعمق من الداخل. وثانيًا، بدا لي أن خيار اليوميات يضعني أمام الحقائق وجهًا لوجه، كما عايشتها، وكما عاينتها، وكما قرأتها في بعض الأحيان. فلم أكن بحاجة إلى شكل أدبي أختبئ خلفه لأحكي قصتي. كنت بحاجة فقط إلى أن أكتب بصدق، أو بألم، عن رحلتي من أولها إلى آخرها من دون زخرفة أكثر مما يتطلبه الأدب نفسه. ورغم قصر تلك الرحلة إلا أنني عشتها بزخم شديد، وبطريقة تلامس كتب الخيال. بينما في الحقيقة، لم أخترع شيئًا، ولم أختلق تفصيلة واحدة. كتبت كل شيء كما هو، وكما حدث، مستعينًا بقراءة مؤلفات كتاب فلسطينيين أكلتهم أوجاع الغربة وغيّبهم تيه المنافي لسنوات طويلة.


(*) هل نجح جيلك من الروائيين التشاديين في كسر طوق العزلة الذي أحاط بالأدب المكتوب بالعربية في الساحل الأفريقي؟

الأدب العربي في الساحل الأفريقي لا يزال يتلمّس طريقه نحو الخارج. فقد بدأ مؤخرًا يسجّل بعض الحضور في الأقطار العربية. وربما نحن بحاجة إلى المزيد من العمل، وإلى المزيد من الوقت لكسر طوق العزلة الذي أشرت إليه.

(*) من هم الكتّاب الذين يعتبرهم طاهر النور آباءه الروحيين عندما يكتب أعمالًا روائية، هل تجد نفسك منحازًا لإيقاع الرواية الأفريقية بجذورها الأسطورية؟

في بداياتي كنت متأثرًا بأدب إبراهيم الكوني ودوستويفسكي وغيره من أدباء روسيا، ولكن هذا التأثير ظل على مستوى القراءة فقط، ولم يرق إلى مستوى الكتابة. فقد كنت منجذبًا إذا تعلّق الأمر بالكتابة إلى كتّاب أفريقيا جنوب الصحراء، أمثال وول سوينكا، وواثينغو نغوغي، وشينو أشيبي، ونور الدين فارح، لأن عوالمهم تشبه العوالم التي أكتب عنها وحتى التي أعيش في وسطها، بما فيها من خرافات وأساطير وغرائب، مثلما هو الأمر في أدب أميركا الجنوبية. وهذا الانحياز ناتج عن القرب الجغرافي، ووجه الشبه في العادات أو التقاليد والطبيعة كمكان له خصائصه.

(*) مع كل التحولات والاضطرابات والصراعات التي تشهدها منطقة الساحل الأفريقي في الوقت الراهن، هل ما زلت تؤمن بأن الرواية قادرة على ترميم الهوية الوطنية وإعادة صياغة الإنسان، وهو الأمر الذي ربما أخفقت فيه المشاريع السياسية لعقود؟

تشهد منطقة الساحل الأفريقي تحولات عميقة وصراعات متعددة الأبعاد، تتراوح بين النزاعات المسلحة، التغيرات المناخية، والفقر المدقع. في ظل هذه الظروف، تبرز الرواية كوسيلة فريدة لتعزيز الهوية الوطنية وإعادة صياغة الإنسان. فالرواية تمثل صوتًا للأشخاص الذين غالبًا ما يُغفل صوتهم في المشاريع السياسية. وهي تجعل المجتمعات تتجه إلى الأدب كملاذ، حيث تتيح الرواية للقراء فرصة فهم تعقيدات تجارب الآخرين، والمساهمة في بناء جسور من التعاطف والتفاهم بين مختلف الفئات الاجتماعية، من خلال الشخصيات والحبكة والتوترات والصراعات، والأمل في تصور مستقبل أفضل ومختلف.

كما أن الرواية تلعب دورًا مهمًا في استعادة الهوية الوطنية. ففي أفريقيا، تتداخل الهويات الثقافية والعرقية، ويمكن للرواية أن تسهم في إعادة تعريف ما يعنيه أن تكون جزءًا من هذه الهوية. ومن خلال استعراض تجارب تاريخية وثقافية مختلفة، تساعد الرواية في إظهار التنوع الغني الذي يشكل هذه الهوية. فهذا التنوع ليس مجرد تباين، بل هو تجسيد للغنى الثقافي الذي يمكن أن يقوي الروابط بين الأفراد في مواجهة التحديات المشتركة.

علاوة على ذلك، يمكن للرواية أن تعمل كأداة للنقد الاجتماعي والسياسي، فهي تتناول قضايا الفساد، الظلم، وعدم المساواة، وتطرح تساؤلات حول الأنظمة القائمة، وتسليط الضوء على أهم القضايا، وتحفيز النقاش العام وتدفع الناس إلى التفكير في البدائل الممكنة.

وبالرغم من أن المشاريع السياسية قد تخفق في تحقيق تطلعات الشعوب، تظل الرواية قادرة على تجسيد الأمل وإعادة صياغة الهوية. إنها ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي رحلة داخل النفس البشرية والتاريخ الاجتماعي، حيث يمكن لكل فرد أن يجد نفسه ويعيد تعريف هويته في عوالمها.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.