"في قطاع غزّة، لا يُولد الكاتب في حضن المؤسّسات، بل على حافة الحرمان. لا حاضنة ثقافية حقيقية تحمله، لا جهة رسمية تحتضنه، لا مظلّة مالية تحميه من الحاجة أو الجوع أو انكسار الحبر. المثقّف الغزّيّ، قبل الحرب وبعدها، ظلّ طليقًا في المعنى، أسيرًا في الواقع. يكتب من جرحه، لا من دعمٍ، وينشر بدمه، لا بمِنَح"- هذا ما يقوله الشاعر الفلسطيني ماهر المقوسي. ويضيف: "الكاتب من غزّة – سواء بقي فيها أو هُجّر منها – لا يزال يحمل معركته على كتفه: معركة البقاء، معركة اللغة، معركة إيصال الصوت إلى العرب الذين لم يسمعوا بعد، وإلى العالم الذي لا يريد أن يعرف. إنّنا نكتب لا لنواسي أنفسنا، بل لنقول: كنّا هنا. هذه بيوتنا، وهذا لحمنا، وهذه كتبنا التي طُمرت تحت الأنقاض".
ضيفنا في هذه الفسحة الحوارية من مواليد مدينة غزّة عام 1972. يحمل شهادة ماجستير في الهندسة المدنية ويحضّر لدرجة الدكتوراه. وهو عضو اتحاد الكتّاب الفلسطينيين، وكان أن شارك في العديد من المهرجانات والملتقيات والأمسيات الشعرية داخل فلسطين وخارجها.
شاعرنا، الذي اضطُرَّ للجوء المؤقّت إلى القاهرة بعد مغادرة قطاع غزّة في الشهر السابع من بدء العدوان الصهيوني الوحشي، في السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، صدر له حتّى الآن أربع مجموعات شعرية، وهي: "حافة ضوء"، "دار منازل"، القاهرة (2025)؛ "مرافئ من دخان"، "دار الجندي"، القاهرة (2025)؛ "كانوا يعبرون الظلّ"، "دار موزاييك"، إسطنبول (2020)؛ و"إلى آخر الريح"، "دار بلا حدود"، القاهرة (2012).
اختير المقوسي عام 2018 ضمن شعراء عالميين كتبوا عن القضية الفلسطينية، حيث نُشرت سيرته ونماذج من شعره مترجمةً إلى الإنكليزية ضمن "مختارات فلسطين" Palestine Anthology، الصادرة عن دار النشر Inner Child Press، بالولايات المتّحدة الأميركية. كما نُشرت له مجموعة من القصائد في الأنطولوجيا الشعرية الموسومة بـ"عليك أن تحيا: قصائد جديدة من فلسطين" You Must Live: New Poetry from Palestine، التي صدرت العام الماضي عن دار النشر العالمية Copper Canyon Press في الولايات المتّحدة، بمشاركة أربعة وثلاثين شاعرًا فلسطينيًا من غزّة والضفة الغربية، والتي أعدّها فريق من المحرّرين منهم: ميشيل ويغرز، وريو ياماغوتشي، وكلاريتا هولسي، وآشلي وينتر، والتي ترجم قصائدها وحرّرها الباحث والمترجم الفلسطيني-الأردني تيسير أبو عودة، والشاعرة شيرا بلور، بمساعدة جوري جراهام، الحاصلة على "جائزة بوليتزر"، وهي من أعلى الجوائز الأدبية في الولايات المتّحدة. كما تُرجمت ونُشرت له قصائد في صحف ومجلّات أوروبية وأميركية. وقد تناولت تجربته الشعرية رسائل ماجستير ودكتوراه داخل فلسطين وخارجها.
عن مجموعته الشعرية الجديدة "حافة ضوء"، وعن الشعر في زمن حرب الإبادة الجماعية، وعن الترجمة في هذا الوقت تحديدًا، كان لنا مع ماهر المقوسي هذا الحوار…
(*) أبدأ بسؤالك عن الطريقة التي تحبّ أن تقدّم فيها نفسك لقرّائنا؟
لا أعرف إن كان من الضروري أن أقدّم نفسي بوضوح. أميل إلى ترك ذلك للنصّ، فهو يقول أشياء لا أستطيع قولها مباشرة. أكتب الشعر، أو أحاول. لا لأنّني اخترته تمامًا، بل لأنّه كان الطريق الأقلّ قسوةً لفهم ما يحدث.
أنا شخص يقف في منطقة غير مستقرّة، ويحاول أن يُبطئ هذا الاهتزاز قليلًا بالكلمات. ربّما أنا شاعر، لكنّني أيضًا شاهد مرتبك، لا يثق بما يرى كاملًا، ولا يملك إلّا أن يكتبه.
(*) حدّثنا عن رحلتك مع قصائد مجموعتك الشعرية الجديدة "حافة ضوء"؟ وما هو موقعها في مسيرتك الإبداعية؟
"حافة ضوء" لم يُكتب ككتاب، بل كُتب كأثرٍ متقطّع لأيّام مختلفة. بعض نصوصه كُتب في لحظة وضوح عابرة، وبعضها في عتمة لم تتّضح حتّى الآن. لم أكن أحاول أن أقول شيئًا كبيرًا، كنت أعمل على أن أقترب ممّا أشعر به من دون أن أرفعه إلى مستوى الشعار. كنت أخاف من الجملة التي تبدو مقنعةً أكثر ممّا يجب، لذلك تركت مساحة للارتباك، ولِما لا يكتمل.
أرى ديوان "حافة ضوء" خطوة مهمّة، ليس لأنّه الأفضل، لكن لأنّه الأكثر اقترابًا منّي. ديوان فيه صمت واضح، كأنّ القصائد تتوقّف أحيانًا لتُصغي، لا لتتكلّم.
(*) كيف يهندس الشاعر والمهندس ماهر المقوسي قصيدته ويبني عمارتها، في زمن حرب إبادة جماعية تهدف إلى المحو الكامل للمكان؛ المادّي والرمزي، وجعله غير قابل للحياة؟
لا أفكّر في القصيدة بوصفها عمارة مكتملة، خصوصًا في زمن يُهدم فيه كلّ شيء. الهندسة هنا لا تعني إقامة شكلٍ صلب، إنّما تعني (على العكس) الوعي بالهشاشة، وبأنّ أيّ بناء قابل للسقوط في أيّ لحظة. ربّما ما أفعله أقرب إلى تثبيت ما يمكن تثبيته: سطرٌ لا ينهار سريعًا، إيقاعٌ يحتمل هذا الاضطّراب، فراغٌ محسوب يمرّ فيه ما لا يُقال. كأنّ القصيدة لا تُبنى بالحجارة، لكنّها تُبنى بما تبقّى منها بعد الانهدام. في هذا المعنى، لا أتعامل مع النصّ ككيان مغلق، بل كمساحة مفتوحة على النقص. أترك فيها شقوقًا متعمّدة، لأنّ الواقع نفسه متصدّع، ولأنّ الكمال في مثل هذا الوقت يبدو غير صادق. ربّما الهندسة الوحيدة الممكنة الآن هي أن تُبقي المعنى واقفًا، حتّى لو كان على حافة السقوط.
أن تمنح الجملة توازنها الداخلي، لا صلابتها الظاهرة. أن تعرف أين يجب أن يتوقّف النصّ، قبل أن يتحوّل إلى شيء مطمئن أكثر ممّا ينبغي. في زمنٍ يُراد فيه للمكان أن يُمحى، تتحوّل القصيدة إلى شكلٍ آخر من الإقامة. ليست بديلًا عن البيت، لكنّها تذكير بأنّنا كنّا هنا، وأنّ هذا الفراغ لم يكن دائمًا فارغًا.
(*) ما هي وظيفة الشعر، وما معناه في خضمّ المجازر اليومية المروّعة؟ وما جدوى القصائد حين يُسفَك كلّ هذا الدم؟
لا أظنّ أنّ الشعر يملك ترف الادّعاء. لا يوقف موتًا، ولا يغيّر مصيرًا. لكنّ غيابه يجعل كلّ شيء أسهل… أسهل في النسيان، وأسهل في الاعتياد.
الشعر، بالنسبة لي، هو أن تبقى هناك جملة واحدة ترفض أن تمرّ الأمور كما لو أنّها عادية. أن يبقى شيءٌ صغير يقاوم هذا التبلّد. ربّما لا يفعل الشعر الكثير، لكنّه يمنعنا من أن نصبح أقلّ إحساسًا ممّا يجب.
(*) ما الذي تعنيه لك اللغة؟ وما دورها في معركة المقاومة والصمود؟
اللغة ليست فقط ما أكتب به، يمكنني القول بأنّها ما أبقى به. حين تتغيّر الأشياء من حولك، وتفقد مكانها، تصبح الكلمات نوعًا من الأثر… أو من العزاء المؤقّت.
في الشعر، نحاول أن نُبقي الأشياء حيّة قليلًا، أن نمنحها اسمًا أخيرًا قبل أن تبتعد. لا نُنقذها، لكنّنا لا نتركها تختفي بصمتٍ كامل.
(*) صدرت لك حتّى الآن أربع مجموعات شعرية، أين تشعر بالتحوّل الحقيقي في تجربتك الشعرية؟ وكيف ترى تجربتك في سياقها الفلسطيني؟
أظنّ أنّ التحوّل حدث حين توقّفت عن محاولة كتابة قصيدة جيّدة، وبدأت أبحث عن قصيدة صادقة، حتّى لو كانت أقلّ اكتمالًا. في البداية كنت أكتب لأقول… الآن أكتب لأقترب، أو لأفشل في الاقتراب بطريقة أقلّ ضجيجًا.
في السياق الفلسطيني، لا أشعر أنّني أكتب بصفتي ممثّلًا لشيء، إنّما كجزء منه… كصوت صغير داخل ضجيج أكبر، يحاول أن يحتفظ بنبرته من دون أن يعلو.
(*) في أعوام الإبادة حضر شعراء غزّة في العديد من الأنطولوجيات التي صدرت في الولايات المتّحدة وأوروبا والعديد من بلدان العالم. سؤالي: ما الذي يمكن أن تضيفه الترجمة إلى الشاعر؟ وهل هي بمثابة ولادة أخرى لأشعاره؟
الترجمة، في هذا الوقت تحديدًا، ليست مجرّد نقلٍ للنصّ، هي محاولة لتمديد صوته خارج حدوده الأولى. تضع القصيدة أمام اختبار مختلف: هل يمكن أن تُحَسَّ خارج لغتها؟ هل يبقى فيها ما يكفي من الحياة بعد أن تفقد موسيقاها الأصلية؟ لا أراها ولادة جديدة تمامًا، أراها حياة موازية. شيءٌ من النصّ يعبر، وشيء يبقى عالقًا في لغته الأمّ، لكن ما يصل (إذا كان صادقًا) يجد طريقه.
في سياق ما يحدث في غزّة، يصبح حضور الشعر في الأنطولوجيات العالمية ضرورة أكثر منه خيارًا. ليس لنقل الحدث فقط، وإنّما لمنع تحوّله إلى خبر عابر.
أمّا عن حضوري فيها، فأراه امتدادًا لهذا الصوت الجمعي، لا أكثر. محاولة لأن لا تبقى القصيدة في مكان واحد، وأن تصل – ولو قليلًا – إلى من لم يعش التجربة، لكنّه قادر على أن يشعر بها.
(*) برأيك، هل هذه الترجمات قادرة على فتح المجال صوب كونية القصيدة الفلسطينية؟
ربّما. لكن ليس لأنّ النصّ يصبح عالميًا، وإنّما لأنّه يصبح قابلًا لأن يُحَسّ به خارج حدوده. ما يصل في النهاية ليس الفكرة، ما يصل هو الإحساس. وإذا كان صادقًا، فإنّه يجد طريقه، حتّى لو تغيّرت اللغة.
(*) أخيرًا، ما الذي تحضّر له على صعيد الكتابة الإبداعية في الوقت الحالي؟
أكتب أقلّ، وأتردّد أكثر. وأحاول أن أترك مسافة بيني وبين النصّ قبل أن أصدّقه. لا أفكّر في ديوان جديد الآن، بل أفكّر في نصوص قد لا تجتمع، لكنّها تحاول أن تذهب أبعد قليلًا… أو أعمق قليلًا. ربّما ما أبحث عنه ليس كتابة أكثر، إنّما كتابة أقلّ؛ لكنّها تبقى.


تحميل المقال التالي...