تطالعني ابنتي الصغرى سائلة عن أحوالي: "شو أخباركِ يا برو؟" والـ "برو" مختصر brother باللّغة الإنكليزية. فأستغرب قائلة "أنا أمك" لتجيبني: "إن هذا هو الترند". ثم تخبرني ابنتي الكبرى- وهي ستتخرج هذه السنة من الثانوية العامة- أنّ صفها سيقوم بالـبيزوتاج Bizutage، وهو "ترند" عند جيل Z بمثابة احتفال وداعي للمدرسة، يقيمونه طلاب الصف الثانوي، يبدأ في المدرسة بالألعاب النارية ثم يستأجرون حافلة ليدوروا فيها شوارع المدينة مع صيحاتهم الفرحة بانتهاء العام الدراسي.
في السياق نفسه، نلاحظ كيف أنّ أرقام 67 أصبحت "ترند" تلف العالم خصوصًا عند جيل "ألفا" والمراهقين. هذا الترند الذي انطلق بمزحة مع عبارة 6 و 7 كرقمين منفصلين، وقد انتشرت مواقع الفيديو الخاصة بهذه الحركة المترافقة مع رقصة اليدين، عبر مواقع التواصل الاجتماعي خصوصًا التيك التوك، والبعض يفسر معناها "بهذا أو ذاك" أو "لا بأس" وأصبحت تغزو العالم الآن مع أغاني ومشاهير وموضة تخبر عن هذا الترند.
فكيف لفكرة أو لموضوع يستطيع تحقيق هذا الانتشار الواسع، في كل دول العالم وعند فئة عمرية معينة وأحيانًا يتجاوز كل الأعمار؟
الترند بحسب وسائل البحث الإلكترونية يشير إلى محتوى يحقق انتشارًا واسعًا يتداوله الجمهور بكثرة خلال فترة زمنية محددة، عاكسًا اهتمامات الناس، سواء كان ذلك على منصات التواصل الاجتماعي وفي أيّ مجال من مجالات الحياة: في الموضة، التكنولوجيا، الأسواق المالية، الحرب، الإقتصاد وإلى ما هنالك. وبما أنّ مجالات الترند متعددة، سنتناوله في تحقيقنا هذا من منظار علم الاجتماع أو السوسيولوجيا، بالإضافة لما له من تأثير على الصغار والمراهقين وصولًا إلى الفئات العمرية الأخرى.
فماذا يقول علم الاجتماع عن هذا المفهوم وتشكله والشركات التي تقف خلف الخوارزميات المتاحة لإطلاقه؟ هل هو خطير على العقل البشري؟ وهل الترند يعيد تشكيل الذوق العام في عصر الذكاء الإصطناعي؟
للحديث عن هذا الموضوع بالتفصيل، كان لنا حوار مع البروفيسور أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع في الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف في بيروت، الدكتور محمّد حسين الرفاعي.
(*) برأيك، قبل أن يتشكّل الترند، وقبل أن تصير فكرة ما ترندًا، هل هناك مؤسسة أو من يؤثر في مسارها الاجتماعي، وهل هو مؤثر فردي أو مجموعة خوارزميات؟
بداية، علينا أن نفهم كيف تفهم السُّوسيولوجيا حركة الوعي في العالَم، لأنّ هذا الفهم يفتح أمامنا أفق البحث في مفهوم الترند، ومعناه، ووظيفته، وفقَ التَّساؤل السُّوسيولوجيّ ما بعد الحديث، أي ما بعد اِنهيار السرديات الكبرى كالليبرالية، والماركسية، والقومية، والرأسمالية...، نفهم توجيه الوعي عَبرَ ثُلاثيَّة أصيلة هي الذَّات والهُويَّة والأيديولوجيا. الذَّات بوصفها الفاعل والهُويَّة بوصفها أرضيَّة الفعل والأيديولوجيا بوصفها موجِّه الفعل. فبعد الذكاء الاِصطناعي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا أمام مفهوم رابع قادر على لعب دور أصليّ وهو الواقع الاِفتراضي، أعني الواقع المُصطنع الأكثر واقعيَّة من الواقع الفعلي Factual Reality. هذا الواقع الاِفتراضي له معادلات فهم وتوجيه خاصَّة به، نطلق عليها تسمية الخوارزميات. وهو يُصنع ويُبنى ويُنتج وفقَ جملة من المعايير العالَميَّة في إنتاج المعرفة التي لا تتطلَّب بحثًا وتمحيصًا بل تلك المعرفة اليوميَّة التي تريد أن توجِّه الإنسان وترشده.
نفهم الترند من ناحية ظاهرة مجتمعيَّة Societal Phenomenon تعبّر عن نفسها كآلية للتماسك والتميُّز المجتمعيّ. وتتمثَّل وظيفته المجتمعية في أنَّه يعمل كطقس جماعي يتضمَّنُ معاني الذَّات والهُويَّة والأيديولوجيا المجتمعيَّة، ويرسِّخ ضروب الاِنتماء إلى الجماعة، ويؤكِّد التضامن المجتمعيِّ بين أفرادها. لذا، لا يُفهم الاِنسياق وراء الترند على أنَّه مجرَّدُ ذوق فردي، أو رغبة شخصية، بل هو ممارسة جماعيَّة تُعيد إنتاج القيم المشتركة، وتؤكد للفرد في كل مرَّة، أنَّه ليس وحده، وعليه أن يشعر أنَّه ضمن جماعة.
أمّا سؤالك عن المؤسسات التي تدير إنتاج الترندات، وصناعتها، فعلينا أن نعرف أن المؤسسات الاِقتصادية والثقافية والتكنولوجية في العالَم، بدءًا من الشركات الصغيرة وصولًا إلى الشركات العملاقة التي تُعيِّن مسارات المعرفة والمعلومة في العالَم، هي تمارس ضربًا من تعيين الترندات، وفقَ معايير خمسة على أقل تقدير:
أولًا، إعادة إنتاج الاِنتماء إلى ذوق عامّ؛ ثانيًا، تحديد المعنى في استخدام ما، أو موضة معينة. والمعيار الثالث تركِّبُ الهويات الفردانيَّة، على نحو بحيث يجد هذا الإنسان نفسه في شعور من الفخر والاِعتداد بالنفس والاِكتفاء بذاته، ورابعًا، التعبير عن وعيٍ تاريخيٍّ جيليٍّ، أمّا المعيار الخامس فيكمن في توظيف كل ما تقدم من أجل أن يعمل كأداة سوقية وسياسيَّة...
(*) إذًا كيف يقرأ علم السوسيولوجيا مهمة أو مهنة influencer؟
بناءً على ذلك، المؤثِّر أو Influencer، إنَّما هو، وفق منظور سوسيولوجيا الترند، يُفهم كفاعل مجتمعي رَقمي يتوفَّر على إمكان توجيه الوعي، ولفت الاِنتباه، وتعيين الذوق العامّ، ودفع السلوك نحو اِتجاه بعينه، في كلِّ مرة، عبر شبكات المتابعين. هو الفاعل بوصفه مصدرًا للرأسمال الرمزي، وكوسيط بين السوق والجمهور، والمؤسسات، لتسويق منتجات فكرية أو مادية معينة.
(*) برأيك كعالم اجتماع من هي الفئة العمرية الأكثر تأثرًا بالترند؟ وقد يكون الجواب الجميع كلّ بحسب اهتماماته؟
لا يتأثر الإنسان إلاَّ اِنطلاقًا ممَّا يبحث عنه، ويريد أن يفهمه. التأثُّر هو ضرب من الاِنفتاح على عالَم غني بالمعاني والمفاهيم والأفكار. ولكن بعد الحرب العالَميَّة الثَّانية، ومع صعود أنماط جديدة من التأليل (نسبةً إلى الآلة)، وطغيان نمط من التفكير ينتج عن ما نسميه في السُّوسيولوجيا، العقل الأداتي، نحن أمام تأثر آلة بآلة. أشير إلى ذلك وأنوِّهُ لخطر محدق في حياة البشر. أعني في علاقة العقل بالعالَم. والتفكير بموضوعات العالَم. نحن كائنات ننتهي ماهويًَّا (بالجوهر والوجود) متى توقَّفنا عن التفكير بالحياة. إنَّ العقل الأداتي ببساطة هو الذي من دون التفكير يعرف ما يفعله وما هي غاياته. وهو عقل على الضدِّ من وظائف العقل الأصليَّة أي الإدراك والفهم والوعي... ماذا يحدث حين تُسلب من العقل وظائفه الأصليَّة، ويوضع فيه ما هو جاهز ومُعدٌّ قبليًَّا؟ يحدث أن يكون العقل، بدلًا من أن يمارس حريَّته في التَّساؤل والتفكير والفهم، أن يُصبح على الضدِّ من ماهيَّة الإنسان.
هكذا، بعد أن قدَّم العقل اِستقلاليتَه الوجودية تجاه الآلة، والآن تجاه المعرفة السريعة والجاهزة والعابرة، نكون أمام إنسان جديد؛ أعني آلة اِستقبال جديدة. لذلك إنَّ من يتأثَّر بالترندات هو كلّ من يريد أن يوجد على الواقع الاِفتراضي وفيه. ببساطة ثَمَّةَ اِستحالة لأنْ نكون في العالَم اليوم من دون أن نكون داخل الواقع الاِفتراضي، على نحو أو آخر. وهكذا، تقوم اِستحالة عدم التأثُّر بالترندات لأنها في الحقيقة أبواب الوجود في الواقع الاِفتراضي.
(*) من يصنع الترندات يحقق بلا شك أرباحًا مادية، فما هي الأرباح الأخرى التي يحصل عليها؟
علينا بداية أن نفهم هُويَّة المؤثِّر، أي صانع الترند، أو ما يميِّزه هو ما يدفعه نحو التطابق مع السياق العامّ، لكن، بقدر ما يكون سريعَ الاِستجابة لمتطلبات السوق، سوق المعلومة، بقدر ما يكون متطابقًا مع الرغبة بالاِنتماء إلى شيء ما لدى المتابعين، وبقدر ما يكون فاهمًا لمناطق الفراغ الموجودة في أسواق المعلومة، أي تلك المناطق التي يحتاجها الإنسان- الآلة هذا، أي الإنسان الذي أصبح الإنسان- الرقم.
مما لا شك فيه، أنه يمكن تعداد أرباح كثيرة يحصل عليها المؤثر أو صانع الترند، وذلك يأتي عبر تفكيك هُويَّة المؤثر من خلال منظورات فهم مختلفة: نفسية، اجتماعية، اقتصادية، ورمزية وغيرها... والعوامل التي يعتبرها صانع الترند أرباحًا مهمة هي على سبيل المثال:
1- الذات بوصفها حضورًا واعترافًا: لأنَّ الكثير من المؤثِّرين يعيشون داخل حاجة عميقة إلى الاِعتراف الاجتماعي؛ وهي حاجة بشرية طبيعة، أي أن يشعر الإنسان بأنَّه مرئيّ- مُعايَن- مُلاحظ من قِبَلِ الآخرين، وأنَّ صوته يحدث أثرًا في الآخرين. ولكن ما هو غير طبيعي هو أنَّه، في عصر المنصَّات، تحوَّلت المشاهدات والإعجابات والمشاركات إلى شكلٍ جديد من أشكال الاِعتراف الوجودي العابر والسريع والجاهز؛ كأنَّ الإنسان يقول لنفسه: "أنا موجود لأنَّ الآخرين يتابعونني".
2- على هذا الأساس، يتقوَّم في الذَّات الرقمية الجديدة، أي الإنسان المؤثِّر ككينونة رقمية، منظورٌ آخر هو الذَّاتُ بوصفها مشروعًا اِقتصاديًّا، بعد أن يتحول الجسد، والصوت، والرأي، واليوميَّات، وحتى الاِنفعالات الشخصيَّة، عند كثير من المؤثِّرين، إلى رأسمال رمزي يمكن تحويله إلى أرباح وإعلانات وعقود... ومن هنا فصاعدًا، تصبح الذَّات نفسها سلعةً قابلة للتسويق. ولذلك، فإنَّ المؤثِّر لا يقدِّم محتوى فقط، بل يقدِّم شخصيَّته، وهويَّتَهُ، ووجودَهُ، وكينونَتَهُ، بوصفها أشياء- سلعًا- منتجًا تقبل العرض والطلب، وتتوفر على إمكان البيع والشراء.
3- الثقة بالنفس عند المؤثر الذي تقوم على نحو تعويضي: ما يبدو ثقةً عالية بالنفس قد يكون أحيانًا تعويضًا عن هشاشة داخليَّة. فبعض المؤثِّرين يكتسبون إحساسهم بالقيمة من ردود فعل الجمهور- المتابعين؛ لذلك يصبحون أسرى التفاعل المستمر. إنَّهم يحتاجون إلى الترند كي يشعروا بأنَّهم ما زالوا مهمِّين، ومهيمنين على الرأي العام. فتتحوَّل الشهرة من قيمة في ذاتها تُمارس على نحو الحُرِّيَّة، والسلطة، والشعور بالتميُّز، إلى نوع من التبعيَّة النفسية، أي المؤثِّر بوصفه التابعَ للمتابع.
4- المنظور الرابع الذي يحققه صانع الترند يكمن في اعتبار الترند بوصفه شكلًا من أشكال المعنى، ففي زمن السرعة والفراغ الروحي والتفكُّك الاِجتماعي، يصبح الترند نفسه مصدرًا للمعنى؛ وصانع الترند بنَّاء للمعنى السريع والجاهز والعابر.
(*) الترند يخرق الأعراف السائدة، فهل تكمن نتائجه السلبية في إعادة تشكيل الذوق العام أو ما هو متعارف عليه؟ وكيف؟
الترند حقل صراع رمزي للهيمنة وبالتالي لتوجيه الرأي العامّ، وإذا فهمناه هكذا نكون أمام حقل الثقافة الجديدة التي يريد الترند أن يحدِّدَه. ذلك الحقل الذي يُستخدم في الاِنتماء إلى الجماعة، والتضامن فيما بين أعضائها، وبعد أن تم توظيفه كرأسمال ثقافي، هو يعيِّنُ التميُّز الطبقي بين الفاعلين الرقميين. بناء على ذلك، أرى أن الترند إنَّما هو جزءٌ من صناعة الثقافة التي تُخضع الأفراد لمنطق السوق والاِستهلاك، لكن أيضًا تهيِّئُ لهم الحقل المناسب للشعور بأنهم مُنتمون. إنَّه يحجب كل ضروب اِغتراب الإنسان عن نفسه، وعن الطبيعة، وعن العالَم الأصليّ الذي تركناه وراءنا.
(*) كيف يؤثر الترند على علاقة الإنسان بذاته وبالعالم الطبيعي والاجتماعي؟
إنَّ الحاجة المرضية إلى الاعتراف، والرغبة في النفوذ والسلطة، والسعي المجنون من دون هدف إلى الربح، والخوف من الاِختفاء أو السقوط في النسيان، ومحاولة إنتاج معنى لوجود الإنسان داخل المجتمع الرقمي، والانهمام بالذات على نحو هستيري، يجعل الإنسان في عصر التواصل الافتراضي كائنًا بعيدًا كلّ البعد عن ذاتِ نفسه العميقة الأصليَّة. أعني ذاك الكائن الذي كان يومًا جزءًا من الطبيعة، معبِّرًا عنها، متناغمًا معها على نحو الاِكتمال. وبذلك، هو يبتعد شيئًا فشيئًا عن المجتمع الأصليّ والتقاليد المجتمعيَّة، والقواعد والقوانين والأعراف... وإلخ؛ ليجد نفسه بعد ذلك في فراغ عابر وسريع وجاهز يتجدّد في كلِّ مرَّة يقذفه في غياهب التَّيه.


تحميل المقال التالي...