وقد شكّلت حرب الإبادة الجماعية التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزّة، منذ السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، منعطفًا مفصليًا في مسيرة نعيم الفنّية؛ حيث فقد منزله ومرسمه وقرابة 100 لوحة تمثّل أرشيفًا بصريًا تراكم على مدى سنوات طويلة.
وكان ضيفنا شاهدًا على إبادة مدينة عائلته "بيت حانون" شمال قطاع غزّة، التي تحضر باستمرار في ذاكرته وأعماله، حتّى بعد خروجه من القطاع في نيسان/ أبريل 2024، أي بعد نحو سبعة أشهر من بداية العدوان الإسرائيلي الهمجي، عقب عملية "طوفان الأقصى". إلّا أنّ هذه الخسارات لم تدفعه إلى التوقّف عند حدود الفقد المستمرّ، بل فتحت أمامه أسئلة أكثر عمقًا حول قدرة الفنّ على مواجهة الإلغاء والمحو، وإعادة بناء الأمكنة التي اختفت، واستعادة ما يتعرّض للغياب عبر الصورة واللون والخيال.
أنجز معتز نعيم خلال مشواره الفنّي العديد من المعارض الفردية والجماعية داخل فلسطين وخارجها، كما شاركت أعماله في مشاريع ومعارض دولية متعدّدة، كان من أبرزها مساهماته في "بينالي غزّة" عبر أجنحة ومعارض أقيمت في عدد من المدن الأوروبية والأميركية والكندية.
اقتُنيت أعماله - التي تقدّم لغة بصرية تتجاوز التوثيق المباشر نحو مساءلة مفاهيم المكان والذاكرة والاقتلاع - في متاحف ومجموعات فنّية في بلدان عربية وغربية. وكان أن درّس بقسم الفنون في الكلّية الجامعية للعلوم والتكنولوجيا بمدينة "خان يونس". وهو عضو في الاتحاد العام للفنّانين التشكيليين الفلسطينيين منذ عام 1991.
في الحوار التالي، نتوقّف مع الفنّان معتز نعيم عند أبرز محطّات مسيرته الفنّية، وتحوّلات رؤيته الجمالية، وعلاقته بالفنّ المعاصر، والأسئلة التي تشغله اليوم، وهو يواصل تطوير مشروعه الفنّي بين الذاكرة والمكان والإنسان.
(*) عادة ما تبدأ موهبة الفنّان بالظهور منذ الطفولة، فماذا تحدّثنا عن بداياتك الفنّية؟ وبمن تأثّرت من الفنّانين الرواد في فلسطين؟
بدأ اهتمامي بالرسم في مرحلة مبكرة جدًا منذ طفولتي، في سنوات الدراسة الابتدائية الأولى. كنت أجد نفسي منجذبًا إلى الورقة والقلم والألوان أكثر من أيّ نشاط آخر، وكأنّ الرسم كان لغتي الأولى لفهم العالم والتعبير عنه. لم أكن أدرك آنذاك أنّ هذا الشغف الصغير سيصبح لاحقًا مسار حياة بالكامل.
كنت أشعر دائمًا أنّ الصورة تمتلك قدرة خاصّة على قول ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه. ومع مرور السنوات تحوّل الرسم من هواية إلى حاجة يومية، ثمّ إلى خيارٍ واعٍ في بداية المرحلة الجامعية حين قرّرت أن يكون الفنّ مساري المهني والفكري. التحقت بكلّية الفنون الجميلة في جامعة دمشق وتخرّجت عام 1997، وكانت تلك المرحلة محطّة مفصلية في تكوين رؤيتي الفنّية، لأنّها أتاحت لي التعرّف على تاريخ الفنّ وتياراته وأسئلته الكبرى، وأدركت خلالها أنّ الفنّ ليس مجرّد مهارة تقنية، بل وسيلة للتفكير والتأمّل وإعادة اكتشاف الإنسان والعالم.
أمّا فيما يتعلّق بالتأثيرات، فقد تأثّرت بالتجربة التشكيلية الفلسطينية عمومًا وما حملته من ارتباط عميق بالمكان والذاكرة والهوية، وكنت حريصًا منذ البداية على ألّا أتوقّف عند حدود التأثّر المباشر بأيّ فنّان أو تجربة. كنت أؤمن أنّ الفنّان الحقيقي لا يكتفي بتكرار ما أنجزه الآخرون، بل يسعى إلى بناء صوته الخاصّ انطلاقًا من تجربته الإنسانية ورؤيته الشخصية. وعلى امتداد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل الفنّي ظلّ هذا البحث عن الصوت الخاصّ هو المحرّك الأساسي لتجربتي. لذلك جاءت أعمالي نتاجًا لحوار طويل بين ما تعلّمته أكاديميًا وما عشته واقعيًا وما حاولت اكتشافه فنّيًا، وهي رحلة ما زالت مستمرّة حتّى اليوم.
(*) كانت النجاة في الشهر السابع من حرب الإبادة الهمجية، بخروجك من قطاع غزّة باتّجاه القاهرة، التي تقيم فيها حاليًا. ولكن ماذا عن بيتك، ولوحاتك، ومرسمك، ومكتبتك، وعن المدينة التي خلّفتها وراءك مدمّرة، والموت يخيّم في كلّ حيّ وشارع وزاوية فيها، والتي لا تزال معاناتها متواصلة إلى يومنا هذا؟
غادرت غزّة في نيسان/ أبريل 2024 بعد نحو سبعة أشهر من بداية الحرب، لكنّ كلمة "مغادرة" تبدو أحيانًا أقلّ من أن تصف ما حدث فعلًا. فالجسد فقط هو الذي غادر المكان، أمّا الروح والذاكرة فما زال جزء كبير منهما هناك بين الركام والبيوت المهدّمة والشوارع التي تغيّرت ملامحها أو اختفت بالكامل. دُمّر منزلي ومرسمي، وفقدت ما يقارب 100 عمل فنّي كانت تمثّل حصيلة سنوات طويلة من البحث والتجريب والعمل. كانت تلك الأعمال تشكّل أرشيفًا بصريًا لمسار فنّي امتدّ لعقود، وبعضها لم يكن مجرّد لوحات، بل محطّات شخصية ووجدانية مرتبطة بمراحل مختلفة من حياتي وتجربتي. لكنّ الخسارة الأكبر بالنسبة لي لم تكن في الأعمال نفسها، بل في ما أصاب المدينة. بيت حانون، التي تنتمي إليها عائلتي والتي شكّلت جزءًا أساسيًا من ذاكرتي وتكويني الإنساني، تعرّضت كما تعرّضت معظم مناطق قطاع غزّة لدمار هائل وغير مسبوق. حين يُدمّر المكان لا تضيع الأبنية فقط، بل تضيع طبقات كاملة من الذكريات والعلاقات والقصص والتفاصيل الصغيرة التي تشكّل حياة الناس وهويتهم. لقد أدركت خلال تلك التجربة أنّ الحرب لا تستهدف الحاضر فقط، بل تستهدف أيضًا الماضي والذاكرة وإمكانية المستقبل. ومن هنا أصبح سؤالي الفنّي أكثر ارتباطًا بفكرة الحفظ والاستعادة ومقاومة المحو. وربّما لهذا السبب أصبحت أكثر اقتناعًا بأنّ الفنّ ليس ترفًا أو نشاطًا جماليًا معزولًا، بل أحد أشكال الدفاع عن الذاكرة الإنسانية في مواجهة النسيان.
(*) ماذا تحدّثنا عن لوحاتك التي لم تنجُ من محرقة القرن الواحد والعشرين، التي عشت بعض فصولها في الأشهر السبعة الأولى منها؟ وعن تلك التي رسمتها تحت النار قبل الخروج؟
للأسف لم ينجُ من أعمالي سوى المجموعات التي كانت قد غادرت فلسطين سابقًا للمشاركة في معارض ومشروعات فنّية خارجية. أمّا بقية الأعمال، والتي كانت تمثّل الجزء الأكبر من أرشيفي الفنّي، فقد فُقدت مع تدمير المنزل والمرسم. لذلك أشعر أحيانًا أنّ جزءًا من تاريخي الشخصي والفنّي ما زال مدفونًا تحت الركام. لكنّني لا أحبّ النظر إلى هذه الخسارة باعتبارها نهاية.
صحيح أنّ الأعمال المادّية اختفت، لكنّ الأفكار والأسئلة والتجارب التي أنتجتها ما زالت حاضرة، وهي التي تشكّل الجوهر الحقيقي لأيّ تجربة فنّية. أمّا خلال أشهر الحرب، فلم تكن الظروف تسمح بإنتاج أعمال مكتملة. كنّا نعيش في ظروف استثنائية يطغى فيها هاجس البقاء على كلّ شيء آخر. تنقّلنا بين أماكن متعدّدة، وعشنا فترات في مراكز الإيواء ثمّ في الخيام، وكانت أبسط مقوّمات العمل الفنّي غائبة تمامًا. كلّ ما استطعت إنجازه آنذاك كان بعض السكتشات والتخطيطات السريعة باستخدام الفحم والأحبار ومواد بدائية بسيطة. لم تكن تلك الرسوم مشاريع فنّية مكتملة بقدر ما كانت محاولة للإمساك باللحظة ومنعها من التلاشي الكامل. كنت أشعر أحيانًا أنّ الرسم في تلك الظروف يشبه كتابة مذكرات بصرية مختصرة في مواجهة الفوضى والخوف وعدم اليقين.
(*) أسألك عن مشاركاتك بالمعارض الفنّية التي ساهمت فيها، واللوحات التي أنجزتها، وأنت تواكب هذه الحرب الوحشية في أثناء إقامتك المؤقّتة في القاهرة؟ ومن قبل عن معارضك الفردية والجماعية داخل فلسطين وخارجها خلال مشوارك الفنّي الطويل؟
على امتداد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل الفنّي شاركت في عشرات المعارض الفردية والجماعية داخل فلسطين وخارجها، وأسهمت في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي من خلال الممارسة الفنّية والعمل الأكاديمي والمشاركة في الحوارات والأنشطة الثقافية المختلفة. من المحطّات المهمّة في مسيرتي معرضي الفردي "لا أزمة في المكان" الذي أقيم في غزّة عام 2018، إضافة إلى مشاركاتي المتعدّدة في مشاريع ومعارض دولية مختلفة. وفي السنوات الأخيرة شاركت أعمالي ضمن "بينالي غزّة" الذي أقيم عبر أجنحة ومعارض في عدد من المدن والعواصم الأوروبية والأميركية والكندية، الأمر الذي أتاح للأعمال الفلسطينية أن تصل إلى جمهور أوسع وأن تدخل في حوار عالمي حول الفنّ والذاكرة والإنسان. أعتبر هذه المشاركات مهمّة لأنّها لم تكن مجرّد فرص للعرض، بل كانت أيضًا فضاءات للتبادل الثقافي والمعرفي، ولإيصال التجربة الفلسطينية بلغة الفنّ بعيدًا عن الصور النمطية والاختزالات السياسية المباشرة.
أمّا بعد وصولي إلى القاهرة، فقد احتجت إلى وقت طويل نسبيًا لاستعادة قدرتي على العمل. الفنّان الذي يفقد منزله ومرسمه ومدينته لا يستطيع العودة إلى الرسم بالسرعة نفسها التي يعود بها إلى تفاصيل الحياة اليومية. كانت هناك حاجة لإعادة ترتيب العلاقة مع العالم ومع الذاكرة ومع معنى العمل الفنّي نفسه.
(*) كيف أعادت الحرب تعريف نظرتك إلى الفنّ؟ وكيف أصبحت لوحاتك مساحة لإعادة بناء الأمكنة والمدن التي تحملها في دواخلك بعدما لم تعد موجودة كما كانت من قبل؟
أعتقد أنّ الحرب لم تصنع تجربتي الفنّية، لكنّها أعادت توجيه أسئلتها نحو مناطق أكثر عمقًا وإلحاحًا. فقبل الحرب كنت منشغلًا بقضايا المكان والذاكرة والإنسان، لكنّ هذه القضايا كانت بالنسبة لي أقرب إلى التأمّل الفكري والجمالي. أمّا بعد الحرب فقد أصبحت جزءًا مباشرًا من التجربة الشخصية واليومية. قبل الحرب كنت أتعامل مع المكان بوصفه واقعًا قائمًا يمكن العودة إليه، أمّا اليوم فأتعامل معه بوصفه ذاكرة مهدّدة بالاختفاء. وهذا التحوّل انعكس بصورة واضحة على أعمالي وعلى الطريقة التي أنظر بها إلى الفنّ. أصبحت اللوحة بالنسبة لي مساحة لإعادة بناء ما تعذّر الحفاظ عليه في الواقع. الفنّ لا يستطيع أن يعيد مدينة دُمّرت أو بيتًا اختفى، لكنّه يستطيع أن يحفظ أثرهما في الوعي والذاكرة، وأن يمنحهما حياة جديدة داخل المخيلة الإنسانية. ولهذا أصبحت أكثر اهتمامًا بما يبقى بعد الكارثة، أكثر من اهتمامي بالكارثة نفسها. ما يشغلني اليوم ليس تصوير الخراب أو توثيق الدمار فقط، بل البحث في مصير الإنسان بعد الفقد، وفي الكيفية التي تستمرّ بها المدن في العيش داخلنا حتّى بعد اختفائها. ربّما لهذا أصبحت أعمالي الأخيرة أقرب إلى التنقيب في طبقات الذاكرة منها إلى وصف الواقع المباشر. الحرب جعلتني أكثر اقتناعًا بأنّ الفنّ ليس مجرّد تسجيل للأحداث، بل محاولة لفهمها وتجاوزها وإعادة صياغتها في شكل أسئلة إنسانية أوسع.
(*) بعد هذه المسيرة الفنّية الطويلة، هل تمكّنت اليوم من تكوين أسلوب فنّي يميّزك؟ ما هي خاصياته؟
أعتقد أنّ الفنّان يقضي حياته كلّها في البحث عن أسلوبه، وربّما تكمن أهمّية التجربة الفنّية في استمرار هذا البحث وعدم التوقّف عند نقطة معيّنة. لذلك لا أحبّ التعامل مع الأسلوب بوصفه قالبًا ثابتًا أو وصفة جاهزة يمكن تكرارها من عمل إلى آخر، بل أراه كائنًا حيًا يتطوّر ويتغيّر مع تطوّر التجربة والرؤية. شهدت أعمالي تحوّلات عديدة عبر السنوات، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لأيّ فنّان يعيش حالة بحث مستمرّة. لكن إذا كان هناك خيط ناظم يربط هذه التحوّلات ببعضها، فهو انشغالي الدائم بالمكان بوصفه حاملًا للذاكرة، وبالإنسان بوصفه شاهدًا على التحوّلات الكبرى التي تصيب المجتمعات والأفراد. لهذا تتكرّر في أعمالي موضوعات الرحيل والاقتلاع والتحوّل والغياب وإعادة البناء، لكن ليس بصيغة توثيقية أو سردية مباشرة، وإنّما من خلال لغة بصرية تحاول الجمع بين البعد الواقعي والبعد الرمزي. ما يهمّني دائمًا هو أن تظلّ اللوحة مفتوحة على التأويل، وأن تمنح المتلقّي فرصة المشاركة في بناء معناها. أشعر اليوم أنّ تجربتي أصبحت أكثر وضوحًا من حيث الأسئلة التي تطرحها، لكنّني ما زلت أعتبر نفسي في حالة بحث واكتشاف مستمرّ.
(*) ما الذي يمنحك طاقة إضافية على التجدّد والتأمّل لإغناء تجربتك الفنّية والأخذ بها إلى مناطق بعيدة وغير مطروقة؟
ما يمنحني هذه الطاقة هو الفضول أوّلًا. ما زلت حتّى اليوم أتعامل مع الفنّ باعتباره رحلة اكتشاف أكثر منه مهنة أو اختصاصًا. كلّ تجربة جديدة، وكلّ قراءة، وكلّ حوار، وكلّ عمل فنّي أراه يمكن أن يفتح نافذة جديدة للتفكير. القراءة تشكّل جزءًا مهمًّا من حياتي، ليس في الفنّ فقط، بل في الأدب والفكر والتاريخ والفلسفة. كما أنّ متابعة التجارب الفنّية المختلفة تساعدني دائمًا على إعادة النظر في أفكاري وموقفي من العمل الفنّي. إلى جانب ذلك، فإنّ التجربة الفلسطينية نفسها تضع الفنّان باستمرار أمام أسئلة جديدة. نحن نعيش في منطقة مليئة بالتحوّلات والتحدّيات والتغيّرات العميقة، وهذا يجعل علاقتنا بالمكان والهوية والذاكرة علاقة متحرّكة ومتجدّدة على الدوام. لكن ربّما يكون العامل الأهمّ هو الإيمان بأنّ الفنّ ليس معرفة مكتملة، بل عملية تعلّم مستمرّة. وكلّما تقدّم الفنّان في تجربته اكتشف أنّ ما لا يعرفه أكبر بكثير ممّا يعرفه.
(*) أين أنت من الجديد في الفنّ المعاصر (فنّ التجهيز/ التركيب، والغرافيتي، وفنون الشارع، وغيرها من الأشكال التعبيرية المعاصرة) في ظلّ هيمنة الرقمي والتقني؟ ومن قبل، كيف تنظر إليها؟
أنظر إلى الفنّ المعاصر بوصفه فضاءً واسعًا للحوار والتجريب، وليس بوصفه مدرسة أو اتّجاهًا مغلقًا. لذلك لا أتعامل مع الوسائط الفنّية المختلفة بمنطق المفاضلة أو الصراع، لأنّ قيمة العمل الفنّي لا تتحدّد بنوع الوسيط المستخدم، بل بقدرته على إنتاج معنى جديد وطرح أسئلة حقيقية. قد تتحقّق هذه القدرة عبر لوحة زيتية، أو عمل تركيبي، أو فيديو، أو فنّ شارع، أو أيّ وسيط آخر. المهمّ بالنسبة لي هو الفكرة وعمق الرؤية وصدق التجربة. ورغم انفتاحي على مختلف أشكال التعبير الفنّي المعاصر، فإنّني ما زلت أؤمن بقوّة اللوحة وقدرتها على التجدّد. أعتقد أنّ اللوحة لم تستنفد إمكاناتها بعد، وما زالت قادرة على إنتاج معرفة بصرية جديدة والتفاعل مع أسئلة عصرنا المعقّدة. الفنّ بالنسبة لي ليس صراعًا بين القديم والجديد، بل بحث مستمرّ عن اللغة الأكثر قدرة على التعبير عن الفكرة.
(*) هل ترى أنّ النقد استطاع الدخول إلى عمق تجربتك الفنّية؟
النقد الفنّي يشكّل جزءًا مهمًّا من الحياة الثقافية لأيّ تجربة فنّية، لأنّه يفتح حوارًا إضافيًا حول العمل ويمنحه فرصة جديدة للحياة خارج حدود المرسم أو صالة العرض. خلال مسيرتي كانت هناك قراءات نقدية اقتربت من جوهر التجربة، واستطاعت أن تلتقط بعض الأسئلة الأساسية التي تحرّك أعمالي، خصوصًا ما يتعلّق بالمكان والذاكرة والإنسان والتحوّلات الاجتماعية والثقافية. وفي أحيان كثيرة اكتشفت من خلال بعض القراءات زوايا جديدة لم أكن واعيًا لها بشكلٍ كامل في أثناء إنجاز العمل نفسه. في المقابل، هناك قراءات أخرى بقيت عند حدود الوصف الشكلي أو التفسير المباشر. أعتقد أنّ العلاقة بين الفنّان والناقد ليست علاقة اتّفاق أو اختلاف بقدر ما هي علاقة حوار. فالعمل الفنّي الحقيقي يظلّ مفتوحًا على قراءات متعدّدة، وربّما تكمن أهمّيته في قدرته على إنتاج تأويلات جديدة مع مرور الزمن وتغيّر السياقات.
(*) أخيرًا، ما الهواجس الفنّية التي تشغلك هذه الأيّام، في ظلّ استمرار حرب الإبادة والمجازر، وسياسات التدمير الشامل، والحصار الخانق، والتجويع كـ"سلاح حرب"؟
تشغلني اليوم مجموعة من الأسئلة المترابطة التي تشكّل جوهر مشروعي الفنّي الحالي. في مقدّمة هذه الأسئلة تأتي المدن التي تحوّلت إلى أطياف، والذاكرة المهدّدة بالمحو، والإنسان الذي يحمل وطنه معه في أثناء الرحيل. أفكر كثيرًا في مصير المكان بعد الكارثة، وفي الكيفية التي تستمرّ بها المدن في العيش داخلنا حتّى بعد اختفاء ملامحها المادّية. كما يشغلني سؤال الذاكرة: ماذا يبقى من الأماكن حين تتغيّر أو تُدمّر؟ وكيف يمكن للفنّ أن يحفظ شيئًا من أثرها الإنساني؟ أحاول في أعمالي الأخيرة أن أقترب من هذه الأسئلة عبر لغة بصرية لا تكتفي بتسجيل الحدث أو وصفه، بل تسعى إلى إعادة التفكير فيه وتحويله إلى تجربة إنسانية أوسع. ما يشغلني ليس الخراب نفسه، بل ما يبقى بعده؛ ليس الفقد وحده، بل قدرة الإنسان على الاستمرار وإعادة بناء المعنى رغم كلّ شيء. لا أتعامل مع الفنّ بوصفه وسيلة لتوثيق المأساة فقط، بل بوصفه مساحة للتأمّل والمساءلة والحفاظ على الذاكرة. فالمدن قد تُدمّر، والبيوت قد تختفي، لكنّ الفنّ يظلّ قادرًا على حماية أثرها في الوعي الإنساني ومنحها حياة جديدة داخل المخيلة. ولهذا أستطيع القول إنّ مشروعي الفنّي اليوم يدور حول محاولة فهم العلاقة بين الذاكرة والمكان والإنسان في زمن التحوّلات العنيفة، والبحث عن الجمال والمعنى وسط عالم يبدو أحيانًا مهدّدًا بالفقدان.
ما يشغلني اليوم ليس ما فقدناه فقط، بل ما يمكن إنقاذه من المعنى؛ فالفنّ لا يستطيع أن يوقف المأساة، لكنّه يستطيع أن يمنعها من التحوّل إلى مجرّد رقم أو خبر عابر.


تحميل المقال التالي...